سطيح
قصة قصيرة صالح جبار خلفاوي – العراق
المسافة بين الجدار والمكان الذي نجلس فيه يحتاج عشرة خطوات لأصل إليه حتى أبدل نوبة الحراسة، المكان بناية دائرة حكومية متروكة تمترسنا فيها بعد أن تقدمنا ليلا نحو شاخص للعدو كان يضع فيه قناصاً، الأرض الترابية هشة، الشجيرات المزروعة بعناية لا تغطي أجسادنا حين الوثوب .. حجي عمران ذلك الرجل ذو الملامح القاسية واللحية البيضاء، يقول تركت بسطيتي في سوق الديوانية حتى التحق بالحشد.. يستطرد: لم تكن الفكرة مكتملة، لكنها كانت هبة عصفت داخلي من دون تردد .. يشعل لفافة التبغ .. أتركه .. أمضي نحو برج المراقبة، الأرض تبدو متموجة من هذا الشاهق .. أوراق النباتات تهتز .. المساء يقترب مع عتمته الأزلية .. يقولون تكريت كانت قرية رجل يدعى سطيح، حاولت فهم معنى كلمة سطيح إلى أن ظفرت بكتاب قديم يتحدث عن ذلك .. لم يكن إنساناً مكتملا .. هيئته مسطحة .. كائن بلا عظام .. تتحدث الرواية .. لكنه يتمتع بذهن متقد، يتنبىء بالأحداث، حينما جاءته البشارة ألقى جسده من السطح .. أزت رصاصة قرب رأسي ، انتبهت، رأيت شبحاً أسوداً يتدحرج بين الشجيرات، صرخ حجي عمران لا تتراجع أنا خلفك أحميك .. الجسد المتحرك أمامي كان مدولبا لايمشي على قدميه بل يدور مثلما الكرة، صوبت البندقية نحوه، أطلقت رصاصتين عليه توقف كأنما أصيب إصابة بالغة، صوت أنينه يملأ الفضاء، يرجع متدحرجاً إلى الوراء .. صوت عمران لم يكف عن التكبير، رائحة الليل تكسو الفضاء الواسع، يعاود الرجوع صاحب الجسم المسطح ليلقي نفسه باتجاه الجدار .. لتنير العتمة شعلة نار جراء انفجار جسده، بينما يبقى جسدي معلقاً على برج الحراسة، وتكبيرات عمران لم تتوقف رغم الرمي المستمر .. تبعته الأجساد المسطحة، أشتد أزيز الرصاص وانفجار قنابل الهاون، اختلطت الأصوات، لكن أنيناً مدوياً ظل يرتفع كأنه يأتي من دهليز يغور في جوف أرضي بعيد، سلالة من فزع البشارة تحمل ملامح مشوهة، علامات تنبئ عن وجع لا يستكين.