بقلم: رزاق عبد الرزاق
تجبر الباشا واستكبر ، وتضخمت بباطنه أنا الغرور، وتمددت من كل جانب ، مثقلة بصلابة الصخور البازلتية التي تبرق رعدا زمهريرا، كلما حركته هواجس التسلط والتظلم على المستضعفين في الأرض . لابسة وشاح الطاغي المتجبر. والويل كل الويل لمن لفض كلمة ” لا ” أمام حضرة الباشا، الذي تعود على سماع ” نعم سيدي الباشا، كلامكم نور” .
فهذا الباشا ليس كباقي الباشاوات ، تارة يحتمي بالعلوم الحقة، لكن يطبقها بشكل آلي وبدون ضمير، وتارة يلبس جلباب الفقيه المشرع ، دون اللجوء إلى أمهات الكتب الفقهية والمراجع الأساسية التي زادتها السنون وقارا وقيمة ، همساته أوامر وإشاراته برامج ، يجب تطبيقها على الفور ، وإلا تعرض الشخص المماطل للعقاب على يد احترافيين قي التعذيب لا يشفقون ولا يرحمون .
كم كانت ستكون هذه المدينة من أسعد المدن لو أن مشاريع صاحب السعادة التي أقامت دنيا الأعمال ولم تقعدها، تدر الخير العميم على الساكنة أجمعين . وقتئذ سيكون الجميع في منتهى السعادة والحبور، وفي منأى عن مفاجآت الزمن ومباغتاته، لأن خلق فرص الشغل فيه خير كثير، مقارنة مع الملاذ الريعية وجنات التهرب الضريبي، التي يلجأ إليها الفارون من الزكاة الإجبارية عن الدخل . وحتى إن ساد الاعتقاد بأن تجنب الأسئلة المؤرقة من قبيل ” من أين لك هذا ” يعتبر خيانة بالمفهوم الراديكالي، فإن توظيف هذا الرأسمال المادي فاقد الذوق والهوية ، في المنفعة العامة يضمن لصاحبه بصيص من الطهرانية.
هذه الأنا المفرطة في نرجسيتها، والمتمادية في عجرفتها وجشعها هي التي تفتي على صاحبنا بارتكاب المزيد من الكبائر، دون اكتراث أو صحوة ضمير . فحتى في إقامته الصيفية المطلة من أعلى الهضبة على البحر، يضطر الخدم إلى ارتداء ملابس خشنة مصنوعة من الصوف الثقيل لتزيد درجات قياسية لحرارة الجسم، والباشا المغرور لا يدري أنه يأكل وجبات ممزوجة بعرق الطباخين . وبما أن البحر يلامس إقامته المخملية ، بعد ارتخاء أمواجه ، فهو يمشي شبه عار، فوق المساحة الرملية ، لا يرتدي إلا قطعة ثوب صغيرة تستر عورته ، لكن تفضح سيرته الأنوتية.
فإذا كان أشهر وأعدل خلفاء العرب عمر بن عبد العزيز لا ينام إلا بعد الحكم بالعدل والقسطاس، وكان مسكنه المتواضع قبلة للمظلومين وفاقدي الأمل، فإن صاحبنا لا يعير أي اهتمام لمشاكل الناس والعدل بينهم ، إنه يوظف جيش عرمرم من المخازنية لحراسة منزله الضخم الذي يضاهي بهاء القصور. من يقترب من السياج يدق عذاب الحجز والسوط ، وتشنف أذناه بوابل من السب واللعن.
ما يشغل بال هذا الباشا المتطرف، هو محاولة تلميع صورته أمام أسياده الذين ضمنوا له موقعا هاما في دواليب السلطة، بعد أن قام بتلطيخ صورة منافسيه. وما أن وطأت قدماه دار المخزن حتى شرع في عملية واسعة النطاق تستهدف الباعة المتجولين، وماسحي الأحذية ، الذين يكدون يوميا من أجل لقمة عيش. ضيق عليهم الخناق على نحو لا يطاق. ليس له الوقت للبحث عن مسببات الفقر و عن مكامن الظلم وأوكاره، لأنه يعلم أنه لو أنعكف وتعمق بشكل جدي في الموضوع و في تشعباته، فلن يبقى له الوقت للاستمتاع بملذات الحياة . وهذه هي المعادلة الصعبة التي حولت الحكم إلى معضلة والحكامة إلى مأزق. لكي تعدل عليك أن تتحلى بالزهد و بالحزم والمثابرة، و أن تبتعد عن اللهو والإغراءات والشهوات . و إن انجرفت في متاع الدنيا ، عمت التناقضات والتظلمات.
اختير هذا الباشا بعناية فائقة . فمن يفوز بالترشيح للمناصب، ويحظى بالتوشيح عند انتهاء مهمته، هو من له القدرة على التنكيل بالمواطنين وجرجرتهم في المحاكم ، لأن بعد المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين التين استهدفا أعلى هرم الدولة، تغير أسلوب الحكم، من الحياد إلى الانتقام المعمم والممنهج، لأن الشعب لم يخرج للشارع ليندد بالانقلاب. و معروف عن هذا الباشا أنه سريع الغضب وشديد البخل. و حينما يشتد به الغيظ ويكفهر مزاجه ، يزيغ جهازه البصري عن محوره الطبيعي، ليرى من هم أصغر منه شأنا كالديدان والجرذان تستحق العيش في القواديس المتعفنة، وفي الأقبية المظلمة العائمة في مجاري المياه العادمة. يتلذذ في منتهى السادية في سماع أنين المضطهدين، كما يتلذذ الشادي المترنم بأغنيته المفضلة. فهو شبه معفى من أي محاسبة لأنه يعتبر نفسه من خدام الدولة ، جيء به لمحاربة خدام الشعب ، ولا أحد من حوارييه تجرأ لحثه على التواضع .
ففي الأيام العادية ، نراه يجوب شوارع المدينة بعنتريته المغشوشة مهيمنا بظله الثقيل على الزرابي المزركشة التي يبسطها خدامه ، عند مدخل العمالة ، لكي لا تحس قدماه بخشونة الأرض. لكن إلى متى سيضل يخشى الأرض ؟ كيف سيفعل يوم الممات حين تقول له الدنيا: ” هيهات فاتك الفوت” ؟ هل ستعلق جتته على الأغصان كما كان يفعل الهنود الحمر بموتاهم؟
يقف في ملتقيات الطرق بسحنته الخشنة، ثماما كما كان يفعل المراقب العام أيام الاستعمار. سحنة مكهربة تندر بموت قريب آو بمرض مزمن ، سئم السكان خرجاته و صبيانية أفعاله ، ومن كثرة الغيظ صاروا غير عابئين بما يفعل من حماقات لا يصدقها العقل المتزن.
إن الشباب الواعي الذي يؤمن بأن الحراك لازمة لا مفر منها ، تستوجب التعبئة المستديمة إلى أن تتحقق العدالة الاجتماعية وتشيع المساواة في جميع الإرجاء، كما حدث في بلدان أخرى، كانت مكوناتها الإثنية متناحرة بشكل رهيب، هو من يحصي أغلاطه وهفواته، وما أكثرها في عصر البرونتاريا، وبروليتاريا الألفية الجديدة. نراهم يبصقون مرتين كلما سمعوا اسم الباشا الملعون ، مرة على اليمين ومرة على الشمال، كأن المتسبب شيطان مريد .
قيل عن الباشا بأنه خريج مدرسة القناطر، لكنه رغم هندسته الفائقة لم يستطع أن ببني جسرا تواصليا واحدا مع الساكنة الثائرة على تدهور الأوضاع المعيشية، وتفشي الظلم . يمشي على نمطه المتفرد ويعيش على أهوائه الغرائبية ، مهرج في لباسه ومفرط في كبريائه ، مستفز في خطابه، ومخل بوعود أصدقائه، إن كان في الأصل له أصدقاء. يتعالى بأنانيته ويتباهى بفردانيته ، في تحد لكل الأعراف و القيم، لكن رغم تسلطه، يقوم أحيانا بأفعال تثير الضحك التهكمي والشفقة، كالأبله فاقد الذاكرة ، ولا يكترث بما يروج حوله من كلام مشفر مليء بالألغاز والتأويلات . كيف له أن يكترث وهو محاط ممن أغشي عليهم بشتى وسائل التنويم المتعمد، ومقيدين بحبال الجبن و التردد. استغل الفراغ المهول الذي تركه الأوائل من البواسل الذين احتفظ التاريخ بأسمائهم الوضاءة، لأنهم كانوا شجعان، ويجهرون أكثر مما يبطنون ، لا يتوقفون عن النضال ، مهما كانت خطورة التيار الجارف وردات الفعل ، لأن الضمير الحي كان يملي عليهم هذا السلوك البطولي، وذلك رغم تضخم الأهوال و تعدد المقالب ووسائل القمع.
” ابتعدو عن طريقي أريد المشي بمفردي”، هكذا تُصُور أنه ينطق في لغته الداخلية التي لا يفهما أحد غيره ، ما عدا هو، سعادة الباشا صاحب المهابه والهندام الزئبقي . لكن لماذا ينادي على الأعوان كلما اشتد به الوهن،
للتخفيف من عزلته، رغم الكراهية التي يكنها لهم ؟ لماذا يستعين بسواعد من هم أصغر منه شأنا وبعضلاتهم المفتولة ، كلما أحس بخطر محتمل أو بتهديد حقيقي مع سابق إنذار وترصد ؟
“طرق التسيير ليست من اختصاصكم، إنها من اختصاصي انأ مهندس الطرق والقناطر . سأنادي عليكم حين احتاج إليكم ، دمتم على طاعة وولاء”.
هكذا تحول ابن القرية الشاب الوديع إلى طاغي متجبر، بعدما تدرب على يد خبراء في تغيير الجلد الآدمي وفي تطويع الجماجم. طول وقته يردد مقولة ورثها أبا عن جد : “التعبان لا يلد إلا ما هو أطول منه” .
مشا الطفل على نهج أبيه، الذي كان شاوشا شرسا يتعاون مع المستعمر، ينقل أسرار أهل البلد للحاكم الأجنبي، ويخرج من مكتبه و أدناه مملوءتان بصدى كلمة “ميرسي” ، ويداه فارغتان من الفرنكات الذهبية التي كان يحلم بها قبل القيام بفعلته الدنيئة . هذه القطع المعدنية دائرية الشكل ، نقشت عليها صورة لويس ملك فرنسا، في عز زمانه . إنها وحدات نقدية تستحق الذكر ، لأنها كانت مشهورة في البلد، لدرجة أن أغنية شعبية ذائعة الانتشار تطرقت أليها على نحو غريب: “هنا طاح اللويز وهنا ندابزوا عليه”. وهذه الأغنية ، المراكشية على ما يبدو ، تظهر بجلاء جشع أناسنا الأقدمين والذين يحاول اليوم تقليدهم ثلث هجين، لكن في تكاثر مبين ، من المهووسين بجمع مال الريع، البارد والنتن ، على حساب المبادئ والقيم، والعمل الجهيد و المضني.
فمن الجانب اللسني التحليلي ، وعلى مستوى الرمزي، كانت العبارة ستتحول إلى غناء بطولي لو أزيل الشطر الثاني من المقطع أي “وهنا ندابزوا عليه” . سقوط الملك الجبار في أرض القفار، أحسن بكثير من المشاجرة من أجله. لكن حينما نرى الشيخة ترقص في حفلات الزفاف ، و بلدها يرزح تحت نيل الاستعمار ، وهي تتباهى بحزام معدني اصفر مرصع ب”اللويز” (لمضمة)، تبدو المفارقة في أحقر تجلياتها .
وجد الباشا الفرصة المواتية لبسط نفوذه ، مستفيدا من الخلافات العرقية والقبلية، كما استفاد منها من قبله الماريشال المستعمر، الذي كان في عز شذوذه يعشق الغلمان و”مزغبي” الصدر. قوى شوكته وقبضته على العصا الغليظة ليتحكم في مصائر قوم، جلهم مغلوبين على أمرهم، منهم من أنهكه المرض والفقر. أما المهرولون فلا وزن لهم ، وأبشعهم هم المغفلون الذين يتقون في كلام السياسيين الماكرين، و الذين لازالت فئة منهم لم تصح بعد من نومها الفكري ، لتنفض الغبار على أكتافها المهلولكة، بالتحلي بروح النقد الذاتي والمساءلة وإعادة النظر في أمور كثيرة .
تغول الباشا واستأسد كما تغول واستأسد من قبله المارشال، واستقوى من ضعف المقاومة ومن الشروخ التي أصابت وحدة الصف ، لا يقابل في ذلك إلا بجبن الجبناء وجشع البلداء والطامعين. وما عزز من تسلطه المفرط ، هو قربه من جوكير النظام ، الذي صار يطلق عليه اسم راسبوتين القرن 21 ، ولا ينافس هذا الأخير إلا ”اللاص صاحب الراي” الذي يحلم بمغرب أخضر ، في حين أنه هو أول من يلوثه بانبعاثات الديزل وأكسيد الكربون .
الرفاق تائهون و الإخوان حائرون، والمثقفون صامتون، و لما نبه المجذوب العشيرة بتعدد فصائلها بكلامه المرصع بجواهر العقل السليم عن التيه الذي دخلت في عمقه أفرادا وجماعات ضحكوا عليه ، وصفوه بالعدمي وابتعدوا عن طريقه، لأن كلامه يزيد من بؤسهم . ومن حسن الحض أن هذا الشخص المنبوذ يكاد أن يكون الوحيد الذي يعي ويعلم خبايا الأمور. بالرغم من أن لباسه المتواضع ولحيته الوفيرة ومشيته البطيئة جعلت منه شخصا نكرة ، لا يفقه ولا يعلم شيء.
كاد المجذوب أن يذوق عذاب ” الفلقة “، والضرب المبرح بالسوط ، على يد ” المخازنية ” الذين يرأسهم الباشا، لولا نصيحة أحدهم.
-” سعادة الباشا هذا الهداوي تيخربق ما عندو عقل، والى ضربناه غادي نرجعوه بعقلو”.
اكتفى الباشا بركلة ، قبل إطلاق صراح المجذوب المعتقل تعسفا. ومند ذلك الحين وديوجين المغرب الأقصى ينشد في عزلته ” الكاشا ولا عيشة الباشا ” . إنه يعلم علم أليقين أن السكان يكرهون الباشا ، لكن الخوف دفعهم للتمظهر بالعكس، وهذا ما سماه ب” الحب المنافق” . وما يبعث على التفاؤل ، رغم مأساوية الوضع ، هو أن القوي الشبابية التي يعتمد عليها المستقبل، لم تشارك آباءهم في هذا الفودفيل الحقير. وفي خضم عراكها ، اليومي أبانت عن قدرات تنظيمية، وعن صلابة في المعتقد.
مند ديوجين الإغريقي إلى مجذوبنا الإفريقي ، مرت قافلة الزهد الفلسفي ، عبر مسالك الهوامش دون إغفال ما يدور في المركز، حيث نستخلص من مسيرتهم العبر. فإذا كان ديوجين اليونان يتجول وهو حامل في يده مصباح في واضحة النهار بحثا عن الحقيقة ، فمجذوبنا يبحث عن كمة ضوء لينير بها ذاكرته، عساها تسلط بعض الضوء على ذاكرتنا المشتركة، التائهة وسط الكذب الإعلامي الذي يذيعه بغزارة القطب العمومي، حسب ما تمليه مصلحة الحكام ضاربا عرض الحائط مصلحة المحكومين، والذين تجبرهم الدولة بطريقة دكتاتورية على أداء ضريبة فريدة من نوعها في العالم بأسره ، جادت بها قريحة منظري النظام المخزني ، حيث سموها بضريبة السمعي البصري. والمضحك والمبكي في آن واحد ، هو إقحامها في فاتورة الماء والكهرباء، وحتى الأشخاص الذين لا يملكون تلفازا أو جهاز راديو، يؤذونها رغما عن انفهم. كيف لا و المختبر الذي ولدت فيه مثل هذه الموبقات التي تستفز الشعور يسمى ”أنفكم” (INFOCOM) ، والذي كان من إعداد وإخراج الوزير المغبون، الذي يسير الباشا المغمور على نهجه .
إن أبواق الدعاية غطت على الكلام الموزون الذي ينبعث من أفواه المجاذيب . فمع استفحال ظاهرة السطو على أفكار الغير، صار يقصد بكلمة ”مجذوب” كل مفكر أصيل يحلق خارج الصرب . وكاتب هذا المقال، دفعته الظروف آن يكون واحدا من مجاذيب الفكر:
قل كلمتك وسير
أنا درت اللي خاصني ندير
بأمانة وبراحة ضمير
يا اللي ناعس علي لحرير
غدا تذوق برودة القصدير
هاهو جاي صاحب التفسير
اللي تيعتبر لقبر سرير
باش يكول لكم بلا تزوير:
النيڤو طايح الحق تهضم
والموس وصل لعْضم
السياسة ولات لعب الدراري
الأخلاق داروها تحت السدّاري
ما بقى لا يميني ولا يساري
و لا فرق بين الجاهل والقاري
مول الحبة دار اكرون و بغا يعري
دار ما بغى ومازال اللعب جاري
ملحوظة : الشطر الأخير من النظم الزجلي مأخوذ من مسرحية “العائد من/ إلى التراب ” التي كتبتها سنة 2013 .