أهمية المنهج

 

بقلم ذ. محمد الهلالي

لقد احتل المنهج في الحضارة الغربية مكانة هامة جدا، إلى حد أنها سُميت بحضارة المنهج. وربما استُنتِج من ذلك أن الحضارة الشرقية (بما فيها العربية الإسلامية) ليست حضارةَ منهج بالمعنى الذي يعنيه المنهج في الغرب. خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن الغرب عرف قلقا منهجيا نتج عن القطيعة مع ماضيه في بداية العصور الحديثة، دون أن تعرف الحضارة العربية الإسلامية تلك القطيعة.

 

فحين نذكر فرنسيس بيكون صاحب كتاب “الأورغانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة” الذي كتب في تصديره لكتابه هذا حول المنهج قائلا: “إن منهجي (…) سهل في الشرح، منهجي هو (…) أن نستمر في الأخذ بشهادة الحواس (…) أن نفتح مسارا جديدا للعقل أكثر وثوقا، يبدأ مباشرة من الإدراكات الحقيقية الأولى للحواس نفسها (…) لقد أصبح العقل محشوا بمذاهب فاسدة وأوهام فارغة، إن فن المنطق يسهم (…) في تثبيت الأخطاء لا في كشف الحقيقة” (التصدير، ص 9)،

 

وحين نذكر ديكارت الذي كتب في كتابه “قواعد لتوجيه الفكر: “المنهج ضروري للبحث عن الحقيقة (…) وأعني بالمنهج جملة قواعد يقينية تعصم كل من يُراعيها بصرامة من حمل الخطأ محمل الصواب…” (القاعدة الرابعة، قواعد لتوجيه الفكر)

 

نذكر من جهة أخرى الغزالي الذي كتب في “المنقذ من الضلال: “فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبثّ إليك غاية العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرقِ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفاع الاستبصار، وما استفدته، أولا من علم الكلام، وما اجتويته، ثانيًا من طرق أهل التعليم، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام وما ازدريته، ثالثًا من طرق التفلسف وما ارتخيته، آخرًا من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق…” (المنقذ مم الضلال)

 

وابن رشد الذي كتب في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشبه المزيفة والبدع المضلة”: “وكل هذه الطوائف قد اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة، وصرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها على تلك الاعتقادات، وزعموا أنها الشريعة الأولى التي قصد بالحمل عليها جميع الناس، وأن من زاغ عنها إما كافر وإما مبتدع. وإذا تُؤمِلت جميعها وتُؤمِل مقصد الشرع ظهر أن جلها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة” (ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ص 100).

 

فنسأل: إذا كان المنهج قد لازم ثقافتنا الماضية، فإما أنه منهج غير سليم رغم نشأته في سياق إيجابي، وإما أن سياقه أبطل مفعوله الإيجابي. وفي كلا الحالتين لا يمكن الحديث عن منهج منعزل عن مذهب أو عن فكر حامل له.

 

انطلاقا من هذا الهاجس، نقترح بعض المعطيات المعرفية للتفكير في إشكال المناهج في الفلسفة، وهي معطيات منتقاة تتعلق بمنهج أفلاطون والغزالي وديكارت وهوسرل وراسل. ليس الهدف هو المنهج في حد ذاته، وإنما الهدف هو اعتبار إشكالية المناهج في الفلسفة مناسبة أو فرصة لطرح علاقتنا بالمنهج من وجهة نظر فلسفية. ويجب أن نقول منذ البداية أن هاجسنا هو هاجس معرفي بالدرجة الأولى، أي نقترح معطيات معرفية كأرضية للتفكير في مسألة المناهج في الفلسفة.

 

حسب لسان العرب، المنهج هو المنهاج وهو الطريق الواضح البين، والنهج هو الطريق المستقيم، ونهج طريقا سلكه، ونهج الأمرُ وضَح.

 

نستنتج خاصيتين أساسيتين للمنهج من هذا التعريف وهما: الطريق (الذي يتم إتباعه) والوضوح.

 

وفي اللغة الفرنسية، فالمنهج حسب قاموس “لاروس” هو: أ) مجموعة مبادئ وقواعد ومراحل منظمة منطقيا تشكل وسيلة لبلوغ نتيجة معينة، ب) وهو طريقة تقنية لإنجاز فعل أو عمل أو نشاط معين، ج) ومجموعة قواعد تسمح بتعلم تقنية معينة أو علم ما.

والمنهج حسب قاموس المركز الوطني للموارد النصية والمعجمية (CNRTL) هو: أ) طريقة قيادة الفكر والتعبير عنه انسجاما مع مبادئ المعرفة.

 

نستنتج من هذا التعريف الخصائص التالية للمنهج: قواعد ومبادئ، مراحل، تنظيم منطقي، وسيلة وغاية.

 

ويعود أصل كلمة méthode الفرنسية إلى الكلمة اللاتينية méthodus التي يعود أصلها هي بدورها إلى الكلمة اليونانية methdos، والمكونة من كلمتين هما meta (وتعني: ما بعد، ما وراء، ما يلي، ما يواكب) وكلمة hodos (الطريق)، ويعني المنهج حسب هذه الاشتقاقات اللغوية الطريق المرسوم سلفا، والذي يقود إلى النتيجة.

 

وحسب معجم لالاند الفلسفي، كان المنهج يعني عند أرسطو البحث فقط، ويرتكز المنهج على إرادة توجه عمل الإنسان من أجل بلوغ غاية محددة. ويجمع المنهج بين ما هو نظري وما هو عملي، بين الملاحظة والتجربة من جهة، وعملية التفسير من جهة أخرى.

 

لا يوجد مجال بدون منهج ملائم له والأمثلة كثيرة على ذلك: فيمكن الحديث عن المنهج الرياضي والمنهج التجريبي والمنهج التماثلي والإحصائي ومنهج تصنيف النباتات في العلوم، ومنهج تقييم الحاجيات في الاقتصاد، والمناهج النفسية والتحليلية في علم النفس والتحليل النفسي، والمنهج المقارن ومنهج استطلاعات الرأي في علم الاجتماع ومناهج أخرى في مجالات عدة مثل الفنون الجميلة والإعلاميات والطب والبيداغوجيا واللسانيات والموسيقى والدين والتكنولوجيا…

 

فما المقصود بالمنهج عموما؟ المنهج هو عبارة عن قواعد تُفرض على الفكر دون أن تؤثر سلبيا على جوهره، هو خطوات تسمح للنظرية بمواجهة الواقع، هو طريقة في التفكير، رابط يربط الفكر بالواقع من أجل إبراز الحقيقة. وهو ضامن النظام والترتيب الفكري والارتباط بما يوجد خارج الفكر، لذلك تتضمن فكرة المنهج النظام والترتيب وإجراءات تفرض التتبع والتطبيق.

 

وتعرف جماعة “بور-روايال” المنهج أنه “فن الترتيب والتنظيم الصحيح لمجموعة من الأفكار للكشف عن الحقيقة أو البرهنة عليها”. ويمكن القول أن هذا التعريف ينطبق على جميع المناهج:

– المنهج التحليلي: وأساسه تفكيك كل معين إلى عناصره المكونة له من أجل ضبط العلاقات التي تربط فيما بينها.

– المنهج التركيبي: وأساسه الانتقال من العناصر المكونة لكل معين إلى هذا الكل ذاته، عبر الانتقال من البسيط للمركب.

– المنهج الاستنباطي: ويتطلب الانتقال من القضايا الأولية إلى القضايا المستخلصة منها عبر قواعد منطقية.

– المنهج الاستقرائي: ويتطلب الانتقال من الخاص إلى العام، أو من الحالات الخاصة إلى القضايا العامة عبر المقارنة وتوسيع مجال القاعدة العامة لتتضمن كل الظواهر المشابهة للظاهرة التي تمت دراستها.

– المنهج الموضوعي: ويقوم على الوصف المحايد لظاهرة معينة، أي بدون التأثر بأية مؤثرات مثل المصلحة والأحكام المسبقة…

– المنهج الجدلي: ويتطلب دراسة الظاهرة مع أخذ نقيضها بعين الاعتبار بغية التوصل لنتيجة تركيبية.

– المنهج التجريبي: الانطلاق من التجربة للوصول لنتيجة تصادق عليها التجربة أيضا، ويرتكز على خطوات تسمى بخطوات المنهج التجريبي (ملاحظة، فرضية، تجريب، استنتاج).

– المنهج النسقي: يتطلب التعامل مع الظاهرة كنسق أي كمجموعة عناصر مترابطة فيما بينها وتؤثر على بعضها البعض، ويهدف إلى تحويل هذه العناصر إلى خطاطة أو بنية.

 

لم يتكون المنهج الفلسفي خارج المنطق ولا خارج العلوم، لذلك من الصعب عزله عن المجالات التاريخية التي تكون ضمنها، إضافة إلى أن المنهج الفلسفي يلازم الفلسفة التي ينتمي إليها. لكن ليس الهدف هنا هو إبراز المسار المعرفي الذي تمخض عنه المنهج الفلسفي، وإنما الهدف هو تقديم فكرة واضحة عن المنهج الفلسفي مع تقبل عمليات اختزال لمجموعة من القضايا أو وضعها بين قوسين لتحقيق ذلك الهدف.

 

ومن جهة أخرى ليس الهدف هو تتبع التكون التاريخي للمنهج الفلسفي، لأن تاريخ الفلسفة لا يعرف التقدم الخطي والتراكم كما نلحظ ذلك في العلوم التجريبية، فلا معنى لأسبقية منهج على منهج آخر، ولا أهمية لذلك فلسفيا.

 

وحتى إذا قمنا بتجميع المفاهيم المكونة للمناهج الفلسفية مثل الحدس والتمثيل والمثال والاستقراء والتحليل (اللغوي والرياضي) والتقابل والمفارقة والإحراج وغيرها… فلن نتمكن من تقديم تصور “ملموس” عن فكرة المنهج الفلسفي.

 

لذلك فضلنا التطرق لنماذج من المناهج الفلسفية، لها دلالة خاصة، وهي منهج أفلاطون، ومنهج الغزالي، ومنهج ديكارت ومنهج هوسرل ومنهج برتراند راسل، لعل ذلك يمكن من استخلاص معنى “واضح” و”غني” عن المنهج الفلسفي، أي أن الأمر يتعلق في اعتقادنا بالتعامل مع المنهج الفلسفي بروح منهجية تتوخى الوضوح والتنظيم والترتيب.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد