بقلم محمّد هرار : الدنمارك
كنّا بخير، نعيش آمنين في مغرب ورث فيه كابرٌ عن كابر مكارم الأخلاق، حتّى تخلّلنا بسبب غفلة المروءة أناسٌ ليسو منّا لولا التشابه في الأسماء والهيئة!… أخلاقهم غير أخلاقنا… سلوكهم لا تشرّف المغرب ولا تشرّفنا… عاقروا الحرام وسعوا لاكتسابه يوفّرون به لجهنّم ما تسعّر به… استهدفوا عيّنة مغربيّة، تعبت كثيرا وطوّفت في العالم كثيرا حتّى سمّاها المغاربة اصطلاحا《مغاربة العالم》… اجتهدت كثيرا من أجل نماء المغرب وتقدّمه الاقتصادي… ظنّت أنّ من حقّها الاستقرار ببلدها والموت بين أهلها… أخذت بالأسباب فاشترت الأرض وسجّلتها ثمّ بما تيسّر لها بنت عليها… حتّى إذا كان منها ذلك كلّه، تسلّط عليها ودون سابق إنذار “مافيا العقارات” في المغرب يستولون على ما يقع تحت أيديهم دون وجه حقّ!… يفعلون ذلك في غياب وسائل الرّدع وسيادة القانون والمساطر، وفي حضور الفاسدين ممّن امتهنوا التحيّل وأحسنوا بالنّاس التربّص، ممّن لا يرقبون في 《مغاربة العالم》إلّا ولا ذمّة… يسطون على ممتلكاتهم نهارا جهارا، ظلما وعدوانا، مشيعين في المغرب الفوضى والظلم وعدم الأمان، كما لو كنّا نُحكم بحكم الغاب!… وملك البلاد حفظه الله قد جافى النّوم عينيه من أجل جعل المملكة تحت ملك يعرف أهل الأرض أنّه لا يُظلم عنده أحد!…
ليست المشكلة في براعة “مافيا العقارات” في استصدار الوثائق المزوّرة أو في استخدامها للترافع بها فحسب، ولكن المشكلة أيضا في استجابة البعض إليهم والتعامل معهم وربّما اقتسام عائداتهم وموارد أرباحهم… فقد بات التحيّل في هذا المجال عملا منظّما يشارك فيه الكثير من الفاسدين أكلة الحرام شاربي عرق المغتربين… طوّافون بالبلاد يتعرّفون على المباني غير المسكونة والأراضي غير المسيجة، والمسيجة، يستكشفون أوضاعها وأوقات تردّد مالكيها عليها ومدد غيابهم عنها… عناصر اتّصال يتّصلون بأشباههم خارج الوطن يستوفون منهم المعطيات المساعدة على إنفاذ جرائمهم دون خشية أو خوف من الله تعالى أو من عباده!…
ظنّي – وقد اكتويت شخصيا وبعض أصدقائي في المهجرعلى سبيل المثال وليس الحصر، بهؤلاء الظلمة المعتدين ، أنّ الأمر بحاجة إلى وقفة جدّ من المسؤولين بجميع أصنافهم ورتبهم وتخصّصاتهم من أجل التصدّي لمثل هؤلاء المخرّبين الذين يهدّدون بأفعالهم الدنيئة السلم الاجتماعي وصورة المملكة وقيمها وأخلاقها… ظنّي أنّه من حقّي كمواطن مغربيّ أن أمتلك أرضا في بلدي وأبني عليها وأعيش بين أهلي دون منّة أو خوف من سطوة أحد… ظنّي أنّه لا ينبغي أن نكون نحن المغتربين مغاربة العالم هدفا لمثل هؤلاء الجشعين ممّن بطّأ بهم عملهم وانحدر بهم سلوكهم وانقبضت المملكة بوجودهم ووجود أمثالهم!… وثائقنا ومستنداتنا حقيقية ورسميّة، والأصل ألّا تقف أمامها المستندات العرفيّة المزوّرة، المدفوعة الثمن مسبقا… أملاكنا حلال بعرق الجبين وطول الحرمان من البلد والأهل فلا يُعقل أن تُنتزع منّا بالتحيّل والغشّ والرّشوة أو بالتواطؤ وخيانة الأمانة… قضيّتنا واضحة فلا يمكن أن تخضع للمماطلة المُمنهجة وتأجيل جلسات القضاء بطرق لم تراع حرص القيادة على استقلال القضاء وجعله خادما رئيسيّا في تنميّة السلم الاجتماعي وحماية العلاقات من التهرّي…
معلوم أنّ مغاربة العالم (الجالية المغربية في الخارج) لا يأتون في الغالب إلى بلدهم العزيز الغالي على قلوبهم والذي من أجله يُضحّون بالغالي والنفيس، إلاّ في موسم الصيف، أو العطل الرسميّة، ولديهم زمن مُحدّد لا يحتمل التمديد أو التأجيل، ليعودوا إلى البلدان التي تحتضنهم هنا وهناك، وفي أوروبا – على وجه الخصوص- والتي يقيمون بها للعمل كي يُساهموا في رفع اقتصاد بلدهم من خلال ضخّ كميات هائلة من العملة الصعبة لخزينة المملكة المغربية، تصل قيمتها حسب التقديرات إلى ستين( 60) مليار سنويا، رغم الأزمة الماليّة الخانقة التي عصفت بالعالم… فحريّ أن يكون ذلك شفيعا لهم ومساعدا على إنصافهم على الأقلّ في الدفاع عن ممتلكاتهم في حال الاستيلاء السافر واللاأخلاقي عليها من طرف “مافيا العقارات” ومن يقف وراءها من المتنفّذين الفاسدين، أو ممّا يدعم ويُزكّي نفوذ “المافيا” في المغرب كالقانون الذي ينصّ على تقادم التزوير في الوثائق المعتمدة في تحفيظ العقارات أو تزوير التعديلات التي يتم إلحاقها بالرسوم العقارية، فإنّه قانون جائر لا يخدم تطلّعات المغاربة التائقين إلى تقدّم بلدهم. وهذا ما يُعمّق في نظر المهتمين والمتابعين لشأن جاليتنا في الخارج فقدان الثقة تماما في سير العدالة المغربية، ليعمق بدوه الهوة التي نسعى جميعا في الخارج لهدمها مع الأجيال القادمة التي تعيش في بلدان ديمقراطيّة لا تضيع فيها الحقوق؛ فلا تستطيع الأجيال الجديدة استيعاب أو تبرير الظاهرة الخبيثة (سرقة ممتلكات آبائهم وأجدادهم من طرف المافيا) ما يجعلهم متخفّفين من مجرّد التفكير في السير على منهاج آبائهم وأجدادهم في الاستثمار في بلدهم الأم المغرب.
فرفقا بالمغرب وأهله وأخلاق أهله… ورفقا بمغاربة العالم وأبنائهم الذين إنّما تغرّبوا خدمة للمغرب دون تصوّر منهم أن يكونوا في النّهاية لقمة سائغة لأبناء الحرام من “مافيا العقّارات”… وعاش المغرب أبيّا أمد الدّهر…