مارتن كيكوريز
ترجمة: الأستاذة حنان قصب
مرت ثلاثون سنة على إعلان فوكو أننا نخضع لـ”إبستيمي” في طريقه للزوال، والذي ستؤدي نهايته إلى نهاية الإنسان ذاته، كشخصية مركزية للمعرفة الحديثة، ومنذ ذلك الحين لم نسمع أصداء لذلك السجال.
استحوذت نهاية الذات، التي تم الإعلان عنها في “الكلمات والأشياء”، على الاهتمام النظري-الثقافي في الحقبة التي صدر فيها ذلك الكتاب. وستُسرّعُ الزوبعة التي تسببَ فيها كتاب “الكلمات والأشياء” (والذي يحمل عنوانا فرعيا هو: أركيولوجيا العلوم الإنسانية) في القيام بمراجعة أعمال فوكو في فرنسا، في الوقت الذي لم يتم فيه الانتباه إليها قبل ذلك الحين. وفي سنة 1967، خَصّصتْ “حلقة الدراسات والأبحاث حول القرن 18” (بجامعة مونبوليي) جزءا هاما من دورتها تلك لكتاب فوكو “الكلمات والأشياء”. وفي سنة 1968، نظم “الاتحاد العقلاني”أياما دراسية حول موضوع “البنيات والإنسان” تم فيها تحليل “أركيولوجيا فوكو”.
شارك مثقفون ماركسيون -كانوا يَنْظرون إلى فوكو على أنه يهدد، بكيفية ما، المَتن النظري لماركس وإنجلز- في النقاشات لتي كانت تزداد حيوية شيئا فشيئا. وأعطت مداخلة جون بول سارتر، التي ألهبت المشاعر، دفعة قوية لتلك النقاشات. قال سارتر عن فوكو: “لقد جاء فوكو للناس بما كانوا في حاجة إليه (…) أي بناء إيديولوجية جديدة، هي آخر حاجز يمكن أن تحتمي به البرجوازية ضد ماركس”. وضم ماركسيون آخرون أصواتهم النقدية من منظورات متنوعة، مثل: فرانسوا وول François Wahl، ودومينيك لوكور Dominique Lecourt (القريبان من الماركسية الألتوسيرية)، وروجي غارودي Roger Garaudy (الأكثر قربا من ماركسية سارتر الوجودية).
وفي سنة 1975، قدم فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب” عملا تركيبيا لتجاربه العملية والنظرية الناتجة عن اهتماماته بمنظومة السجون. وفيما بعد، قدم عملا تركيبيا آخر لمجموع الإجراءات الخاصة بالجنسانية في كتابه “إرادة المعرفة”. ولقد سمح ذلك بتحقيق تقارب فاتر بينه وبين بعض المنظرين الماركسيين. ويعكس كل ما كتبه نيكوس بولانتزاس Nicos Polantzas، وإتيان باليبار Etienne Balibar، وغوران تيربورن Goran Therborn، وداريو ميلوسي Dario Melossi، وماسيمو بافاريني Massimo Pavarini، ومارك بوستر Mark Poster… إلخ، الذين حاولوا فهمه وإدماجه، أو ما كتبه نقاد مثل خ.غ. ميركيور J.G. Merquior، وبيري أندرسون Perry Anderson، الطريق الملتوي الذي اتّبعتهُ الماركسية بعد الستينيات. وتعتبر هذه المرحلة اللحظة التي تسببت فيها الستالينية والأخطاء التي ارتكبتها الأحزاب الشيوعية على الصعيد العالمي في جعل مراجعة النظرية الماركسية ضرورة لا مناص منها.
ليس الهدف هو تقييم فوكو على ضوء الماركسية، ولكن الهدف هو إضاءة نوع الإشكالية الناتجة عن الإحالة إلى ماركس من طرف فوكو. وإذا كان صحيحا أننا سنحاول الارتباط بماركس نفسه، فسنعرج أحيانا على مقارنات ما بين فوكو ومعاصره لويس ألتوسير، لأن أحدهما يعكس الآخر في أكثر من مسألة. يتعلق الأمر هنا بالبحث عن المكانة التي يحتلها ماركس في النسيج النظري لفوكو.
مواقف
إذا اعتمدنا على التحقيب المعتاد لأعمال فوكو في مجال الأركيولوجيا والجينيالوجيا والإيتيقا – بالرغم من أنه لا يحظى بالإجماع في أغلب الأحيان – سنجد أن أغلب الإحالات إلى ماركس تمت في المرحلتين الأولى والثانية. أول عمل عالج هذا المشكل، داخل البعد الأركيولوجي، هو العرض المقدم في ندوة “رويومون” Royaumont حول نيتشه (1964) تحت عنوان “نيتشه، ماركس، فرويد” (Marx, Nietzsche, Freud). فلقد اعتبر فوكو هؤلاء الثلاثة روادا في تقنيات التأويل الجديدة التي مكنت من حدوث “بزوغ هيرمينوطيقي” في القرن العشرين. حاول فوكو جعل القطيعة التي أحدثها هؤلاء المنظرون قابلة للفهم وذلك بمواجهتها بالتقنيات التي ميزت “إبستيمي” القرن السادس عشر. وكان أحد التغيرات التي صاحبتْ الطفرة الإبستيمولوجية هو اكتشاف معنى عمق الدلالات. لم يعد الأمر يتعلق بالسطح المستوي والمنسجم، ولا بالمظهر العام لعصر النهضة، ولكنه صار يتعلق بالانفتاح على عمق لا يوجد داخل الذات، وإنما يوجد خارجها.
يرى فوكو أن ماركس يكشف في “الرأسمال” عن إدراكِ البرجوازية المبتذل للنقود والقيمة…إلخ، فبما أنه تم إبقاء هذين المفهومين في المستوى السطحي، فقد تسببا في نسيان البنيات التي تنظم الذات من خارجها (علاقات الإنتاج في حالته، ولكن أيضا العلاقات اللسانية واللاوعي). وبالإضافة إلى ذلك، يوجد عند ماركس نفيٌ للبداية (نفيُ لـ”الروبِنْسوناد”(ت)، نفيٌ للفرد وللحدث الطبيعي) يحوّلُ التأويل إلى مهمة بدون نهاية. ويصبح كل شيء تعليقا: “نرى ذلك عند ماركس الذي لا يؤول تاريخ علاقات الإنتاج، ولكنه يؤول علاقة تقدمُ نفسها سلفا كتأويل، بما أنها تقدم نفسها كطبيعة”. إنه يعيد النظر في البراءة الطبيعية التي تُدافعُ عبرها تأويلاتُ الاقتصاد السياسي عن نفسها. لم يعد التأويل مجرد توضيح، ولكنه صار صراعا يتعرض فيه المعنى السابق للإكراه والتّعنيف. ينحتُ ماركس “النيتشوي” حقيقته الخاصة به عن طريق ضربات المطرقة.
يخلص فوكو إلى أن هذه الهيرمينوطيقا تقود إلى موقفين متعارضين هما: العدمية والدوغمائية. فمن جهة، هناك العدمية التي تحيل إلى تبادل التأويلات بعيدا عن أية فعالية كما يحدث في اللعب، تبادلُها في المنطقة التي تُعيّنُ حدود اللغة والحمق. وهي منطقة ترتبط بنيتشه ويتعرفُ فيها فوكو نفسُه على ذاتِه. وهناك، من جهة أخرى، المؤوِلُ الذي يختار –وقد تعب من الانتقال من قناع لقناع آخر- أحدَ القناعين ويحولُه إلى واقع وإلى حقيقة: وتفسح هذه اللحظة الطريق أمام الدوغمائية. وستتبنّى الماركسية السابقة هذا الموقف. ولما انتهى العرض الذي قدمه فوكو، وفُتُح باب النقاش، استفسر الفيلسوف جياني فاتيمو Gianni Vattimo –الذي كان غير معروف آنذاك- فوكو عن النزعة الغائية عند ماركس. فأجاب الأركيولوجي أن ماركس -على الأقل في كتابه “18 برومير لويس بونابرت”- لا يقدم تأويله باعتباره التأويل الوحيد، والتأويل “الأصيل”. لقد اختار ماركس –الذي يتبناه فوكو- الأقنعة، اختار نِسبيّة عدمية سوف تُحرّفُها القراءات الماركسية اللاحقة.
يلخص هذا العمل الخصائص الأساسية المتبناة من طرف فوكو. إنه يماثل ماركس، قبل كل شيء، بالقطيعة الإبستيمولوجية في القرن 19. إنه يهجر هيجل وهوسرل الذين يقربانه من التقليد البنيوي، وذلك بُغية استعمال أعمال ماركس ونيتشه وفرويد الذين سيفسحون المجال لعدم تمركز الذات. وفي المقام الثاني، يرتكز على الأعمال السياسية لماركس وإنجلز، وهي المرجعية التي ستظل ثابتة في تعارض مع الكتابات الفلسفية (النزعة الإنسانية) والكتابات الاقتصادية (النزعة الوطنية البنيوية).
كانت ندوة “رويومون” عبارة عن نظرة موجزة عن مشروع كبير جدا ومعقد سيترجمه في “الكلمات والأشياء”. نجد في هذا المؤَلَّف تعديلات جوهرية فيما يخص الاعتبارات التي حدّدها في الندوة حول نيتشه. يحاول المشروع الطموح الذي شرع في إنجازه الاهتمام بالاعتبارات الإبستيمية التي تعمل كشروط لإمكانية الفكر الغربي منذ عصر النهضة إلى اليوم. يتعلق الأمر بتاريخ “الهُوَ هُوَ”، وبما نستطيع التفكير فيه داخل إبستيمي معين فقط، ويشكل المكانُ الذي يوجد فيه ويحدث فيه تاريخُ الآخر الخارجَ. ولا يتوقف هذا الأخير عن تهديد ذلك التاريخ. بالنسبة لفوكو، يُثير “الانتباذ الفضائي”(ث) (الهيتروتوبيا) المفاجأة في مواجهة الاختلاف ويسمح في نفس الوقت بالتعرف على شروط طريقة تفكيرنا الحالية في لعبة هذا الخارج الذي قد يكون هو الشرق أو الماضي…إلخ.
سيعيد فوكو، اعتمادا على هذه المقدمات، بناء إبستيمي عصر النهضة، وإبستيمي العصر الكلاسيكي وإبستيمي العصر الحديث انطلاقا من إشكالية الحياة واللغة والعمل في الممارسات الخطابية. يعتبر فوكو، في إطار دراسته للانتقال من الاقتصاد الكلاسيكي (آدم سميث) إلى الاقتصاد الحديث (ريكاردو)، ماركس المتابِع والمُتمم لريكاردو. تسمح مقولة “العمل” لدى ريكاردو لفوكو بإقامة جسر تواصل يربط ما بين ريكاردو وماركس، الذي ينعكس هو نفسه بشكل مقلوب في نفس هذه الإشكالية. لم يكن فوكو في حاجة لمعالجة هذه المسألة في أي فصل أو أية فقرة مهداة لماركس، إنه يطرح هذا المشكل مباشرة في الاستطراد حول ريكاردو.
تسمح أهمية ريكاردو برؤية الانتقال من تحليل الثروات كتداول (السطح) داخل إبستيمي العصر الكلاسيكي إلى تحليل الإنتاج (العمق) في إبستيمي العصر الحديث. إنه يؤسس مقولة العمل كحجر أساس للاقتصاد في إبستيمي العصر الحديث، حيث يسبق الإنتاجُ التداولَ. ومن المهم التأكيد على نتيجتين يستخلصهما فوكو مما سبق: الأولى تتعلق بالخاصية التاريخية، أي تحديد القيمة عبر كمية العمل وإحالة هذا الأخير إلى صيغ الإنتاج، وهو ما يسمح بإدخال مفهوم الإنتاج “كسلسلة خطية كبيرة ومنسجمة”. وهكذا يخترق التاريخ، لأول مرة، الاقتصادَ. يسمح إدخال الزمن كقيمة متغيرة للإنتاجية بتسلسل سببي ينتهي بالتراكم، لأن كلّ عمل يسبقُ عملا آخر، وسيشكل الانتشار الدائم للإنتاج دعامة لتاريخ اقتصادي ميزتُه الاستمرارية. والثانية هي أن النقص بنيوي في نظر ريكاردو. يعاني الإنسان في ذاته من النقص. وهذه الحالة الدائمة هي التي يرتكز عليها الاقتصاد. يصاحب النقصُ تزايد السكان المستمر –يقترب ريكاردو هنا من مالتوس Malthus- وليس العمل إلا مهمة الإنسان المُتعبة التي تحاول وضع حد للموت مؤقتا. يشير الاقتصاد إلى جانب من جوانب التناهي كمحرك داخلي. يدور إبستيمي العصر الحديث كله حول أنثروبولوجيا “تحيل إلى خطاب حول تناهي الإنسان”.
يعتبر العملُ والنقص مفهومين من مفاهيم التاريخ والأنثروبولوجيا (وهما مفهومان متضامنان فيما بينهما). وسيقومان بتنظيم الأفق الإبستيمي الذي استعمله ماركس لصالحه. إن ريكاردو هو الذي رسم معالم الصراع لما عرّف العلاقة مابين العمل والنقص كلعِب يتم فيه وسمُ الإنسان بالتناهي باعتباره حدّاً أنثروبولوجيا. لن يتمكن التاريخ (العمل، الإنتاج، التراكم) وهو يتجاوز هذا الحدّ، إلا بنشر استحالته الخاصة فقط، بما أن كل تطور اقتصادي يسرّع عملية التفتيت، وبما أن النقص يؤدي أيضا إلى فشل الإنتاج (لنذكر أن الأرض بالنسبة لريكاردو ليست مصدرا خالدا للخيرات المادية -كما كان يعتقد ذلك الفيزيزقراطيون – وأنها تتجه بكيفية ما نحو النفاد). وهكذا يصل التاريخ إلى نهايته في حدود كونه يظل سجين الدائرة المتكررة: نمو-ركود، مبرهنا بهذه الكيفية على الجانب النهائي للإنسانية.
يقوم التاريخ، بالنسبة لماركس على العكس من ذلك، بدور سلبي. فهو لم يعد المُحفز الإيجابي الذي يرى الناسُ عبرَه تحررهم المؤقت، بل أصبح شرطَ قمعهم. فالبعض، في هذه العملية، يحقق التراكم، والبعض الآخر لا يحقق أي تراكم: وستتمكن البروليتاريا –لأهمية مكانتها في الإنتاج – من فهم أن هذا النظام هو نتيجة مستقبل تاريخي. إن البروليتاريين هم الذين سيتمكنون، باعتبارهم وعيا كونيا، من تأسيس حقيقة الإنسان. ويتعلق الأمر بنهاية التاريخ عن طريق القلب والإلغاء.