الأستاذ عبد العزيز عبقري
يلاحظ المرء وهو جالس في أي مقهى، أو هو يتجول في أي شارع من شوارع مددنا بما فيها ضواحيها، أو ما يسمى بالمناطق النائية، بل حتى المهمشة منها، أن هناك متاجر ومحلات خدماتية ووكالات ومكاتب علقت على أبوابها لافتات تثير الواحد بشكل ملفت للنظر، نظرا لكونها مكتوبة بكل لغات العالم، والأدهى من ذلك أن من بينها لغات كانت الى زمن قريب لغات جد محدودة ومحصورة لا يتجاوز انتشارها حدود البلد الأصلي التي يتكلمها سكانه.
مناسبة هذا الكلام هو الملاحظة الملفتة والمتمثلة في انتشار لافتات باللغة التركية، أو التي لا تكاد تخلو منها اية أزقة. هل تجاوز الأمر الإشهار بالعربية والفرنسية اللتان اعتدنا عليهما لظروف تاريخية وسياسية، ليمتد لباقي لغات العالم؟،هل ذلك يعبر عن رغبة في التعدد والتنوع والانفتاح ؟، أم أن الأمر يعني شيئا آخر ؟
الجواب السريع والعفوي والذي يخطر في الذهن هو ما يسمى ب”العولمة”.
.
غالبا ما يقال ويشاع أن العولمة هي الانفتاح بين الأمم والشعوب وتجاوز مفهوم الحدود بمعناها التقليدي، السياسي الذي قد يصل الى درجة تجاوز الدولة ذاتها، والعيش فيما يسمى ب”القرية الصغيرة”.
كل ذلك لا معنى له فما هو الا مجرد مغالطة، أنه عبارة عن خدعة ايديولوجية تروج لإخفاء حقيقة ما يطلق عليه اسم العولمة. إن ما يعكس ويجسد حقيقة هذه الظاهرة هو الانتشار اللافت للعلامات التجارية المكتوبة بكل لغات العالم والتي تجدها في أي شارع، بل في أبعد قرية نائية من الكوكب الأرضي. ما معنى هذا وما هي دلالته وأبعاده ونتائجه ؟
بعيدا عن صراع المفاهيم والحديث عن المعاني والدلالات والتساؤل هل العولمة هي العالمية أو الكوكبية. كل ذلك سيلقي بنا في غياهب التنظيرات المجردة التي لن تفيد في شيء، ومع ذلك يجب الاعتراف أن العولمة هي التعبير عن المآل الذي يصيب العالم المعاصر بعجائبه وغرائبه وتناقضاته ومفارقاته. كيف ذلك ؟
في الوقت الذي أصبحت فيه البضائع غير قابلة للمراقبة ولم يعد تنقلها خاضع للسيطرة ولا للتوجيه، فعكس ذلك هناك صرامة شديدة في متابعة حركة البشر، حيث الحراسة الشديدة للحدود، في نفس الوقت الذي يتم فيه التغني بالانفتاح على الدول النامية والترديد لخطاب التنمية ووعودها من قبل المؤسسات المالية بالرفاهية والازدهار. مقابل ذلك هناك انتشار واسع للأزمات الاقتصادية وتراجع بعض القوى الاقتصادية العالمية، نظرا لهيمنة الاحتكار للثروة والمضاربات على حساب الإنتاج، الشيء الذي أدى الى التفاوت في التقييم الدولي للعمل وما ترتب عنه من تناقضات ناتجة عن اتساع الهوة بين مظاهر الغنى الفاحش والفقر المدقع سواء على المستوى الدولي أو الوطني. عالميا ذلك ما يمكن أن يفسر مشكل الهجرة الذي يشهد على كوارث على المستوى الإنساني، والمتمثلة في حوادث مميتة في البحار أو في نقط التسلل في الحدود (التي تعرف حراسة مشددة ويا للعجب). الى جانب المفارقات السالفة الذكر، لا ينبغي أن يفوتنا الإشارة الى ما يعرفه العالم من توترات واضطرابات سياسية متمثلة في الحروب الأهلية المنتشرة في مناطق متعددة من العالم والتي تعرفها دول كثيرة، هذا الى جانب انتشار ما يسمى ب”الإرهاب” المتمثل في التفجيرات التي تحدث هنا وهناك من حين لآخر الشيء الذي أدى الى تعمق ظاهرة الخوف في العالم والتي وصلت حد الهوس، إذ بلغت مستوى الرعب والذي تجسد في حالة من الفوبيا، التي سيتم التعبير عنها عبر خطابات عنصرية أو هذيانيه تلتقي في نشر الكراهية والعنف. هكذا إذن يبدو أن العولمة هي مجرد خطاب يخفي النظرة السوداوية والقاتمة للعالم التي ترعب أصحاب الخطاب النيوليبرالي والذي يهدف الى إخضاع الشعوب والمجتمعات للمنطق التجاري المحض، الذي يقوم على قيم الاستهلاك من أجل الاستهلاك فقط، فما معنى هذا ؟
القول بالمجتمع الاستهلاكي، بعيدا عن التنظيرات المتعالمة، هو بالمعنى الواضح الذي لا لبس فيه ولا غبار عليه هو المجتمع الحيواني بامتياز والمغلق بحجاب البهجة الإعلامية والمشرعن بقيم التسويق حيث يتحول الإنسان الى كائن عاطفي، هش وسطحي توجهه الرغبة الجامحة والتي لا يعرف لها مآل ولا اتجاه، الى درجة أنه أصبح يخبط خبط عشواء يمينا ويسارا دون أن يعرف ما يفعل ولا الى أين يسير. ألا يعني هذا أن هناك عالم يموت ويختفي ويخبو لصالح عالم آخر-ربما لن يكون عالما جديدا – يبحث عن الظهور والانكشاف ونحن ننتظر لحظة شروقه؟ كيف يمكننا أن نلمس ذلك ؟ هل هناك علامات تدلنا على ملامحه ؟
إن التاريخ الإنساني والمجتمع البشري في أزمة، مع الإشارة إلى أن القول بالأزمة لا يعني تبني لخطاب تشاؤمي. ان الأمر بعيد عن ذلك، انه فيما دون التفاؤل والتشاؤم، فيما وراء الخير والشر. على العكس من ذلك ان مفهوم الأزمة هو مفهوم مولد خصب انه مفهوم بيولوجي يدل على الحالة التي نصف بها اشتغال جهاز عضوي وبالتالي فالأزمة منتجة للمعنى، فهي ترمز الى حالة مخاض، مثلما يحصل للمرأة في لحظة وضع لحملها. ان العالم أيضا في مخاض يريد ان يضع حمله (لا ندري ما ذا سيترتب عن الانتخابات الأمريكية ؟). هل سيتم الأمر بشكل عاد طبيعي أم انه سيحتاج إلى عملية قيصرية ؟
إن العالم الذي اعتدنا عليه، أي العالم الحديث، او عالم الحداثة ربما في حالة أفول، فما هو العالم الذي ينتظرنا ؟
إن ما يميز العالم الحديث هو الدولة الحديثة، دولة التعاقد، التي هي بمثابة تلك الماكنة الجهنمية التي استطاعت تنظم الناس وأن تفرض عليهم استقرارا معينا بطريقتها وبصيغتها التي يتداخل فيها العقلاني مع اللاعقلاني. إنها الدولة التي تفرض على الافراد التعاقد بشكل إرادي أو لا إرادي، ما يوصف بالشكل الديمو قراطي أو غير الديموقراطي (ها من الأدوات ما تسوي به بين الامرين). لقد استطاعت الدولة الحديثة أن تجعل الافراد يعلقون الآمال عليها لأنها هي التي انتجت الفرد، كما يقول هيجل، فهي المعبرة عن الفرد والمحققة لوجوده. عبرت الدولة الحديثة عن الفرد لأنه لم يكن يجد الحماية الا فيها، فقد كانت بمثابة الحضن الامومي بعطفه وقسوته، في مقابل المجتمع الذي يصطدم به وييأس منه في الغالب. كانت الدولة موجودة تتكفل بالفرد في شتى المجالات .صحيح ان المجتمع الحديث عرف مشردين ومهمشين ومنبوذين، لكن ذلك لم يحصل ولم يترتب الا عن الصراع من اجل الاستلاء على الدولة من طرف الفاعلين المجتمعيين المتناقضين إلى حد التناحر الذي تتمكن الدولة إخفاءه أو تبريره أو تلطيفه. لقد كانت الدولة في المجتمعات الحديثة هي الهدف وهي الغاية. فقد كانت تلعب دور المعدل للصراعات والتناقضات. لم ينحصر ذلك على المستوى القطري-الوطني بل تعداه الى المستوى العالمي، إذ استطاع العالم أن ينتظم في شكل دولة عالمية، ولا عجب أن رؤساء وقادة الدولة في القرن العشرين كانوا رجال الدولة وكانت أسماءهم تقترن بدولهم، أما الآن فقد أصبح المتهورون الصبية هم القادة والرؤساء.
إننا في لحظة غروب الدولة الحديثة (دولة الرعاية – بالمعنى الإيجابي) التي لم تستطع تحقيق الآمال المعلقة عليها. أكيد أن الصراعات والاصطدامات التي تعرفها البشرية تولد الأزمة الكونية والتي ليست ألا تعبير واضح عن التهديد للسلم والأمن الاجتماعيين العالميين، الشيء الذي ينذر بخطر العودة الى حالة الطبيعة (صراع الكل ضد الكل حيث الغلبة للأقوى) قصد العودة للبحث عن تعاقد من نوع آخر، وعن دولة من نوع آخر أيضا، أي البحث عن حالة وصيغة جديدة للعيش المشترك ولتحقيق اجتماع بشري جديد.
إن الدولة لا تعني، كما يفهمها منظرو الفكر السياسي، تنظيم يتأسس على سلطة تحكم مجتمعا من خلال هرم مؤسساتي وإداري، كيفما كانت طبيعته أو شكله، إن الدولة كما يفهمها الفلاسفة هي حالة ينتظم فيها الناس، إنهم في حالة بحث دائم عن ذلك وبشكل مستمر ومتجدد، لهذا يقول هيغل بأن الدولة هي: “العقل في التاريخ الذي يسير نحو تحقيقها”، لهذا يرى هيغل نفسه أنه لا يمكن للتاريخ أن يتطور بدون دماء، هناك دماء يخلفها التطور التاريخي، ولهذا يقول ماركس أنه أحيانا قد يكون هناك أناس يستعملون عقلهم لكن بشكل غير عقلاني وهذا شأن السياسيين الذين يفكرون بمنطق السلطة أي الحفاظ على المصلحة، فهم انعكاس للتاريخ وليسوا هم الذين يصنعونه، ربما هذا ما يحصل الآن. إننا نستعمل الدهاء والمكر والخداع من أجل الربح فقط لهذا لسنا عقلاء، فلا ينبغي أن ننسى أن مفهوم العقل كما عرفه أرسطو يعني النظام الكوني، بمعنى التفكير وفق نظام الأشياء وكما ينبغي أن تكون وهي مرتبة وفق الكوسموس.
إن العنصر المتحكم في عالم اليوم وفي أناسه هو عنصر الرغبة والمتعة، ذلك ما يجعل من المجتمع الحالي مجتمعا استهلاكيا. فالتفكير في هذا المجتمع الاستهلاكي وفي أسسه يبين أنه محكوم بالرغبة، لكنها رغبة طفولية بالمعنى الفرويدي، أي الرغبة المكبوتة التي تعبر عن التوتر الحاصل عن النقص نظرا للسقوط الدائم في التأجيل لإشباعها وتعويض ذلك بالأحلام الرومانسية الوردية التي لا تقبل التحقيق. إنها رغبات يتم صناعتها وتحفيزها وإثارتها من طرف العلامات التجارية كما يقول بودريار والتي تغزو العالم، بل أكثر من ذلك أنها تقتحم العوالم الخاصة والحميمية للأفراد عبر الإشهار والبروبكاندا اللذان أصبحا هما السلطة الحقيقية والفعلية القادرة حتى على تركيع الدول لإجبارها قصد إخضاعها وتحويلها الى أسواق. لقد انتهى عصر الدولة ونحن نلج عصر السوق.
لقد كان الاقتصاد هو الأساس والقاعدة التي تقوم عليها الدولة التعاقدية، وبالتالي كانت السياسة مرتبطة بالإنتاج الذي يتحكم فيه نظام الملكية كما يقول ماركس لهذا كانت الدولة هي المنظمة للمجتمع والراعية له وكانت الدول تختلف وتتفاوت حسب اختلاف وتفاوت المنتوج الوطني الخام الذي يعطي لكل دولة القوة والإمكانية التي يتحرك بها نظامها السياسي الذي يحكمها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. على عكس ذلك تقوم دولة السوق على الاستهلاك أي على التبذير (الصرف) وليس الادخار، كما هو حال الدولة التعاقدية البروقراطية على حد قول ماكس فيبر، الاقتصاد لم يعد اقتصادا سياسيا، بل اقتصادا افتراضيا رقميا و ليس اقتصادا عمليا و واقعيا، انه اقتصاد المضاربات الذي يصل الى حدود بيع الأوهام التي يتم تحويلها الى بضاعة و ترويجها عبر ما يطلق عليه ب “الماركوتينغ” الذي اصبح يشكل البنية التحتية التي عوضت بنية وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج التي شكلت أساس الاشكال المجتمعية والتي تطورت عبر التاريخ وحيث العلاقات الاجتماعية التي تحدد السياسات هي علاقة مالك بمنتج، انها علاقات مادية ملموسة قائمة بين انسان وانسان، على النقيض من ذلك فان العلاقات في دولة السوق القائمة على نظام الاستهلاك فهي علاقات بائع بمشتري، حتى فيما يتعلق بقوة العمل، لا يعرف بعضهم البعض ولا تربطهم اية علاقة إنسانية ولا تحكمهما اية ضوابط لا وطنية ولا طبقية ولا سياسة بل وحتى لا قانونية غير علاقة منتج بمستهلك أي علاقة مغري بمفتون مما يجعل الرغبة هي فائض القيمة، لكنها رغبة مثبتة في المرحلة الفمية شعارها هو المتعة الطفولية. من يستطع ان يغوي الجماهير وان يفتنهم يمتلكهم صاروا له عبيد ومن حقه ان يعرضهم في سوق النخاسة فنحن في عصر تحول فيه كل شيء الى بضاعة بما فيه الانسان، اننا سننتقل من عصر المدنية الى عصر الحيوانية فطوبا لنا.