رزاق عبدالرزاق :كاتب وناقد سينمائي
في سنة 2009 رجع بائعو الورود إلى مكانهم الأصلي بساحة بييتري بالرباط ، بعد إعادة ترميمها، وكنتيجة طبيعية لهذا الترحال كان مقررا هدْمُ الأكشاك التي كانوا يحتلونها مؤقتا والموجودة قرب المسرح والحديقة العمومية (نزهة حسان)، مع العلم أن البقعة تحاذي تصميم بناء المعهد الجديد للموسيقى والرقص الذي بدأت أشغال تشييده مند أمد طويل ولا زالت لم تنتهي .
لما وصلني خبر الهدم بدأت أفكر في مشروع من أجل إقناع عمدة المدينة الذي كان آنذاك هو السيد فتح الله والعلو ، للحفاظ على الأكشاك الخمسة عشر ، فكانت فكرة إعادة توظيفها في مجال الفنون التشكيلية هي الأقرب إلى الإنجاز. فهيأت ملفا معززا بمعطيات فنية و تقنية توضح طريقة تحويل هذه الأكشاك إلى فضاء للتعبير الفني المباشر، على غرار ما يسمى في باريس ب مونمارتر. فاقتداء بما رأت عيناي بالعاصمة الفرنسية ، و رغبة في خلق فضاء تشكيلي بالرباط يشبهه، آو على الأقل يقترب منه (لأن المقارنة تكاد أن تكون شبه منعدمة) ، سميت المشروع المُقترح ب “مونمارتر الرباط”، لتسهيل عملية الاستيعاب والفهم ، لأنني كنت متيقنا بأن السيد والعلو سيحبب الفكرة باعتباره واحد من قدماء الطلبة الجامعيين الذين تابعوا دراستهم بباريس، وتواجُدُه بالعاصمة الفرنسية يُحَتّم عليه معرفة مونمارتر و “شان إليزي” ومتحف اللوفر وأماكن مشهورة أخرى .
لم أضع ملفي في مكتب الضبط، تجنبا للضياع المُتَعَمّد، الذي يُقْبر، مند البداية أي مشروع بناء، لأن من يسمونهم المغاربة الواعون “اصحاب الحَسَنات” يتربصون في الحجرات الإدارية المظلمة بمخالبهم الخشنة، كما تتربص الذئاب بالفريسة العمياء. انتظرت الفرصة المواتية لكي أسَلّم الملف مباشرة للعمدة بدون وسيط، وما ساعدني في ذلك هو برمجة إدارة المسرح لأمسية نظمها حزب الاتحاد الاشتراكي بمناسبة مرور 50 سنة على تأسيسه. آنذاك كنت متيقنا بأن السيد والعلو سيأتي للحفل، باعتباره من قادة هذا الحزب. فقصدت المسرح وكان معي موظف من وزارة الثقافة يسمى بوعزة المقلاشي، وهو لازال حي يرزق للإدلاء بشهادته عند الضرورة ، لأن الأمور أخذت وجهة غير مشرفة. وكاحتياط إضافي ومن أجل الإخبار، وضعت نسخة من الطلب في مكتب الضبط لوزارة الثقافة بشارع غاندي، باعتبارها الوصية على القطاع الفني، وكذلك لأن البراريك الخشبية الخمسة عشر توجد في الواجهة الشمالية للبناية الجديدة التابعة لها هيكليا، و التي تسير الأشغال فيها ببطء مميت ، كما أشرنا إلى ذلك في بداية المقال .
قبل الدخول إلى المسرح أخد مني السيد العمدة الغلاف الأصفر الذي كان يتضمن ملفا ونسخة من كتابي الفني، الذي طبِع َ في المغرب، وهو نفس الغلاف الذي كان يحمله أتناء التصوير التلفزي الذي قدِّم في النشرة المسائية. لم أدخل القاعة ، لأنني لست منتميا لهذا الحزب ، ولا من العاطفين، و كنت أريد فقط من خلال هذا المشروع التطوعي خدمة الفن، ليس على مستوى الرباط فقط ، وإنما على المستوى الوطني، بكلفة بسيطة ولكن برؤية أكثر إشعاعا وتفتحا ، باعتباري من أهل المجال، وعلى اطلاع على ما يجري ويدور في المعارض والأروقة الدولية .
بعد مرور أيام معدودة، نُوديَ علي إلى مكتب العمدة بحي النهضة. فبعد انتظار طويل، حيث كدت أغادر المكان، بعد نفاد صبري، لأنه من طبعي أكْرَه ولوج ثلاثة آماكن، (واعتقد أن عدد كبير من المغاربة يشبهوني) : المستشفيات ، البلديات ودوائر البوليس. استقبلني مستشار لم أراه من قبل لا في التظاهرات الفنية و لا في المنتديات الثقافية، ويُدْعى أبو الفضل، لست أدري إن كان اسمه الحقيقي أو اسم مستعار. وجدت كل محتويات الغلاف فوق مكتبه، مما يدل على أن رئيسه سلمه ملفي وكلفه بانجاز المشروع بمعيتي كصاحب الفكرة . قال لي بأن عمدة المدينة وافق على المشروع. فبدأنا نناقش محتوياته نقطة بنقطة. وقع خلاف طفيف حول من يحق لهم الأسبقية في الاستفادة من هذه الأكشاك، المستشار يريدها للرباطيين فقط ، أما أنا فأريدها للفنانين المغاربة الحقيقيين دون تمييز جغرافي آو إتنوغرافي، مادام مونمارتر الباريسي الذي أخذته كنموذج مفتوحا للجميع، للفرنسيين وغير الفرنسيين .
تمر الأيام، يفتتح الفضاء بدون استضافة صاحب الفكرة الأصلي، أي كاتب هذا المقال التوضيحي الذي يزيل “الماسك” على منتهزي الفرص الكسالى . لحضتها شعرت بأنني خُذلْتُ من طرف العمدة و من معه ، ف “مونمارتر الرباط ” الذي كنت أحلم به ، تحول إلى قسارية للرسامة المبتدئين، الذين يجهلون حتى اسم الناقد الذي هيأ لهم الظروف. و لا زلت أتساءل كيف تم الاستحواذ على هذا الفضاء من طرف جمعية رباطية ، دون جمعيات أخرى؟ مع العلم أن لهذه الجمعية فضاءات وأمكنة لا تحصى، ولا يستفيد منها إلا أعضاء الجمعية والمقربين منها. فحتى المهرجانات التي كانت تنظمها ألت بالفشل وانطفأ إشعاعها. أقولها بصريح العبارة وأكررها: ” لو كنت أعلم أن هذه الجمعية هي التي ستتكلف بتسيير الفضاء المذكور ، لما اقترحت فكرتي هاته” . لذلك كان الندم هو نصيبي.
ندمت ثلاث مرات، أولا، لسرقة فكرتي في واضحة النهار، ثانيا لأنني وضعت الثقة في أناس لا يستحقونها، ثالثا لعدم اللجوء إلى القضاء ، كما نصحني محام ينتمي لحزب منافس لحزب العمدة، خاصة أن كل الحجج بحوزتي. قد ينصفني القضاء، ( مع فرضية وجود قاض عادل) ، لكن مصير الأكشاك سيكون هو الهدم، وهو الشيء الذي كنت أخشاه. لذلك فضلت الاستسلام للأمر الواقع ، دون الغمار في متاهات دونكيشوتية. لكن من أجل الحقيقة التاريخية قمت بتدوين كل التفاصيل في الشبكة العنكبوتية في مدونتي الفنية (انظر المراجع في آخر المقال واضغط على الرابط الالكتروني لتحميل الوثائق)، وعلى المستوى السردي والببليوغرافي ، تطرقت لهذه السرقة الفكرية في كتابي الخامس الذي نشر في فرنسا ، في حلتين ورقية والكترونية ، تحت عنوان: “بوزغيبة أواردز: ميزات جائزة عابرة للثقافات”.
مرت حولي 8 سنوات على تدشين الفضاء ، لكن لم نر فنا حقيقيا يستحق التنويه والاعتراف به ، فالانتحال والنقل لا يصنعان فنا ، والفشل راجع بالأساس للانتهازية، والارتجال والارتماء على أفكار الغير، لأن هذا الفضاء صار مقيدا ب “السياسي الجمعوي” الهجين الذي من مساوئه النتنة الإقصاء لمن هو خارج الانتماء. إن الجمعيات السياسية لا يهمها تطوير الفن وخدمة الثقافة، وإنما توسيع دائرة الانخراط والولاء، حتى حول التافهات والمُحَرّمات، إن اقتضى الحال.
وأخيرا وليس آخرا ، على المكلف بصفحة “حديث العاصمة” بجريدة الأسبوع الصحفي والذي ينفخ مجانا في بوق هذه الجمعية البرجوازية ، أن يصحح الأغلاط التي صدرت في المقال الصادر في العدد 919 (الخميس 9 فبراير 2017) حول هذا الموضوع. كذلك نود أن نذكره أشباهه بأن “الريجيوناليزم” لا يخدم الإبداع الفني الحقيقي ، وإنما يرمي به في الحفر والمستنقعات.
ففكرتي المتواضعة تنشد قيم التجديد و الانفتاح والمساواة، وتخدم حرية الإبداع في أبهى تجلياتها . فلو كنت “ريجيوناليست” كالمسمى أبو الفضل ، لما وصلت جائزة بوزغيبة الدولية للفن الساخر ، والتي أسستها بخالص أفكاري وبتواضع مدّخَرَاتي، سنتها الثانية عشر، رغم كيد الكائدين ، وكيد دوي القربى ومن أحسنتُ إليهم، ورغم ”نْواعَرْ” الصحافيين المُبَوْلَسين الذين وجدوا في النميمة ضالتهم.
إني حزين لأن مشروع “مونمارتر الرباط” قد أفسده المفسدون، كما أفسد آخرون فكرة “فيروفي أر” (Ferrovi-Art) التي تهدف إلى تقريب الفن التشكيلي من المسافرين من خلال أروقة مخصصة لعرض اللوحات الفنية في محطات القطار. وما دمنا في بلاد السيبة الفنية ، انأ متأكد بأن دوي العاهات الفكرية و “ليبْرا كاسي” (les bras cassés) سيسرقون مني آخر فكرة تخص المهرجانات السينمائية ، كنت قد أعلنت عنها بحسن نية في مقال تحليلي حول مهرجان مراكش السينمائي ، تم نشره في “موقع اخبر كوم” الذي يسيره الصحفي مصطفى حيران. ويتعلق الأمر بإحداث فقرة جديدة تهتم ب “المايكين أوف” للأفلام التي يصورها الأجانب في المغرب.
مؤسس الجائزة الدولية للفن الساخر (متوج الدورة12: المسرحي العبقري بيتر بروك)
مراجع
Document 1
-Article : «A l’instar de Paris, Rabat aura-t-elle enfin son Montmartre ? »
-Date de mise en ligne : lundi 7 septembre 2009
-Lien URL pour le téléchargement :
http://bouzghiba–awards.blogspot.com/2009/09/linstar-de-paris-rabat-aura-t-elle.html
Document 2
-Titre de l’article : «De belles idées mais sans le pouvoir»
-Date de mise en ligne: mardi 22 septembre 2009
-Lien URL pour le téléchargement :
-http://bouzghiba–awards.blogspot.com/2009/09/de-belles-idees-mais-sans-le-pouvoir.html
Document 2
-Titre de l’article : «Montmartre de Rabat : mise au point»
-Date de mise en ligne: mardi 1 décembre 2009
-Lien URL pour le téléchargement :
http://bouzghiba–awards.blogspot.com/2009/12/montmartre-de-rabat-mise-au-point.html