التربية الوطنية حق كل المغاربة… أكبر من مجرد حقيبة في يد وزير

بقلم : بوشعيب حمراوي

كلما تعثرت مشاريع الإصلاح، وتراجعت مؤشرات الثقة، وارتفعت منسوبات العنف والأنانية واللامبالاة، وتسارعت مظاهر الفوضى والاستهتار بالممتلكات العامة، وسادت لغة السب والشتم والتشهير والتبخيس بدل لغة الحوار والاختلاف الراقي، سارع الكثيرون إلى تحميل المدرسة مسؤولية ما يجري، وكأن المؤسسة التعليمية وحدها مطالبة بإصلاح ما أفسدته الأسرة والإعلام والسياسة والاقتصاد والثقافة والفضاء الرقمي وبعض النخب التي تحولت في كثير من الأحيان من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة. والحقيقة أن المغرب، كما هو حال العديد من الدول، لا يعاني فقط من أزمة تعليم أو تكوين، بل يعيش قبل ذلك أزمة تربية وطنية بمفهومها الشامل والعميق، لأن بناء الإنسان لا يبدأ وينتهي داخل القسم الدراسي، ولأن صناعة المواطن الصالح لا يمكن أن تكون مسؤولية مدرس أو أستاذ أو إدارة تربوية فقط، بل هي مسؤولية وطن بكامله.

لقد اعتدنا منذ عقود على ربط التربية الوطنية بوزارة معينة، وعلى اختزالها في مادة دراسية أو أنشطة مدرسية محدودة، بينما التربية الوطنية في جوهرها مشروع حضاري متكامل يتجاوز المدرسة والجامعة والتكوين المهني ليشمل الأسرة والشارع والإدارة والمقاولة والإعلام والمسجد والمسرح والملعب ومواقع التواصل الاجتماعي وكل فضاء يتفاعل داخله الإنسان مع الإنسان. إنها عملية مستمرة لا تتوقف عند سن معينة ولا ترتبط بشهادة أو دبلوم أو منصب، بل تلازم المواطن منذ طفولته إلى آخر يوم في حياته.

إن أخطر ما وقعنا فيه هو أننا جعلنا التربية الوطنية سجينة حقيبة وزارية، بينما هي أكبر من كل الوزارات مجتمعة، لأنها تتعلق ببناء الإنسان الذي يفترض أن يدبر هذه الوزارات والمؤسسات والمجالس والمقاولات والمرافق العمومية والخاصة.

التربية الوطنية أكبر من التعليم

عندما نتحدث عن التربية الوطنية، فإننا لا نتحدث عن مادة مدرسية تدرس ساعات معدودة في الأسبوع، ولا عن مقرر يحفظه التلميذ من أجل اجتياز الامتحان، بل نتحدث عن منظومة قيم وسلوكيات ومبادئ وممارسات تؤطر علاقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه وبوطنه وبالإنسانية جمعاء.

فالتعليم يعلم القراءة والكتابة والعلوم واللغات، أما التربية الوطنية فتعلم احترام القانون، وصيانة الممتلكات العامة، والاعتزاز بالوطن، واحترام الآخر، وتقدير العمل، والانضباط، وروح المبادرة، وثقافة التطوع، والقدرة على الاختلاف دون خصومة، وعلى المعارضة دون تخوين، وعلى المنافسة دون إقصاء.

لهذا فإن التربية الوطنية ليست جزءاً من التعليم فقط، بل التعليم نفسه جزء منها. فكم من شخص يحمل أعلى الشهادات لكنه يفتقد أبسط قواعد المواطنة والسلوك المدني؟ وكم من مواطن محدود التعليم لكنه يقدم يومياً دروساً في الوطنية والمسؤولية والأخلاق وخدمة الصالح العام؟

إن التنمية لا تصنعها الشهادات وحدها، بل تصنعها القيم التي توجه أصحاب الشهادات.

التربية الوطنية مسؤولية الجميع

إذا كانت التربية الوطنية حقاً لكل المغاربة، فإنها في المقابل مسؤولية كل المغاربة أيضاً.

إن الأسرة مطالبة بغرس القيم الأولى في نفوس الأطفال، والمدرسة مطالبة بتعزيزها وتطويرها، والجامعة مطالبة بتحويلها إلى وعي ناضج ومسؤول، والمسجد مطالب بترسيخ بعدها الأخلاقي والإنساني، والإعلام مطالب بحمايتها من التبخيس والتشويه، ودور الشباب والثقافة مطالبة بتحويلها إلى ممارسات يومية، والجمعيات مطالبة بجعلها ثقافة مجتمعية ، والمقاولات مطالبة بترجمتها إلى أخلاقيات مهنية، والإدارات العمومية مطالبة بتجسيدها في خدمة المواطن، والأحزاب السياسية والنقابات مطالبة بأن تكون مدارس للمواطنة لا فضاءات للصراع حول المواقع والمصالح. بل إن الملاعب الرياضية والمسارح وقاعات السينما والمعاهد الفنية ومؤسسات التكوين المهني والمدارس العتيقة والزوايا والفضاءات الرقمية مطالبة بدورها بالمساهمة في هذا الورش الوطني الكبير.

فكيف يمكن أن نتحدث عن التربية الوطنية بينما يخرج المواطن من المدرسة ليصطدم يومياً بسلوكات تناقض كل ما تعلمه داخلها؟

التربية الوطنية تفرض التكوين المستمر والمستثمر      

من أكبر الأخطاء السائدة الاعتقاد بأن التربية الوطنية تهم الأطفال والشباب فقط، بينما الحقيقة أن المجتمع بأكمله يحتاج إلى تكوين مستمر مثمر ومستثمر  في مجال المواطنة والقيم والسلوك المدني.

فالموظف يحتاج إلى التربية الوطنية، والمنتخب يحتاج إلى التربية الوطنية، ورجل السلطة يحتاج إلى التربية الوطنية، والبرلماني يحتاج إلى التربية الوطنية،ورجل الأعمال يحتاج إلى التربية الوطنية، والإعلامي يحتاج إلى التربية الوطنية، والفنان يحتاج إلى التربية الوطنية، والرياضي يحتاج إلى التربية الوطنية. وحتى من قضى أربعين أو خمسين سنة في الحياة المهنية يبقى في حاجة إلى تجديد معارفه ومهاراته السلوكية والإنسانية.

إن الأمم المتقدمة لم تبن قوتها فقط بالجامعات والمختبرات، بل بنتها أيضاً بثقافة المواطنة والانضباط واحترام الزمن والعمل الجماعي والإحساس بالمسؤولية تجاه المصلحة العامة.

التربية الوطنية تعاني من أزمة القدوة

لا يمكن الحديث عن التربية الوطنية دون الحديث عن القدوة، لأن المواطن لا يتعلم فقط مما يسمعه، بل يتعلم أكثر مما يراه.

فكيف نطالب الشباب بالنزاهة إذا كانوا يشاهدون الفساد؟

وكيف نطالبهم بالاجتهاد إذا كانوا يرون أن الوصول أحياناً لا يكون بالكفاءة؟

وكيف نطالبهم باحترام المؤسسات إذا كانت بعض النخب أول من يسيء إليها؟

وكيف نطالبهم بحب الوطن إذا كان بعض من يتحدثون باسمه لا يرون فيه سوى فرصة لتحقيق المصالح الشخصية؟

لقد أصبحت بعض الكائنات البشرية تدعي المعرفة في كل شيء، وتوزع الدروس في كل شيء، وتزاحم الكفاءات والخبراء وأصحاب الاختصاص، وتفرض آراءها على الرأي العام دون رصيد علمي أو أخلاقي أو فكري يؤهلها لذلك، وهو ما خلق نوعاً من الفوضى المعرفية والسلوكية التي أضرت بالتربية والثقافة والحياة العامة.

إن الأمم لا تنهض بالضجيج، وإنما بالكفاءة. ولا تتقدم بالشعبوية، وإنما بالمعرفة. ولا تصنع مستقبلها بالولاءات، وإنما بالاستحقاق.

الثقافة والتربية خارج الأسوار

كما ظلمنا التربية الوطنية عندما حصرناها داخل وزارة، ظلمنا الثقافة أيضاً عندما اختزلناها في قطاع إداري أو في أنشطة موسمية ومهرجانات ظرفية.

فالثقافة ليست بناية تحمل لافتة وزارة، والتربية ليست مادة داخل جدول الحصص .كلاهما أسلوب حياة، وكلاهما طريقة في التفكير والتدبير والتفاعل مع الآخر، وكلاهما مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

فالمواطن المثقف ليس بالضرورة الأكثر حصولاً على الشهادات، بل الأكثر قدرة على الفهم والتحليل والحوار واحترام الاختلاف والمشاركة الإيجابية في قضايا مجتمعه.

كما أن المواطن المتشبع بالتربية الوطنية ليس من يردد الشعارات فقط، بل من يحولها إلى سلوك يومي داخل البيت والشارع والإدارة ومكان العمل.

مشروع وطن يحتاج إلى تربية وطنية شاملة

إن المغرب في حاجة اليوم إلى ميثاق وطني جديد للتربية الوطنية، يجعل منها قضية مجتمعية كبرى تتقاطع فيها جهود الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمسجد والجمعيات والقطاع الخاص.

نحتاج إلى برامج وطنية مستمرة لا موسمية، ونحتاج إلى تكوينات دائمة لا حملات ظرفية، ونحتاج إلى بناء الإنسان قبل بناء الحجر، ونحتاج إلى إعادة الاعتبار للكفاءة والجدية والاستحقاق والقدوة.

ونحتاج إلى تحرير التربية الوطنية من الاختزال الإداري الذي جعلها تبدو وكأنها شأناً قطاعياً بينما هي في الحقيقة أساس كل القطاعات.

فلا الاقتصاد يمكن أن ينجح بدون تربية وطنية، ولا السياسة يمكن أن تستقيم بدون تربية وطنية، ولا الثقافة يمكن أن تزدهر بدون تربية وطنية، ولا الرياضة يمكن أن تؤدي رسالتها بدون تربية وطنية، ولا الديمقراطية نفسها يمكن أن تتجذر بدون تربية وطنية.

تحرير الإنسان

إن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو الاستمرار في الاعتقاد بأن إصلاح التعليم وحده كافٍ لإصلاح المجتمع، لأن المدرسة مهما بلغت جودتها لا تستطيع وحدها أن تنتج مواطناً صالحاً داخل بيئة تعاني من اختلالات في منظومة القيم والقدوة والثقافة والسلوك العام.

لهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط إصلاح المناهج أو تطوير البنيات التحتية أو تحديث وسائل التدريس، بل إطلاق ثورة هادئة وعميقة في مجال التربية الوطنية تجعل منها حقاً يومياً لكل المغاربة، وواجباً يومياً على كل المغاربة، ومشروعاً دائماً للدولة والمجتمع معاً.

فالتربية الوطنية ليست ملكاً لوزارة، وليست امتيازاً تمنحه حكومة، وليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل هي حق أصيل لكل مواطن، لأنها الضامن الحقيقي لصناعة الإنسان، والإنسان هو الثروة الوحيدة القادرة على حماية الوطن وبناء مستقبله وصيانة مكتسباته.

ولذلك تبقى التربية الوطنية أكبر من مجرد حقيبة في يد وزير، لأنها ببساطة قضية وطن بأكمله.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد