محمد الهلالي
ما هو مرجع الذين يقولون بأن المغرب بلد ديمقراطي ؟ وهل يخضع حقا للسلطة الفردية والمطلقة ؟ وما قيمة مفهوم “الانتقال الديمقراطي” الذي يفسر في الظاهر خضوع المغرب منذ مدة ليست بالقصيرة لمسلسل ديمقراطي، أي لسيرورة الدمقرطة؟ لكن هل لهذا المسلسل نهاية ؟ هل هذه الفترة الانتقالية من الاستبداد الفردي المعتمد على الأجهزة القمعية ستعرف تتويجا لها بالديمقراطية الليبرالية التي أنتجتها الرأسمالية ذات الوجه الإنساني ؟ إن هذا المسلسل أشهر من مسلسل “دالاس” و”طوب موديل”، كما يتفوق مخرجوه الكبار، الذين يحملون نياشين وزارة الداخلية، في توليد الحلقات تلو الأخرى على مخرجي “هوليود” الأمريكيين ومخرجي “بوليود” الهنود.
,إذا كانت هناك عوائق أكيدة، على مستوى البنيات الاقتصادية والدينية والتاريخية، لتحقيق الديمقراطية الليبرالية كما مهد لها وقعدها وقننها سبينوزا وكانط وجون لوك وطوكفيل وروسو وفولتير… ألا يمكن على الأقل أن يكون المغرب بلدا للحريات الفردية والجماعية ؟
من الواضح أن المغاربة يتمتعون بحريات التنقل والتعبير والاحتفال وتنظيم السهرات واستقبال كل من هب ودب من جميع أنحاء العالم، من الأصدقاء والأعداء، مقارنة ببلدان ترزح فيها المدرسة تحت سلطة العمائم والعباءات، وتقبع فيها النساء في بيوتهن في انتظار عودة الذكور الأبطال…
يزداد الأمر التباسا إذا تم التساؤل عن العلاقة ما بين منظومة الحريات والنظام الديمقراطي. فليس بإمكان نظام استبدادي أن يضمن الحريات للشعب، لأنه يمنح الحريات من منظوره كهبات وكامتيازات لبعض المقربين والمحظوظين في الوقت الذي تعتبر فيه الحريات حقوقا مشروطة بالواجبات، لأن حقوقي هي واجبات الغير تجاهي وحقوق الغير هي واجباتي تجاهه. إضافة إلى أن “المواطن” ليس منتوجا من منتوجات الدولة، بل هناك تلازم بين ميلاد الدولة الديمقراطية وميلاد المواطن واعتماد المواطنة كدستور للتعامل.
فهذا الالتباس الذي تستفيد منه السلطة وأتباعها والموالين لها، والذي يجعلها تقدم سلطتها كسلطة مشروعة يتبخر بمجرد ما نغير موقع النظر إلى الموضوع، أي بمجرد ما ننصت للرعايا.
إن المؤشر الوحيد الذي يجب اعتماده للحديث بكل واقعية وصفية ورقمية موضوعية من منظور الأغلبية هو مؤشر البنية التحتية.
فأمام هذه “الصخرة” ترتطم الخطابات السياسوية وكل منتوجات الدولة الرمزية من أرقام ووعود. فجمعيات حقوق الإنسان العاملة في الميدان، والتي تنقل الأحداث نيئة وتقريبا في آنيتها لازالت، كما دأبت على ذلك منذ أواخر السبعينات، تنشر تقاريرها المؤلمة والمليئة بالخروقات والاعتداءات.
كما أن الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة، ترانسبارانسي المغرب، تؤكد يوما عن يوم على استفحال الرشوة في دواليب الإدارة وفي أوساط الدرك والشرطة والمستشفيات ومجال الصفقات العمومية، وتدق ناقوس الخطر باستمرار، وخصوصا حينما يتراجع المغرب حسب مؤشر “ملامسة الرشوة” في محاربة هذه الأخيرة سنة تلوى الأخرى.
كما تحذر النقابات المهنية، التي تعرضت للتمزيق والتشتيت والبلقنة، من الأوضاع المزرية التي يعيش فيها المنتجون وتطالب بتحسين أوضاعهم. ولازالت جمعيات المعطلين ذوي الشهادات تملأ شارع الحسن الثاني بالرباط، ويتعرض أعضاؤها، خريجو الجامعات والمعاهد والمؤسسات المختلفة للضرب والركل والإهانة والمعاملة المخلة بالكرامة…
هذه المعطيات لا نجد لها أثرا في خطابات الوزير الأول، ولا في نتائج اجتماعات الحكومة، ولا لدى الدارسين المحسوبين على الدولة، لكن سنجدها حتما في تقارير المخابرات، ليس من أجل إيجاد الحلول ولكن ربما من أجل تحميل كل هؤلاء الذين يعانون من ظلم وحيف سياسة الدولة مسؤولية أوضاعهم ومآسيهم.
إن مؤشر البنية التحتية هو الذي يجعل المغاربة، الذين يألفونه ويثقون به، لا يثقون بالحكومة ولا حتى بالسياسيين المحترفين. لقد وجد المغاربة أنفسهم، كشعب يعاني من الأوضاع السلبية، يتبنون “التوجه النفعي البراغماتي”. إن السياسي الحقيقي في نظرهم هو الذي يعمل ويحقق تغييرا فعليا في الواقع، ومن هذا المنطلق ينتظرون من ملك البلاد أن يصبح “مخلصا” بالمعنى المادي والروحي.
حسب مؤشر البنية التحتية، المدرسة العمومية غير مجهزة كما يجب، وغير مصانة بل تم تحويلها إلى ثكنات مليئة بآلاف التلاميذ تتم حراستهم إلى أن يبلغوا سن التشرد.
وحسب مؤشر البنية التحتية، السوق المغربية هي بالأساس سوق مضاربة متوحشة وسوق احتكار بشع وتلاعب في الأسعار وفي جودة المواد بدون أي احترام للمستهلك.
وحسب مؤشر البنية التحتية، الطرقات والتجهيزات التحتية مغشوشة، ويلاحظ الجميع من عدة عقود كيف أن طريقا لم يمر على تدشينها إلا شهر أو شهران تصبح محفرة وغير صالحة للاستعمال، دون أن يتحرك للاحتجاج على ذلك وفتح تحقيق في الموضوع لا البرلماني ولا العامل، ولا المنتخبون المحليون ولا حتى أعيان البلد القدماء منهم والجدد… إنها قمة التواطؤ.
يمكن للدولة ان تنشئ ما شاءت من المؤسسات الموازية، وتغدق الخير العميم على من تشاء وتصرح بما تشاء عبر وكلائها، فالهوة أصبحت سحيقة ما بين “مغرب البنية التحتية” و”مغرب الأبراج العاجية”.
لا يجب الاستهتار بالتفاعلات السلبية التي تمهد ببطء وفعالية لانفجارات لن تفرق بين أهل “الأسفل” وأهل “الأعلى”. إن ما تم وصفه من مفارقات ما بين خطابات الدولة المشوهة للوقائع، وما تنطق به هذه الوقائع كمعاش وكمعاناة هو ما تعبر عنه كلمة الإيديولوجية.