المنقوصة في المقصورة

بقلم: القاص جمال الدين الحنصالي

القطار، على غير عادته، كان مهذبا كيسا، يشرم، بحب دافئ وعطف كبير، حقول عباد الشمس المترامية الأطراف، وهو يترنح يمنة ومشملة يستمع بحنوّ إلى أغنية للراحلة “أسمهان”؛ كلماتها تسحر الوجدان وتشنف الأذن وتستقر في القلب إلى الأبد، كأنه المصير المحتوم..
يزيد القطار من سرعته تارة ويستقيم طورا بتؤدة غير معهودة، فهو يتعشق السكينة ويبتغيها، حين تصبح الرحلة كحلم وردي بالكاد يتعلم المشي على زرابي العشق البلوري عند طفاف شمس المحبة…
رائحة زكية تندفع بناتها البهيات بدون خجل من بين شقوق المقصورة رقم 8.. آه، نشاياها تزفّ لنا عروسا مليحة كأنها قادمة من قرن فات وولّى.. تجبر المسافر المحظوظ في هذا القطار الوديع، عفوا، هذا القطار المجنون، أن يُغمض عينيه أكثر من هنيهة حتى يحط على عتبة السلام الروحي، ثم يسافر من جديد سفرا لذيذا إلى زمن الأفلام الرومنتيكية الملونة بالأبيض والأسود.. فيستقر، لأكثر من لحظة، دون أن يضع الحقيبة كي تستريح من طول السفر.. هناك، حيث الشوارع عذراء تمتد لتلامس المعصرات، فتناجي النجوم وتلقي التحية على بوّاب السماء.. هناك، حيث القلوب تجردت من رداءة أحوال الطقس.. والناس كدمى مليحة المظهر أنيقة المحيا، تلعب بها أرواح جميلة لا تعشق إلا الحياة وما سواها فليذهب إلى الجحيم…
هذا سفر سرمدي لا يقف إلا عند محطة الأنس، حيث يحلو الوقوف على أرصفة زقاق العشق المنثور حبات فستق مقرمش.. هناك تشم رائحة الولع وهي تغلي على نار هادئة، وتسمع صيحات بائعي الدجاج المذبوح سلفا، وتصادف بائعات الخبز وأخريات بائعات الورد والعلكة لا تفارق ثغورهن.. إن سرْت خطوات خجولة أخرى، ستتوغل في دروب المدينة القديمة وستعيقك حبالٌ لنشر الغسيل، ستبلل كتفيك إن لم تنتبه، لكنك سترى بأم عينيك عبق التاريخ يباع في دكاكين بلا أسقف بلا حجاب بينها وبين الخالق…
القطار المجنون مازال منتشيا برشفات شاي أخضر، يتابع المسير بأناقة وحس مرهف.. يعرف جيدا أن المقصورة رقم 8 تدب في كبدها كائنات من عصر الحب الأحمر..
زرف صاحب القبعة الزرقاء إليها بظرافة ملونة بألوان الصفا، كان قريبا من جسدها الرشيق، كان قريبا جدا، بعيد الشأو جدا، كيسا ماهرا في المراوغة تماما كالقطار الأسود.. وأشباح مسرنمة تلهو في جوف الأربعيني الأعزب.. أشياء ممنوعة صارت مرغوبة، صفرت لبداية اللقاء الشيق الحميمي كحكم صارم لا تغريه الرشوة ولا تخيفه صرخات الجمهور الحاضر..
“محسن” أخذ لوحة وصار يرسم لها بطبشورة الطفولة ما جرى بدقة الراوي المحترف.. هي تُنصت بشغف البنت البكر المقبلة على حفلة عيد ميلادها الأخير رفقة العائلة الكبيرة.. كان “محسن” ينتف ريش طاووس غطى مروحة فضية، يلطف بها الجو الحار قبل أن يلج المقطورة رقم 8، ثم سلا من كل هم وضيم وحرّ.. يرفع بصره المتمرد ليرى بساتين فل وريحان زينت محيا “رقية”..
الأحاديث صارت أحلاما وارتدت فجأة ثوب المعقول.. متى وأين وكيف ؟؟ أسئلة أمست بطلات الفيلم الرومانتيكي الذي بُثّ مباشرة على هواء القطار الأسود..
قلب “رقية” يخفق بسرعة والقطار تخلّى عن سرعة وأبطأ السفر.. والعرق في جسمها كالرذاذ والقطار أنهى مهمة اليوم وبدأ يفكر في المهاد..
ارتعدتْ يد “محسن” المرشوشة بطعنة الصدمة.. وهو يمد “عكازة” لرقية.. قطّب جبينه في هدوء صاخب ملون بالصمت الموحش، وأخذ مطريته وذاب كمثلجات صيف حار.. أغمض عينيه وأنشأ يرى أطلال مدينته تتهاوى.. وحبال الغسيل تتمزق على المارة والفستق بات علقما وصفحات التاريخ طُوت قبل أن تدرس في مدارس الحب.. فسكتت “أسمهان” بل ماتت وهي فعلا كذلك !
غادر المسافرون المقصورات وخلت إلا الثامنة منها فقد كانت “رقية” هناك تذرف دمعتين تلو الأخرى، وهي تضع دفتر ذكرياتها على ركبتيها البلاستيكتين، أخذت تكتبُ ما يلي: حب يتململ في ارتعاش للمرة الثامنة في حياتي.
فجأة، سمعتْ نحيبا خفيفا..
منْ ؟
هل حدثت المعجزة ؟
هل عاد ؟
هل صحا ضميره ؟؟؟
أطلت من نافذة الإغاثة، برقة وشوق .. مع الأسف لا شيء.. إنه القطار كان يبكي معها !

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد