المهمشون يستقطبون الريشة الإبداعية لأحاسيس تعبيرية…وواقعية.

 

محمد أديب السلاوي

 

-1-المهمشون، فئة من المواطنين تشمل الأطفال والنساء والشيوخ والمعوقين، شكلوا ويشكلون ظاهرة قديمة جديدة، تتقلص وتتسع حسب الظروف الاجتماعية، وهم ليسوا حالة واحدة، فهم متعددون في الحالات والصور والأشكال، قد يختلفون من جهة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة.

إن آلة الافتراس التي تملكها حالة التهميش وتحركها اجتماعيا في الشوارع والحارات والأماكن المغلقة، تعطي طوابير من الضحايا / من الصور المؤلمة / من الحالات المؤسفة، وتعطي فئات بشرية مصابة بعاهات لا قدرة لها على التواصل والاندماج.

ومحيط المهمشين في مغرب اليوم، يأوي نماذج بشرية ( من أطفال الشوارع إلى نساء الشوارع، ومن رجال الإهمال إلى شيوخ الإهمال) نماذج لا قدرة لها على تفعيل حياتها تتوافق حياتها مع مفاهيم الاستعباد الاجتماعي الذي هو نقيض الاندماج أو الاستيعاب…

السؤال، كيف كان تعامل الإبداع التشكيلي مع هذه الظاهرة التي لا تعود إلى الفقر وحده أو إلى تدني القدرات الفردية وحدها بقدر ما تعود إلى ” التهميش” الممنهج لفئات معينة من المجتمع ؟ وهو ما يدفع بها إلى الاضمحلال.

في هذه الإضاءة، سنتوقف قليلا عند فنانين اهتما بهذه الظاهرة، الأول ينتمي إلى جيل الرواد، والثاني إلى جيل تسعينيات القرن المنصرم، اشتغلا بوعي وحماس وإرادة على التهميش والمهمشين، ليس فقط من أجل تخليد هذه الظاهرة إبداعيا في سجل العمل التشكيلي، ولكن أيضا من أجل قراءتها إبداعيا وإنسانيا كأفراد أو أجزاء من جماعات أو فئات متفرقة، ثم استبعادها ودفعها بعيدا عن النمو والارتقاء…وأحيانا عن الحياة.

 

-2-

 

1/- الفنان محمد الدريسي (2003-1945) اختار منذ بداياته الأولى (مطلع ستينيات القرن المنصرم) التعبيرية الواقعية مذهبا وأسلوبا لاشتغالاته الإبداعية، كما اختار موضوع التهميش والمهمشين حقلا لإبداعاته، التي أصبحت رائدة في هذا المجال.

 

 

على مدى ثلاثة عقود رسم العشرات من الأجسام المنكسرة، الأطفال والنساء والشيوخ الذين يعيشون حالات تهميش قصوى/ رسم حالات الخوف والاضطراب التي تضرب حياة المهمشين في الشوارع والأكواخ والحانات والدروب الضيقة ومدن القصدير/ ورسم الفزع الذي تعيشه النساء في الأسرة المحرمة وفي جنوح البذخ.

الأعمال الإبداعية لهذا الفنان / محمد الدريسي، تبرز اغترافه من المواضيع الشعبية، من الفضاءات التي كان يتردد عليها في صباه بدروب وأزقة مسقط رأسه، مدينة تطوان، من أسواق ودروب هذه المدينة التي عرفت الفقر والتهميش لسنوات طويلة من تاريخها.

إن أعماله الإبداعية (صباغة ونحت) (في نظر الفنان عبد الكريم الوزاني) حبلى بالأحاسيس العميقة والتساؤلات الكبيرة، ملأى بالهموم والعنف والأسى، شخوص محورية تعيش وحدانيتها، تعبر بصمت عن براكين القلق الذي يسكنها، ويسكن عذاباتها الموحشة.

يقول الكاتب والناقد الأمريكي دونا طوف ندونكو “شخوص الدريسي كتابة وجدانية مليئة بالأفكار، اتصالها جوهري بموضوعاتها. إنها تقول بصوت واحد : أن الشيء الذي لا غنى عنه هو الإنسان الذي سكن في حياته، إلى العزلة والتأمل، التي ألهمته إلى حياة المهمشين الذين كانوا مصدر إيحاء لتجربة فنية متميزة بالخصوصية وبالعمق الفني” / تجربة تستمد إبداعيتها من الواقعية التعبيرية، التي جعلت منه واحدا من أبرز الفنانين المغاربة الذين تميزت قراءتهم التشكيلية بالعمق، التي جعلت منه مبدعا خلاقا تجاوزت إنسانيته حدود المألوف (في نظر صديقه حميد خزعل) بل جعلت منه في نهاية المطاف احد المبدعين المتفردين في المشهد التشكيلي المغربي والعربي عامة، حيث ارتقى  إلى درجة عالية من الإبداع، وصف لدى نقاد المغرب ونقاد أوربا بالفنان الاستثنائي.

إن شخوصه من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، ليست أسطورية، فهي حقيقية، تعيش فقرها وتهميشها وعزلتها، تتحول باستمرار إلى نصوص مرئية متماسكة ومفتوحة على العين والعقل .

2/- الفنان بلمقدم (من جيل تسعينيات القرن المنصرم) جذبته مدرسة الفنان الدريسي بقوة، ولفتت أنظاره (في مطلع الألفية الثالثة)، حيث اشتغل لفترة طويلة على نماذجها المسكونة بالأسى والألم والحزن تحية للرائد الكبير الذي خلد اسمه على الجدارية التشكيلية المغربية، بموضوع واحد، واتجاه واحد، وفكر واحد.

تبرز لوحات بلمقدم في هذا الاتجاه اغترافه من المواضيع الشعبية ومن السلوكات الإنسانية الاجتماعية في الأسواق والشوارع والفضاءات التي جذبت المبدع محمد الدريسي قبله بسنوات، إذ احترف هو الآخر في سلسلة من الأعمال قراءة الوجوه الشاحبة لنساء ورجال وأطفال وشيوخ مهمشين يعيشون على حافة المجتمع.

أطلق بلمقدم العنان لخياله ليحاصر التهميش في الأماكن الشعبية المنعزلة، كما في الوجوه والحالات ليخلدها تشكيليا / ليخلد من خلالها أفكاره ورؤاه وأحاسيسه. في كل عمل من هذه الأعمال حيث مارس لعبة السخرية / مارس اللعبة العبثية / حاول أن يصل إلى البصيرة فبل البصر بأقل ما يمكن من الكلمات التشكيلية، وهو ما جعل حسه المرهف يطبع أعماله التي أبدعها تحية لذكرى الرائد محمد الدريسي الذي أوقف حياته الفنية لموضوع واحد، هو الإنسان والتهميش… إن أعمال الفنان بلمقدم استجابت طوعيا لقلقه الإبداعي، فجاءت محملة / ناطقة بالعذابات المغمورة للمهمشين، ومفعمة بأسئلتهم المحرجة.

 

 

-3-

 

هكذا ومن خلال قراءتنا لأعمال الفنان الرائد الدريسي، والفنان المبدع بلمقدم، نجدهما متباعدين زمنيا وتجربة وثقافة تشكيلية، ولكنهما متقاربين في تعاملهما مع ” إشكالية التهميش” كما مع “التعبيرية الواقعية” فكللاهما وظفا جوانب شفافة من وعيهما المعرفي لهذه الإشكالية، وهو ما جعل إبداعهما مرجعية أكيدة في هذا المجال، إنهما  معا رسما الفزع الذي يعيشه المهمشون / حالات القلق التي تسيطر عليهم /  إنهما معا اتجها نحو المحتوى الإنساني لهذه الإشكالية / نحو العطب النفسي والروحي / ونحو التعبيرات الحادة والمثيرة والصادمة التي استقرءت  أجواء التهميش وأوجاعه.

على المستوى الإبداعي، اتكئا معا على “التعبيرية الواقعية” في انجازاتهما، إذ ركزا معا على تبسيط الخطوط والألوان، وابتعدا معا عن الأوضاع الكلاسيكية التي تقوم عادة على تسجيل معالم الأجسام والطبيعة تسجيلا دقيقا، سواء في الخطوط أو التلوين. كما اعتمدت أعمالهما على إظهار تعابير الوجوه والأحاسيس النفسية من خلال الخطوط، وهو ما جعل بعض أعمالهما تتجه نحو الرومانسية خاصة منها الأعمال التي أعادت بناء عناصر الأجسام والوجوه والحالات بطريقة تثير المشاعر.

ما يعطي لأعمال بلمقدم بعض الخصوصية، إنها أفصحت عن مشاعر مبدعها بتلقائية وفطرة، بعيدا عن التعاليم الأكاديمية التي التزم بها الفنان الدريسي رحمه الله. فجاءت كامتداد تلقائي لرسوم الأطفال، ولكن بمهارة الكبار.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد