موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
ثمة جعجعة حول “إصلاح نظام التقاعد” الذي ترفعه حكومة عبد الإله بنكيران، ويُعرض على البرلمان بغرفتيه (صادق عليه مجلس المستشارين) ويرتبط بحزمة إجراءات ذات طابع مالي بتداعيات اجتماعية.
المطلوب بإلحاح إيجاد مبلغ مالي لا يقل عن 41 مليار درهم لسد العجز في سيولة نظام التقاعد وإلاَّ فإن الإفلاس التام سيحصل لهذا المرفق الاجتماعي، مما سيعني تفكك نظام الإدارة الاجتماعية للدولة ثم انهياره، ولا ضرورة لرسم معالم الصورة التي ستترتب عن ذلك.
حكومات عبد الرحمان اليوسفي وإدريس جطو وعباس الفاسي لم تستطع فتح ملف الإصلاح المالي لنظام التقاعد رغم دقات ناقوس الخطر التي كانت تصدرها مؤسسات النقد ومكاتب الخبرة الدولية، ومن عناوين تلك الدقات أن التعويض المالي عن التقاعد سيتوقف سنة 2020 إذا لم يتم إصلاح نظام التقاعد.
حكومة التناوب برئاسة سي عبد الرحمان اليوسفي كانت أكثر موضوعية حين فتحت صندوق باندور المتمثل في طرح هذا السؤال: كيف أفلس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟ وكانت بضعة أجوبة ضمن تقرير لجنة التحقيق البرلمانية التي اشتغلت على موضوع إفلاس صناديق الدولة المالية. لكن “توقيف المنهجية الديموقراطية في تعيين الوزير الأول” كما قال اليوسفي سنة 2002 حين الاستعاضة عنه بتقنوقراطي لتسيير دفة العمل الحكومي هو إدريس جطو، وضع حدا لهذه الأسئلة والبحث عن أجوبة لها. لماذ؟
ببساطة لأن تلك الصناديق المالية، وضمنها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لم تكن تحمل من صفة “العمومية” إلا الإسم. لقد كانت عبارة عن صناديق سوداء في خدمة نافذي الدولة، ونقصد المخزن الملكي.
حكومة إدريس جطو لم تطرح حلاّ لمعضلة النقص المالي الدوري في صندوق التقاعد والذي بلغ أزيد من أربعة ملايير دولار بل “رقّدته” أي أوقفت الجدل الحكومي والبرلماني والإعلامي بشأنه، وذلك بعضٌ مما كان مطلوبا من حكومة التيقنوقراط. أما حكومة عباس الفاسي التي جاءت فيما بعد، فكانت مُرهقة بملفات اجتماعية (البطالة، فضيحة النجاة..) بما جعلها لا تفتح ملف إصلاح التقاعد. لقد كان مطلوبا العثور على الفرصة “المناسبة”، والسياسة أولا وأخيرا مسألة فُرص تأتي في أوقاتها المناسبة.
وجاءت الفرصة التي لا تُعوض.
لأول مرة في تاريخ الانتخابات بالمغرب، وفي إطار دستور جديد (أنتجه حراك ما يُعرف ب”الربيع العربي”) جاء حزب إسلامي “معتدل” في الرتبة الأولى ضمن نتيجة انتخابات 2011 وليُسمّى لأول مرة كذلك، رئيس حكومة بدلا من الوزير الأول، وكان عبد الإله بنكيران.
باتت المناسبة مواتية لفتح ملف “إصلاح أنظمة التقاعد” عبر قنطرة حكومة لديها مشروعية انتخابية، أي حاصلة على تفويض شعبي – كما لا يمل بنكيران من الترديد كلما حاصره خصومه – وبما أن مضامين إصلاح التقاعد فيها إجراءات غير شعبية تماما مثل رفع سن التقاعد إلى 63 سنة ورفع نسبة مساهمة المنخرط والحكومة إلى 14 بالمائة.. وغيرها من التبعات التقشفية التي ستأتي بفعل التأثير على الجوانب الاجتماعية، فإن الأمر تنطبق عليه العبارة الشعبية “من لحيتو لقم ليه” أي أن حكومة الشعب هي التي ستخنق الشعب!
حكومة بنكيران لا تستطيع طرح السؤال الأساسي وهو: مَن الذي أفرغ صندوق الضمان الاجتماعي؟ وذلك لاعتبارات سياسية واضحة، وبنكيران لا يريد أن يصطدم بمَن يسميهم “العفاريت” مخافة أنيابها المكشرة لذا فإنه يفعل ما يستطيعه: تدبير التوازنات المالية للدولة من طرقها السهلة، ومنها أن المتقاعد المغربي الذي اقتُطِع من أجره على مدى ثلاثة عقود من العمل أو تزيد، لملء صندوق التقاعد، هو الذي سيؤدي ما تم نهبه منه على مدى أزيد من ستين سنة.
واليوم فإن الفرصة “مناسبة” تماما بوجود “حكومة شعبية” على رأسها رئيس حكومة يتقن “تصريف” الجرعات المُرَّة، واستثمار الظرفية السياسية الموسومة ببيئة مترهلة قوامها أحزاب “يسار” ونقابات “تعارض” و”تحتج” في حدود ما يضمن مصالحها المتمثلة في مواقعها الانتخابية والمادية، ووضع عام موسوم بالانتكاس الحقوقي.
صناديق الإقراض الدولية سيما صندوق النقد الدولي FMI لا يمكنها أن تستمر في إقراض المغرب لتغطية العجز المالي في تسيير أداءات ذات طابع اجتماعي، بدلا من مشاريع استثمارية ذات عائدات تخول للحكومة احترام آجال أقساط الديون، وبما أن ما تم نهبه من الصناديق العمومية، ومنها صندوق التقاعد، لا يُمكن استعادته ولا متابعة مُقرفيه “العفاريت” ف”عفا الله عما سلف” كما قال رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، و”لِّي حصل يودي” وهو “شعيبة”: الحلقة الأضعف في تراتبية القوة والنفوذ بالموووغريب!