موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
ثمة واقعتان جديدتان ترتبطان بموضوع نهب المال العام في المغرب تصلحان لتوصفا بشجرتين صغيرتين تخفيان غابة كثيفة مخيفة.
تتعلق الأولى بواقعة “سيارة لحبيب الشوباني” رئيس جهة تافيلالت التي استأثرت باهتمام بالغ في مجالس السمر الرمضانية و”سوق التداول” في مواقع التواصل الإجتماعي…
الواقعة الثانية جديدة قياسا للأولى، وتتصل بإعلان طلب عروض من طرف وزارة الداخلية همَّ فتح أظرفة وإجراء مزايدة لشراء أثاث لبيت عامل إقليم سيدي إفني، وسقف المناقصة المالي لا يقل عن ثلاثمائة وستين مليون سنتيم.
بطبيعة الحال “تعجَّب” المتعجبون.. واستفظع المستفظعون، أن يعمد رئيس جهة محسوبة على المغرب غير النافع مثل تافيلالت ليشتري دستة سيارات الدفع الرباعي (كاط كاط) من نوع “تواركَ” له ولمعاونيه حتى يتسنى لهم “التحرك في منطقة وعرة تضاريسها” كما دافع الشوباني عن عملية الشراء هذه، وحينما ضجّ من حجم الاهتمام بصفقته قال بنزق يتّسِقُ وشخصيته “الخفيفة”: “نفكر في شراء طائرة”!
أما قضية صفقة شراء أثاث بيت عامل إقليم سيدي إفني، فيبدو أنها لن تثير اهتماما على غرار سيارات “الكاط كاط” خاصة الشوباني ومساعديه في رئاسة جهة تافيلالت، ذلك لأن الناس عندنا درجوا على “الإيمان” أبا عن جد أنه يحق للمخزن ورجاله ما لا يحق لغيرهم.
في الحقيقة إن سيارات الشوباني الفارهة و”سدادر” و”مواعن”.. بيت عامل إفني ليست بقسط التبذير الذي يُمكن أن تُقام له الدنيا فلا تُقعد، كما حدث بالأخص بالنسبة لسيارات الشوباني، ذلك لأنها ليست سوى “شي بركة” قليلة من بحر “ثقافة” نهب المال العام في المغرب..
لنُذكِّر لعل الذكرى تنفع الناسين..
المغرب كان دائما مِلكا لمن يحكمه.. هذه بديهية تسري في عروق ثقافة الحاكمين والمحكومين على السواء، وهكذا جرت وتجري الأمور.. كانت هناك مراحل “شاذة” لكنها كانت استثناء، والاستثناء لا يُقاس عليه كما تعرفون، ومنه أن الملك محمد الخامس اتصل بوزير الاقتصاد والمالية في حكومة عبد الله إبراهيم ذات يوم من أواخر عقد خمسينيات القرن الماضي وقال له: “الزرابي تاع لقصر فالرباط رْشَاوْ” ليجيبه الوزير عبد الرحيم بوعبيد: “ما عندناش لفلوس نعاماس”.
حدث ذلك في ظرفية سياسية استثنائية، حين تولت العمل الحكومي شلة من الوطنيين الأكفاء والنزهاء على رأسهم الأستاذ عبد الله إبراهيم سقى الله ذكراه.
ضجّ ولي عهد محمد الخامس (الحسن الثاني) من حكومة تراقب صرف المال العام حتى حينما يتعلق الأمر ب”دار المُلك” فعمل كل شىء لإقالتها، وحين نجح تولى رئاستها.
ومنذئذ انطلقت عمليات إضافة القصور والدور والثروات المالية.. في الداخل والخارج، سيما عقب تولي الحسن الثاني حكم المغرب..
استعاد المخزن الملكي وضعا “طبيعيا” في المووغريب يتمثل في مقولة الكاتب والمؤرخ الفرنسي “جورج سبيلمان” وهي: “المغرب في مِلكية الملك”.. Le Maroc est l’apanage du roi
من المعروف الآن أن الحسن الثاني حينما مات صيف سنة 1999 كان قد ترك ثروة طائلة مالية وعقارية ووو… موزعة بين المغرب والخارج، كما أن كبار معاونيه في دار المخزن أصبحوا أثرياء بعد مجيئهم من إملاق شأن السكرتير الخاص للحسن الثاني “عبد الفتاح فرج” الذي ترك لزوجته الألمانية التي لم يخلف منها أبناء ثروة بملايير الدولارات، بعدما باع كل ممتلكاته في المغرب والخارج، ورحّل كل ثروت”ه” إلى ألمانيا قبل أن يموت ببضعة أشهر أواسط تسعينيات القرن الماضي.
عبد الفتاح فرج دخل دار المخزن في تواركَة أول مرة وهو يرتدي “صندالة تاع الميكة” كما قال عنه قيدوم الصحافيين المغاربة مصطفى العلوي مدير جريدة “الأسبوع”.
أو كما قال لي “هشام المنظري” طريد “دار المخزن” في حوار كُنت أجريته معه فحاول الدفاع عن “مشروعية” تلقيه رشاوى مقابل تدخلات لدى الحسن الثاني: “راه أفقر واحد فتواركَة عندو جوج ديور وكايقري ولادو فميريكان”.
إنها “ثقافة” نهب المال العام حينما يرتدي الحاكم سلهام القوة والنفوذ ف”تختفي” تحته تفاصيل الاغتراف كُلٌّ حسب “جدارته” وشطارته..
لم يعد سرا أيضا أن صناديق الدولة المالية مثل صندوق الإنماء الاقتصادي والقرض الفلاحي وصندوق الضمان الاجتماعي والقرض العقاري والسياحي.. كانت عبارة عن صناديق سوداء رهن إشارة دار المخزن، ذلك ما كشف عنه تقرير اللجنة البرلمانية التي كُلفت بالتحقيق في إفلاس الصناديق المالية المذكورة في فترة حكومة التناوب.
من التفاصيل التي وردت في تقرير اللجنة البرلمانية الذي ضمته دفتان بينهما أزيد من ثلاثمائة صفحة، أن شخصيات كبيرة في دولة المخزن الملكي على غرار مضحك الحسن الثاني وممثل المغرب الدائم السابق في الأمم المتحدة “أحمد السنوسي” استفاد من قروض بملايير الدراهم من القرض العقاري والسياحي لينشىء مشروعا عقاريا سياحيا في شمال المغرب لم يرد منه درهما واحدا للمؤسسة المالية العمومية – في الظاهر- المُقرِضة، وحينما ضغط عليه رئيسها ومديرها العام آنذاك زين الدين الزاهيدي “طاح على قدام الحسن الثاني فأُعفي من أداء ما بذمته” كما قال الزاهيدي في حوار صحافي مهم مع أسبوعية “لوجورنال”.
لقد كانت مؤسسات الدولة المالية عبارة “عن مآدب” يعني موائد “عْراضة فيها مول الدار والضيوف” وكل اغترف على قدر “استطاعته”.
الزاهيدي كشف في حواره أمورا غاية في الأهمية، منها مثلا أن محمد السادس حينما كان وليا للعهد بعث إليه رسالة (كشف عن نسخة منها) أوصاه فيها “خيرا” بطلب قرض من العقاري والسياحي لفائدة صديقه “فاروق بنيس” وملف هذا القرض يوجد أيضا ضمن تقرير اللجنة البرلمانية التي كُلفت بافتحاص إفلاس مؤسسات الدولة المالية..
إنه غيض من فيض النهب “المُمنهج” للمال العالم قدِّر حتى ذلك الوقت بمئات ملايير الدراهم كانت كفيلة لو وُجهت لمشاريع عمومية أن تنقل المغرب إلى العالم الأول المتقدم، لا أن يغوص أكثر في فقر العالم الثالث.
واليوم لا جديد تحت الشمس، حيث يستمر النهب أكثر من أي وقت مضى، إذ تقول أرقام الرصد الدولية لتطورات ثروات الحكام عبر العالم، أن ثروة محمد السادس تضاعفت خمس مرات منذ توليه الحكم، وأن معاونيه المقربين أصبحوا من أثرى الأثرياء على غرار كاتبه الخاص منير الماجيدي ومستشاره فؤاد علي الهمة و”معاون” هذا الأخير إلياس العماري… ومعلوم أن هؤلاء الأخيرين ينحدرون من شريحة اجتماعية متواضعة ماديا. كما أن فضائح خلق الشركات الوهمية لتهريب الأموال للخارج ما زالت “اختصاصا” ملكيا.
في هذه الأجواء “الوليمية” من الطبيعي أن يقول رئيس الحكومة بنكيران مستنكرا: “واش بغيتو الوزير يركب فداسيا؟” مدافعا عن “حق” وزراء حكومته في سيارات ميرسيديس آخر صيحة. وأن يعمد قيادي في حزبه يتولى منصب رئاسة جهة تافيلالت إلى شراء سيارات رباعية الدفع من النوع الفاره.. ذلك لأنهما سليلا “ثقافة” دولة يفعل فيها “مول شي” ما يريد ومجتمع يرى ذلك “طبيعيا” لأنه “تربَّى” على “قاعدة”: “كول ووكّل”..
إن سيارات “الشوباني” و”سدادر” دار العامل ليست سوى شجرتين صغيرتين في غابة كثيفة مخيفة أشجارها ضخمة اسمها: “نهب المال العام في المووووغريب”.