موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
لم يكن ليدور بخَلَد النخبة السياسية والفكرية لقدامى الإغريق أن مصطلحا سياسيا نحتوه شكلا ومضمونا منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف عام سيغدو الأكثر استعمالا بين ساكنة الكرة الأرضية طوال الأربعة قرون الأخيرة.
نعم إنه مصطلح الديموقراطية..
اختلف كثيرون حول معناه هل هو “حكم الشعب نفسه بنفسه” أم “سيادة الشعب”..؟ لكن المدلول واضح: حق اختيار الفرد حُكم الجماعة.
ظلت ممارسة الديموقراطية مثار أخذ ورد بقدر تعدد التجارب التي اتخذتها بلدان الغرب المتطور في تطبيقها، لكن ميلاد شكل التدبير الديموقراطي لدول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية كان مع نشوب الثورات السياسية التي نقلت تسيير شؤون الدولة والأفراد من قبضة الأنظمة الشمولية ملكية أو امبراطورية (أوروبا) أو طبقية واستعمارية (أمريكا) إلى التصويت أي “حكم الشعب نفسه بنفسه”..
وبالرغم من تعدد تجارب التدبير الديموقراطي، ومراوحتها بين السلبية والإيجابية، فيما يرتبط بطريقة تصريفها ونتائجها، إلاَّ أن جوهرها ظل هو نفسه منذ البداية: لا فرد يقوم مقام الجماعة في اختيار شكل ومضمون تدبير شؤون الدولة والمجتمع.
وهذا ما حدث بالضبط ليلة الخميس رابع وعشرين يونيو 2016 حين اختار الناخبون البريطانيون بفارق عددي ضئيل، لا يتعدى واحد في المائة، أن تخرج بلادهم من منتظم قاري ضخم يضم في عضويته سبعة وعشرين دولة بعضها تعتبر قِوى سياسية واقتصادية عالمية شأن فرنسا وألمانيا.
لا أحد من الأقوياء الرسميين في بريطانيا والقارة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وفي ركابهم قادة وحكومات العالم الليبرالي من البلدان الاسكندنافية حتى أرخبيل اليابان كان يريد أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وذلك ما حدث بفارق تصويت صغير جدا.
إنه قرار عالمي مصيري اتخذه الشعب ولو كان فيه “قطيع الراس”!
و”قطيع الراس” حدث حينما حملت صناديق الاقتراع حكومات يمين عنصري تحولت إلى الفاشية كما حدث في أوروبا بين الحربين العالميتين، حيث وضع الحزب النازي الألماني بقيادة “هتلر” ومساعدة حزب ذوي القمصان السود الإيطالي بزعامة “موسيليني” العالم في وضع قيامي تطلّب حربا عالمية بدمار شامل وعشرات ملايين القتلى والجرحى والمعطوبين…
إنه ثمن الديموقراطية الذي تؤديه الشعوب حينما تريد أن تحكم نفسها بنفسها، أما إذا أرادت أن تظل قطيعا يُساق في هذا الاتجاه أو ذاك، فذاك شأنها، ولكل اختيار ثمنه.
الفرق بين اختيار المصير من خلال التصويت، و”تفويضه” للشخص الفرد ل”ينوب” عن الجماعة أن الشعوب تتعلم من أخطائها حينما تختار الاتجاه الخطأ فتصوبه بالتصويت، في حالات السلم، وبالثورة في حالات الإكراه، أما إذا “اختارت” الانقياد لخيارات فردية فإنها لن تتعلم أبدا، وستظل تراوح مكانها تجتر سلبيات وجود لا تنتهي، لأنها صادرة عن سياسة الفرد وليس الجماعة.
اختار الشعب البريطاني وضع بلاده والقارة الأروبية والعالم بأسره في مفترق طُرق بعلامة تشوير تفيد إما إيغالا نحو اليمين وانعزالا عن مشاغل الأمة الأوروبية ومشاكل الإنسانية، أو بداية لتصحيح اختلالات المسار المحلية والقارية والدولية.
لكن الدرس الأهم الذي سيبقى شاهرا مضمونه هو: لا بديل عن حكم الشعب نفسه بنفسه.
ولم يكن عبثا أن مَن نعت الديموقراطية بأنها أسوأ طريقة لأفضل نظام حكم كان سياسيا بريطانيا كبيرا هو “وينستون تشرشل”.