موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
ثمة حاليا بلدان قليلة عبر العالم ما زالت فيها وسائل الإعلام العمومية بوقا للحاكم..
كوكبة دول ضمنها المغرب احتفظت بذلك الدور المتشدد الكلاسيكي للإعلام العمومي بتلفزاته وإذاعاته وجرائده.. وهو: تلميع صورة رأس النظام.
يتساءل بعضهم: كيف تسنى للإعلام العمومي في المغرب أن يظل “مكبر صوت” لنظام المخزن الملكي منذ دخول الإعلام بأنواعه حيز “الخدمة” في المغرب؟ لقد مرت لحد الآن قرابة ثلاثة عقود وما زال النظام السياسي المغربي يعتبر الإعلام تلك الأداة المُستعملة للأغراض الخاصة وكأنها كاميرا تصوير في أحد الأعراس!
مضى ثلثا قرن على الإعلام في العالم مرَّ فيه من النّقل التلفزي عبر محطات الاتصالات البريدية الأرضية فالاتصالات اللاسلكية ثم الأقمار الاصطناعية وصولا إلى البث الرقمي فالأنترنيت.. وانتقلت فيه الصحافة المكتوبة من رقن الحروف باللينوتيب لطباعتها على الورق إلى الماكنطوش وشاشات الكمبيوتر الثابتة الكبيرة وصولا إلى الكتابة والنشر والقراءة.. عبر الهواتف المحمولة..
“عصور” من التطور التقني والرقمي.. في ظرف ستين سنة، وذلك خدمة للمشاهدين والقراء بنقل أسرع وأدق للخبر وبث أجود للبرامج المتنوعة واستجابة للرغبات الموجودة والمُفترضة للناس..
إن هذه التطورات لم تزعزع شعرة في “وظيفة الإعلام” بالنسبة للمخزن الملكي بالمغرب، لقد ظلت دائما كما كانت: مكبِّر صوت وأحيانا… سوط ومصور “أعراس السلطة” وليالي “دخلتها” التي لا تنتهي!
مناسبة هذا الكلام اندلاع نقاش أصبح عقيما حول تفاهة ما بات معروفا ب”الأعمال الرمضانية” حيث ضج البعض من مستوى تفاهة وبلادة ما يُقدم للمشاهدين في ساعة الذروة، أي لحظة التحلق حول مائدة الإفطار الرمضانية..
قناة “دوزيم” لم تتورع عن إنتاج وصلة كاميرا خفية مُفبركة بشهادة المتخصصين ودراية مشاهدين عاديين، بمضامين مبتذلة بلغت اقتراف السخرية من الزلزال “والمُزَلْزْلِينَ” وربط مشاهدون هذه السخرية الفجة بوقائع زلزال الشمال المغربي التي ما زالت طازجة.
وإذا أضفنا النشرات الإخبارية التي تنقل أخبارا مُنتقاة حسب “سياسة” هاجسها خدمة المخزن الملكي، وليس الإخبار بمعناه الإعلامي، وبرامج “سياسية” واجتماعية وثقافية يُقال فيها كل شيء ولا شيء… وكل ما يجعل من الإعلام العمومي المغربي تلك المنظومة الدعائية التي نعرف، أي بوقا ل”تكبير” .صوت و.. سوط النافذين.
إن المطلوب أساسا من الإعلام العمومي بالمغرب أن يبث “أخبار” الأنشطة الملكية من مثل فقرات توزيع الملك لقفة رمضان وتغطية “الأعمال الخيرية” لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، وما شابه من “أنشطة” وفي درجة ثانية “لمحة” عن أنشطة الحكومة و”شوفة” على أحوال المجتمع مثل حوادث السير والضرب والجرح… ودوليا إعادة بث أشرطة قنوات دولية مثل CNN أو RT أو BBC عن بعض مشاهد أطوار الحرب في سوريا حتى يحمد المشاهدون المغاربة “نعمة الاستقرار”!
واهمٌ مَن يعتقد أن هذه الوظيفة الدعائية للإعلام العمومي هي نتيجة أمر فوقي من المخزن الملكي، فيتم تنفيذها فورا من طرف تلفزات وإذاعات القطب العمومي وفي ركابهما وكالة الأنباء الرسمية (ماب) وجرائد ومواقع رسمية وشبه رسمية..
إن مسألة تنفيذ “السياسة” الإعلامية العمومية بالمغرب قوامها بيئة “مهنية” مناسبة وقاعدة متلقين “مواتية”.. كيف؟
لقد تشكّل في مؤسسات الإعلام العمومي (الإذاعة والتلفزة ووكالة الأنباء الرسمية وسائر جوقة الجرائد+المواقع الالكترونية..) جيش من المنفِّذين والمنفذات لا يمكنهم أن يقبلوا بغير هذه الوظيفة الدعائية للإعلام، ومَن رأى غير ذلك فإن “راسو سخون” تلزمه المقصلة.
ذلك لأنه عبر ثلثي قرن ترعرعت و”نمَت” لوبيات مصالح إدارية ومالية في مؤسسات الإعلام العمومي، تتوارث “المهنة” والنفوذ والمصالح والامتيازات تأسيسا على تلك الوظيفة الدعائية للإعلام العمومي، إنها “مسامر تاع العشرة” مغروسة حتى القاع.
لدي في هذا الصدد تجربة شخصية لا أمل من تذكرها وذكرها بعد مرور أزيد من خمسة عشرة سنة على حدوثها، وذلك كلما لف الحديث حول شؤون وشجون الإعلام العمومي ببلادنا..
في غضون سنة 2000 كُنت بصدد إنجاز ملف حول “الإعلام العمومي في بداية عهد محمد السادس” اقترحته في اجتماع هيئة تحرير أسبوعية “الصحيفة” سقى الله ذكراها، فاتصلتُ بأحد الزملاء القدامى في دار الإذاعة والتلفزة للحديث حول شؤون الدار من زاوية الملف الذي كنت بصدد الاشتغال عليه ومحوره هذا السؤال: “هل ثمة تغيير في أداء الاعلام العمومي مع تولي محمد السادس الحكم”؟
أجابني الزميل التلفزيوني على نحو “تطبيقي” لنستمع إليه:
“عندما تم تعيين فيصل العرائشي مديرا للقناة الأولى اجتمع بنا وقال: أنا لستُ صحافيا أنتم الصحافيون فقوموا بعملكم..
وحدث أن أُسندت إليّ في تلك الظروف المتفائلة رئاسة نشرة الأخبار وصدف خلال إعداد إحدى النشرات أن كانت على مكتبي قصاصة بمضمون نشاط ملكي عادي، فقررت أن أرجىء بثه حتى نهاية النشرة، وكذلك كان..
مرت بضعة أيام وإذا بالمدير فيصل العرائشي يستدعيني إلى مكتبه.. قال لي: لقد تركت نشاطا ملكيا حتى آخر النشرة لماذا؟ تحدثت له عن تقديري للأمر كما تصورته، فقال: أتدري مَن اتصل بي حول الأمر؟ قلت: لا.. فأجاب: إنهم زملاؤك وزميلاتك في التلفزة أقاموا الدنيا فوق رأسي ولم يُقعدوها، لقد اعتبروا الأمر سابقة خطيرة ويجب أن لا تتكرر”..
إنه اللوبي “التلفزي والإذاعي” وقد أحسَّ بأرضية “المصالح” تميد من تحت أقدامه فتحرّك.
بالنسبة لقاعدة المشاهدين، فإنه ما زالت في المغرب شريحة كبيرة من النظارة “الكرام” يضحكون حتى يشهقون بالحريرة فتوشك أرواحهم على مبارحة أجسادهم وهم يشاهدون “كاميرا” دوزيم المفبركة المبتذلة.
إذن الأمر معقّد “صنعه” مخزن ملكي يريد أن يكون وحده “مضوي لبلاد” ولوبيات نفوذ تشكّلت بقوة الأمر الواقع حول المهام الدعائية للإعلام “العمومي” وجمهور “غاشي” عريض “مضبَّع” مصنوع كماركة محلية مسجلة محفوظة الطبع والحقوق ل”مول الفيرمة”!