بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس
في أجواء هـذا الشهر الفضيــل تعــددت الأحداث والقـــضايا التي تستــأثر باهتمــام وبأحــاديث المواطنيــن والمواطنات، من مختلــف الشرائـح والأوساط الاجتماعيـة، وعبــر كـل ربــوع الوطـن. فمن مشاغل الامتحانــات إلى تقلبــات أحوال الطقــس، ومن المنافســات الرياضية إلى قضايا الهجــرة والمهاجرين، ومن البرامــج التلفـزية إلى موضــوع العطلـة السنويـة، وإلى توالى توقيف الخلايا الإرهابية، وإلى (التسخينــات) الانتخــابية…
فإلى جانب كــل هذه المواضيــع والقــضايا التي تتــزاحم فــي دائــرة اهــتمام النـاس، وتـأخـذ مــن وقتهـم وأحاديثهم ومناقشـــاتهم، هناك الحــدث الذي يجمـــع بين الجميــع، وهو مــوضوع الغـــلاء الـذي يشكــل محــور أحاديث النــاس صـباح مسـاء. نعـم.. فنيــران الأسعار المشتعلــة، هــذه الأيام، بلغــت مستـويات مستفــزة ومـدمرة لحيــاة المواطنيــن وأمنهم الغــذائي.
ورب قــائل يقــول إن ما يحــدث مــن “تحــرك” الأسعار خلال شهر رمضــان ليس بالشيء الجـديد، بــل وأنـه صار مسألــة منتظــرة و”لازمـــة” كل سنــة، وأن السلطــات الحــكومية، ممثلة في وزارة الداخليــــة، سارعــت عشيــة شهــر رمضان إلى الإعلان عن قيــامها بالتدابيــر الــلازمـة لضمــان تمــوين الأسواق ومحــاربــة الغـــش وغيــره من التجــاوزات.
وبالفعــل، فإن فـــوضى الغــلاء وارتفــاع الأسعار ليــس بالشيء الجــديد وأن المغاربــة عانوا ويعانون من المشــكل كلما حلــت هذه المناسبــة، لكن الوضعيــة السائــدة في الأسواق، كــما لامسها كل متبضــع خلال الأسبوع الأول من رمضــان، بلغــت درجات ومستــويات مـن الــزيادات، غير المبــررة، لم يسبــق لها مثيــل.
والمثيــر أكثــر هو أن هــذه الفـــوضي شملت جــل المــواد الغــذائيـة النباتية والطبيعيــة والمصنعــة، المحليــة والمستوردة، مـن اللحــوم البيضــاء إلى العجــائن والألبان، ومــن الأسماك إلى الفــواكــه والى التوابل، ومــن الخضــر إلى الفواكــه اليابســة وإلى الــقطاني، وإلى غيــر ذلـــك مــن المــواد الحيــوية وكــل ما يمكــن أن يـــؤثث الــمائــدة الرمضـانية، دون الحــديث عـمــن لا يملكــــون “المائــدة” أصلا وعن ظــروفهم ومعاناتهم مــع موجـة الغـــلاء.
أما القــول إن السلطات الحكوميــة قــد أعلنت عــن كـذا وكـذا، فالأمر هنــا أيضا يحتــاج إلى شــيء مــن الضبــط والتحـــديد، ذلـــك:
ــ لأن مــوضوع مواجهــة فـــوضى الأسعار، وضمان تمــوين السوق بحاجيــات المستهلــك، لا يمكـن مقــاربته ببعــض التقارير عن المخزون والواردات من المنتــوجات الغــذائيـة.
ــ إن قــانون العـــرض والطلب لا يعنــي أن الغـــلاء، والزيادات العــشوائية فــي الأسعار، قــدر مقــدر لا هــروب منـــه.
ــ إن وجـــود الوفــرة في تـــزويد الســوق ليـــست كافيــة للجــم أطماع وجشـــع مــافيات المضــاربــة والاحتكـــار.
ــ إن مسؤوليــة السلطات العمـــومية في حمــاية قــوت المواطنيـــن لا يجـــوز اختـزالهــا فــي مراقبة أثمان المـواد المدعمــة من صنــدوق المقاصة أو ما تبقــى منــه.
وهــذه الأبجديات كافيــة لتوضيــح مــدى التناقــض الصارخ بيـــن خطابات الحكــومة و”دفوعاتها”، وبيــن حــقائق الواقــع العنيــدة.. حقـــائق يصطــدم بــها المواطن في أسواق كل جهـات البـلاد ومــدنها، حقــائق تفيــد بأن السلطات الحكوميــة، وعــوض الاكتفــاء بالكلام عــن الوفــرة والمــراقبة، كــان عليــها أن تبــادر بإجراءات أخرى في قطــاعات حيوية، مثــل قطاع الدواجــن،حيث تأخرت في فتــح المجال أمام استيـراد (الكتاكيت) لتدارك النقص الحاصل في اللحــوم البيــضاء، وكـذا على مستــوى منــتوجات البحـر، حيث كان من المفــروض أن تتوفــر للمغــاربـة كل الفـــرص اللازمــة للاستفــادة من ثرواتهـــم السمكيـــة وبالأسعار المــلائمة.
ويبــدو أن السلــطات والإدارات المعنيــة تقــف عاجــزة عـن مواجهة المضاربات والتجــاوزات حـتى داخل الأسواق الرسمية التي تشــرف عليــها، كــما هو الشأن فــي أسواق الجملــة للخضـر والفـواكـه، وفــي أسواق بيـع السمك بالجملــة التي يشــرف عليها المكتـب الوطني للصيــد. مما يعني أن المضاربــات وتلاعبــات الوسـطاء تـتـم داخــل الفــضاءات الرسميـــة دون أن تكـــون هناك سلطـــــة قـــادرة عـلى التـدخل لــوقف ما يحـــدث.
والذي يحــدث، في مثل مناسبـة شهـر رمضان، هو استنــزاف ماكــر للقدرة الشرائيــة للمواطنيــن، وهو أقــل ما يمكن أن يقــال عن الحــالات التي تبلــغ فيــها الزيادات العشــوائية سقـف المـائة بالمائـة، مثل ما هو حاصل بالنسبــة لأسعار بعــض المواد ( ومنها : الأسماك ــ الخضـر ـ الدجاج ــ الفــواكـه ـــ الديـك الرومي …) .
وممــا يجعل المشكـل أكثر تراجيـــدية هو كــون التهــاب الأسعار هذا لا يقــابله إلا جمــود الأجور، وتــزايد التحمــلات، وتفـــاقم المشــاكل الاجتمــاعية مــن بطــالة، وضعـف خــدمات قطــاع الصحــة والتعليــم، ومحــدودية التغطيــة الاجتماعيــة، الخ…
ومــن هنا، فإنه من الطبيعي أن تكــون (حرب الاستنــزاف) هـذه هـي القضيــة المركزية، وهــي محـور انشغالات أوسع في أوساط المجتمـــع. ويتــأكد اليــوم أن معالجــة الموضــوع تستــدعي من كــل الجهات المســؤولة، أولا، وقـف هــذا التسيـب والفوضى الضاربة أطنابها في الأسواق، وثانيا، الانكبــاب على بحث كــل التدابيــر (الحمائيــة) الممكــن اتخــاذها لفـــائدة المواطنيــن، بمــا فــي ذلــك إصلاح اختلالات قنوات التجارة الـداخلية، وإعادة النظــر في أســواق الجملــة.