ازدواجية معايير وكيل بمكيالين

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس

خرجت الخارجية الأمريكية مؤخرا بتقرير حول الإرهاب بالمغرب، برسم سنة 2015، والذي يدخل ضمن ثلاثة تقارير سنوية عن دول العالم بشكل منتظم ومتوالٍ تراقب من خلالها وضعية حقوق الإنسان ووضع الحريات الدينية وكذا إستراتيجية مكافحة الإرهاب.

وبغض النظر عن الطابع الدستوري والمؤسساتي والقانوني والسياسي الذي يؤطر هذه التقارير من وجهة نظر خاصة بالولايات المتحدة في تقييم تلك الملفات الثلاثة حول العالم، إلا أن الإشكال المطروح، كل سنة بشأن هذه التقارير هو مدى موضوعيتها وحياديتها ونزاهتها، ودقة وصحة المعلومات والمعطيات التي تستقيها من أجل تكوين صورة عامة عن وضعية حقوق الإنسان أو الحريات الدينية أو الإرهاب، في هذه الدولة أو تلك.

ومن ثم يكون من الصعوبة بمكان الوثوق بتلك التقارير والاطمئنان إليها، والتي لا تقوم في العادة على شروط وقواعد واضحة تحدد منهجية التقييم بالنظر إلى كونها تتم على مستويات متعددة وتعتمد معطيات ووقائع من جهة أو جهات معينة دون الاعتماد على الجهة المعنية والتي هي الدولة المقصودة بهذه التقارير، وهو ما قد يسم تلك التقارير بالانحياز وغياب الموضوعية والاضطراب في المعلومات، وعدم التدقيق في الوقائع والمعطيات.

وما الموقف الذي عبر عنه الكونغرس الأمريكي في تقييمه لتقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في المغرب في إطار مقاربة مشتركة بين الحزبين، من خلال ما أسماه بـ “الأخطاء الفاضحة والادعاءات الكاذبة”، إلا دليل على التضارب الكبير في الحكم والتقدير والتشخيص الذي تعاني منه الخارجية الأمريكية، بصدد إخراج تقارير موضوعية ومنسجمة، من شأنها أن تحظى بالاعتراف والتقدير.

فتقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب، والذي صدر في الشهر الجاري والذي ـ للمفارقة العجيبة ـ يصدر عن منبر واحد أو جهة واحدة، مثله مثل تقرير حقوق الإنسان أو الحريات الدينية، يوضح بجلاء البعد السياسي الذي يهيمن على هذه التقارير، والذي يرتبط أساسا برؤية الولايات المتحدة لمصالحها مع كل دولة على حدة، وحسب الظروف والأحوال والأحداث والوقائع.

فلا توجد مؤشرات يمكن الاطمئنان إليها بخصوص تلك التقارير بما فيها التقارير الصادرة حول مكافحة الإرهاب، بالنظر إلى أن لغة الخارجية الأمريكية ترتبط أساسا بما تريده الإدارة الأمريكية من وراء الإشادة بالمغرب في هذا المجال، على عكس ملفي حقوق الإنسان والحريات الدينية وقبل ذلك وبعده ملف نزاع الصحراء.

وهنا يطرح السؤال حول أسباب ومسببات هذا التغير في الموقف السياسي الأمريكي الرسمي من المغرب بين عشية وضحاها، والخروج بموقف إشادة قوية بإستراتيجية المغرب في مكافحة الإرهاب، على عكس الموقف الآخر من وضعية حقوق الإنسان، الذي كان سلبيا وينطلق من رؤية معادية لا تعترف بجهود المغرب في تكريس ثقافة حقوق الإنسان ومأسستها على نطاق واسع، من خلال المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان.

فالخارجية الأمريكية كثيرا ما تنهج ازدواجية وانتقائية في تقاريرها حول الدول في هذا الشأن، حيث تغض الطرف عن هذه الدولة وتسلط الضوء على دولة أخرى، كل ذلك في إطار ما يخدم مصالح الولايات المتحدة وأجندتها الإقليمية والدولية، فتصدر تقارير سنوية بحسب تلك الأجندة والمصالح، وما يترتب عنها من مكاسب إستراتيجية ولو على حساب الشعوب والدول المستهدفة.

فهل سيصلح تقرير الخارجية الأمريكية حول مكافحة الإرهاب بالمغرب ما أفسده تقريرها حول حقوق الإنسان؟.

إن منطق الإشادة بإستراتيجية المغرب الشمولية في مكافحة الإرهاب والذي حفلت به مضامين هذا التقرير، لا يمنع من القول إن المقاربة التجزيئية التي نهجتها الخارجية الأمريكية في التفريق بين جهود المغرب في احترام حقوق الإنسان الخاص بمكافحة الإرهاب، وجهوده الجبارة في مجال ترسيخ قواعد دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات، وتمكين المؤسسات الحقوقية سواء الرسمية أو المدنية من لعب كل أدوارها في التمكين لهذه الحقوق انسجاما مع مقتضيات الدستور والمواثيق الكونية الصادرة في هذا الباب، يكشف عن تناقض كبير في الخلاصات بين التقريرين المذكورين، وأنهما صيغا وفق معايير تخدم فقط الأجندات الخارجية الأمريكية بلغة مطاطية ومناورة وخادعة وإنشائية، ولا تهدف إلى مقاربة موضوعية لقضايا حقوق الإنسان ومساعدة الدول على تكريسها واحترامها، مما أفقد التقرير الأخير حول الإرهاب كل قيمة معنوية بعد أن اتخذ المغرب موقفا صارما من التقرير الأمريكي حول حقوق الإنسان حول المغرب ورفضه جملة وتفصيلا.

فقوة التقارير الدولية ومصداقيتها تنبني أساسا على مدى دقة المعلومات الموثقة ومصداقيتها والحياد لغويا ومنهجيا في عرض المعلومات ومقاربتها وهذا ما افتقده التقرير الأمريكي الخاص بوضع حقوق الإنسان في المغرب لعام 2015، إن على مستوى الدقة في المعلومات أو على مستوى الموضوعية في التحليل من حيث رصد ومراقبة وتتبع الأحداث وصياغتها في تقرير ملتزم بالمعايير الدولية، وهو ما دفع المغرب إلى التعبير عن خيبة أمل كبيرة من ازدواجية السياسة الأمريكية تجاهه.

إن مصالحة المغرب بتقرير ينوه بجهوده في مجال مكافحة الإرهاب، إنما خضع لاعتبارات أمنية إستراتيجية قبل كل شيء من وجهة نظر أمريكية، وتدخل ضمن إستراتيجية الولايات المتحدة الخاصة بشمال إفريقيا، وترتبط بموقع المغرب الإستراتيجي الذي يجعله يحظى بمكانة خاصة في هذا الشأن، والذي ترغب أمريكا في استغلاله بصفته دولة تنتمي إلى عدة وحدات إقليمية و دولية مهمة، وهي المصالحة التي تدخل ضمن سياسة تلعب فيها جماعات الضغط واللوبيات أو جماعات المصالح المختلفة التي تؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية، وبناء عليها يتم تقييم علاقات الولايات المتحدة مع الدول الأخرى، وما يصدر عنها من مواقف وسياسات قد تنسجم أو تتعارض مع هذه الدولة أو تلك.

فالمغرب لم يكن أبدا في منأى عن تلك المواقف والسياسات أو المخططات الهادفة إلى الهيمنة والتحكم  في مصائر الدول، وما خطاب جلالة الملك محمد السادس أمام القمة الخليجية إلا مؤشر واضح على الشعور والإدراك القوي لمرامي تلك السياسات والمواقف والمخططات تجاه الدول العربية ومنها المغرب، الذي تحاك ضده العديد من المؤامرات وتستهدف استقراره ووحدته الترابية.

إن الغاية من تلك التقارير التي تصدرها الخارجية الأمريكية تظل مكشوفة ومعروفة، والمغرب على وعي تام بها، وهي كلها تقارير تعكس سياسات تهدف إلى إرباكه في عدة ملفات خاصة ملف وحدته الترابية، وابتزازه في الكثير من القضايا والملفات المرتبطة بسيادته واستقلال قراره السياسي، ومصالحه الإستراتيجية والحيوية في المنطقة والعالم. وهي سياسيا لن تمنعه من الدفاع عن نفسه في وجه كل الضغوط المختلفة والتصدي لها بكل حزم وقوة.

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد