العربي المساري … رائد الشرفات .. فرشاة الفراشات ..و عبيرالرشفات …

محمد العوني : إعلامي مغربي

لم يكن بإمكاني و لا بإمكان غيري تسمية ذ.العربي المساري بلقب من الالقاب و لا أن أحدثه بما قد يعتبره مديحا، فهو لم يكن يقبل الألقاب و المديح … فليسمح لي الآن أن أقترف شيئا من ذلك. اليوم أسميه : رائد الشرفات…فرشاة الفراشات …و عبير الرشافات .

رجل متعدد في عطائه ، و متعدد بجديته، و متعدد من خلال مساره بل مساراته.
من عتبة المقاومة إلى شرفة النقد،
من الإذاعة إلى الجريدة،
ومن حرفة الكتابة الى تبسيط القيادة،
من تطوان إلى الرباط،
من عشق اللغة الى رداء صاحبة الجلالة،
و من الشاون الى البرلمان،
من الثقافة الى التاريخ،
و من الجيوسياسة الى الادب،
من رصد الوطن الى ترسيخ الوطنية،
و من صرامة الوطنية الى لباقة الديبلوماسية…
ومن ….ومن….الى ….و الى

و حتى عشرات الكيلوغرامات من مخطوطاته وما سطره بيده التي سلمتها أسرته الكريمة إلى مؤسسة أرشيف المغرب؛لا أخالها تستطيع الإحاطة بكل منطلقات، وانطلقات وامتشاقات العربي المساري و لا بكل المآلات و الإنجازات التي راكمها، و لا المسافات والمساحات التي طواها … فأحرى أن يدركها متتبع لجزء من زخم و عطاء صحافي وباحث و كاتب و مفكر و مسؤول نقابي و قائد سياسي…

تماما كما لا يمكن لشاعر حاذق أن يَعُد و يحصي ما تمكنه و إبداعه إطلالات من شرفات شاهقة، لائقة ، صادقة و رائقة … كان العربي المساري رائد الشرفات يضع الحدود لكل اللاحدود، و يبرع في إطلاق الآفاق لما هو محدود … لدرجة تذويب المفارقة ..
من كان غيره يستطيع الانتقال من موقع الكاتب العام لنقابة الصحافة الى مكتب وزير للاتصال..

و من كان غيره ينجح في العبور من مدير لجريدة إلى سفير لدولة …و من كان سوى رائد الشرفات يحلق مما يكتبه يوميا عن الصحراء و عن احتلال سبته ومليلية ليجلس بكل اطمئنان ضمن لجنة ابن رشد المشتركة مع الاسبان…

و قلة فقط كانوا مثله يَغْزلون الإعلام بالسياسة …دون أن يُبعدوا الإعلام عن أرضه و لا أن يسقطوا السياسة في الدعاية … قلة كانوا مثله يغمسون النضال في حبر الكتابة … فيرفعون من صورة و درجة الأول دون إلحاق الميوعة ببهاء الحروف وصفاء الكلمات…
بيد أن الشرفات تطل أحيانا على صخور صلبة … و على العابر الصامد رائد المغامرات وطويل المسافات أن يتسلقها مشاءً صباحا و مساء دون أن تفقد رؤياه الآفاق ولا قوس قزح … و لا طريق المرح….

و مع كل معمار السياسة و أسرار الأحزاب و علاقاتها بصانع القرار … يرفع رائد الشرفات ورقة الاستقالة ثلاث مرات … و فقط بسبب حياء و أدب الانتماء لم يعلنها في حينها… لكن عندما طوي الوضع أعلنها واضحة :
لم يتم الالتزام معي بتطبيق توصيات المناظرة … فالتزمت مع نفسي و معكم، حتى وإن حُرمت من إعلان ذلك الالتزام في وقته…
دعاني ذ. الراحل العربي المساري بعد خروجه مباشرة من الوزارة في لقاء ثنائي ليقول ذلك. وهو يقصد أن يخلي أمامي مسؤولية ما اتفقنا عليه في آخر لقاء لي به قبل تولي الوزارة وكنت آنذاك نائبا له ككاتب عام للنقابة .. ومسؤولية الالتزام الذي أعلنه رائد الشرفات أمام آخر اجتماع للمكتب الوطني للنقابة بحضوره…و هو لايعلم أنه بذلك إنما يثقل علي المسؤولية إزاء ما ستأتي به الأيام فيما بعد…

كان رائد الشرفات يطلق فراشاته في كل الاتجاهات دون كثير حسابات.. يهتم بالأفكار من أنى جاءت يراودها ، يغازلها ، يحاورها و قد يفندها إن اقتضت الضرورة؛إلا أنه قبل الختام يوجهها نحو ممر الاحترام الذي يليق بها…
يلون فراشاته بالألوان الجاذبة و الجذابة ، مع أنه أبدا لا يلعن ألوان فراشات الآخرين حتى و إن كانت فاقعة أو غير ساطعة …بل حتى إن كانت كسيحة …

كان فرشاة الفراشات يقود الاختلافات و الخلافات إلى محراب الود و الحوار و المودة. وفي غير قليل من الأحيان يقع أن يعارض رفيقه في الحزب لصالح محاور له بعيد عن فلكه السياسي أو أي فلك آخر.. إذ لم يكن العربي المساري من الذين يعلون أسوار الثكنات…

يرعى فرشاة الفراشات عدة اهتمامات ، و يجعلها جسورا للإبداع، للاستمرار، وللاحتفال بالحياة . لأنها لديه لائحة يومية من المهام …مهام ضرورة الكينونة الانسانية ….

فالحياة رشفات متتالية من العمل و العطاء و حسن البلاء…، كان رائد الشرفات وفرشاة الفراشات هو نفسه عبير الرشفات بإقباله و التزامه، يا ما أحرج منظمين، فهو لم يدرج النصف الساعة المغربية أو العربية الضائعة قبل أي لقاء …لم يدرجها ضمن نسق تفكيره … لأن ما يوجهه هو رشفات عبير الوقت التي ينبغي أن تتراكم بلا حدود … فالوقت هو الوقت ….و الالتزام هو الالتزام… ولولا ميزان الزمن الدقيق لديه لما رتق كل ما رتق،، و لما وثق كل ما وثق،، و لما راكم كل ما راكم ….

لم يفهم البعض إلى الآن … عدم تردد ذ.العربي المساري تلبية أي دعوة –تقريبا- للنقاش، للحوار، لأنه بالضبط عبير للرشفات و لاحياة و لا معنى للعبير إن لم يكن متقاسما مع الآخرين ، فالمعرفة لديه علم و كفاح …. و العلم و الكفاح و الثقافة هواء مشترك… وتداول غير مفبرك …

لم يتوان ذ. المساري عن المشاركة على -الأقل بحضوره- في أي لقاء لمنظمة حريات الإعلام و التعبير-حاتم،وحتى عندما تدهورت حالته الصحية ، و كان بعضنا يقول إشفاقا على وضعه لاداعي لإخباره؛ نجده ضمن أول الحضور …
و من ثمة كان كالعبير على سفر سفير … و لا يهتم بالطريق و لا بالمسافات، ما دام زاد المثابرة و التجديد و التضحية لديه زادُ وفير…

كان..ما زال الأستاذ و المفكر العربي المساري سامقا في تواضعه…. رائقا في جديته …. راقيا في احترامه لذاته .. ثريا في تفاعله مع الآخرين .

كان الإطار : حزبا أو نقابة أو سفارة أو لجنة أو وزارة مجرد أداة لديه.
هو مسار الصدق و صدق المسار… ستظل روحه ترفرف برقة على كل ساحات الكفاح التي ولجها… و ستستمر سيرته العطرة ينبوعا يسقي واحات الفكر و العطاء الذي ربى نخلها و نحلها..ونسيما يرعى شجرة المبادئ التي تربى عليها و رسخها … دائمة الإزهار والاخضرار…

كان و سيبقى العربي المساري رائد الشرفات … فرشاة للفراشات و عبيرا للرشفات … له أجل الرحمات .

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد