المسألة الوطنية والريع الحقوقي

عبدالله فردوس:مدير جريدة رسالة الأمة

شكل الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس أمام القمة المغربية الخليجية، منعطفا حاسما في مسار الخطاب السياسي العربي المعاصر، في ظل المرحلة الدقيقة والخطيرة التي تمر منها الأمة العربية، حيث أضحى من الضروري التعاطي مع الواقع العربي المتفكك بلغة واضحة وصادقة ودقيقة وجريئة من أجل تشخيص هذا الواقع ووضع اليد على مواطن العلل ومكامن الخلل، والعمل على معالجتها وإصلاحها بالتي هي أحسن.
فاللحظة التاريخية التي تعيشها الأمة العربية والأمة المغربية، كانت بحاجة إلى مثل هذا الخطاب لتحريك النفوس والعقول وحشد الهمم وتنوير البصائر بما يجري، ويحاك في الدهاليز الدولية المظلمة، وكان من الضروري دق ناقوس الخطر بخطاب قوي حكيم وشفاف يقدم تشخيصا دقيقا للظرفية الإقليمية والدولية، ويدعو إلى الوحدة العربية الإسلامية لمواجهة “قوى الفوضى”، وقطع الطريق على الأطماع التي تهدد المنطقة، وتهدف إلى تقسيمها إلى كيانات قزمية، ومن ثم لا مجال للتردد في التأكيد على أن قوة ومحتوى الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك أمام القمة المغربية الخليجية ينسجمان مع الدور القيادي والمكانة المتميزة لجلالة الملك، ولدفاعه القوي والمستميت عن قيم التعايش والتسامح والعيش المشترك، ولتفاعله التام مع ما حدث لعدد من الدول العربية الشقيقة من خراب ودمار، وما خلقه من مآسٍ إنسانية، الهدف من ورائه وضع اليد على خيرات الأمة، و ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز.
فقوة الخطاب جاءت من طبيعة المرحلة، بما تحمله من تحديات ورهانات ومخاطر على مستقبل الشعوب العربية، خاصة الشعب المغربي الذي يناضل بمختلف مكوناته وشرائحه وقواه من أجل الدفاع عن وحدته الترابية وسيادته الوطنية، وبناء مجتمع ديمقراطي حداثي متضامن وقوي وموحد.

إن السياق التاريخي الذي يوجد فيه المغرب كدولة لها وزنها الإقليمي والقاري والدولي، يفرض عليه اليوم الوقوف بكل حزم لمواجهة كل الدعوات المشبوهة الرامية إلى خلط الأوراق وخدمة أجندة خارجية باسم حقوق الإنسان أو التشدق بحقوق الشعوب، والتصدي لمناورات بعض الجهات التي عملت، ولا تزال تعمل على الخلط بين ما هو سياسي بما هو حقوقي، في نية مبيتة لممارسة الضغط والابتزاز والمساومة على قضايا مصيرية بالنسبة للشعب المغربي وعلى رأسها قضية وحدته الترابية، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان،علما أن المغرب، وبشهادة العديد من الدول الديمقراطية والتكتلات الجهوية والمؤسسات الدولية، أصبح يمثل نموذجا متميزا في بناء دولة المؤسسات والديمقراطية خاصة في مجال احترام حقوق الإنسان والتفاعل مع الآليات الدولية في مجال مراقبة حقوق الإنسان ومحاربة التعذيب والاعتقال التعسفي، وذلك على ضوء مقتضيات دستور2011، الذي نص على التعاطي الإيجابي مع المواثيق الحقوقية الكونية.
فلا مجال ولا حق لجهة تتحدث في مجال حقوق الإنسان، أن تمارس دور المعارضة السياسية تحت كنف حزب سياسي معروف بمواقفه المعادية للوحدة الترابية للمغرب، وتذهب بعيدا في تحويل حقوق الإنسان إلى “ماركة” تجارية يتم تسويقها على الصعيد الأوربي والدولي، وتُستجلب بها الأموال، لتصبح القضية الحقوقية بالنسبة لهذه الجهة، قضية ريع حقوقي لا يستفيد منه إلا أصحاب المواقع داخلها، كل ذلك بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب، في الوقت الذي تلعب فيه أدوارا مشبوهة وملتبسة تخدم مصالح قوى خارجية، جعلت من ورقة حقوق الإنسان سلاح دمار شامل تطلقه على كل دولة لا تريد الانصياع لأجندتها الاستعمارية الجديدة.

فالاستعمار يبقى دائما هو الاستعمار وإن اختلفت شعاراته ولغته وخطابه حسب الزمان والمكان، وما يتعرض له المغرب اليوم على يد بعض أبنائه، واعون بذلك أم غير واعين به، يدخل في نطاق مسلسل تاريخي طويل استهدف المغرب منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية، وبالتالي تقسيمه بين الدول الأوروبية، واستمر مخطط تقسيم المغرب مع معاهدة الحماية 1912، بين فرنسا وإسبانيا، والذي انتهى في آخر المطاف بضم فرنسا الصحراء الشرقية المغربية إلى الجزائر قبل انسحابها منها، نكاية بالمغرب وبالمغاربة، ورغبة في دق إسفين في خارطة المغرب، حيث استمر هذا المسلسل على يد النظام الجزائري الذي أظهر منذ عام 1963 عداوة صريحة لبلدنا واتخذ من شرذمة البوليساريو مطية لضرب وحدتنا الترابية استكمالا للمشروع الاستعماري القديم، عن طريق محاولة فصل الصحراء المغربية عن وطنها الأم والعمل من أجل خلق كيان مصطنع في المنطقة بهدف الهيمنة والتوسع وخدمة أجندة القوى الاستعمارية.
ومن ثم فإن من يزعمون الدفاع عن حقوق الإنسان من أبناء جلدتنا المغربية، إنما يرتكبون في حق بلدهم وحق أنفسهم والأجيال القادمة خطأ جسيما لن يغفره لهم التاريخ، وذلك بانحيازهم ضد بلدهم لحساب أطراف معادية تتآمر على المغرب، منذ عقود وبكل الوسائل والإمكانيات، وتحت شعارات مزيفة وغير حقيقية، غايتها المتاجرة بمستقبل أمة وشعب وأجيال، لأهداف مشبوهة، والتواطؤ ضد وطنهم تحت مزاعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن المغاربة بكل أطيافهم ومكوناتهم وشرائحهم على وعي تام بما يحاك ضد بلادهم من الداخل والخارج، وهم واعون تماما بأن المرحلة حاسمة، ولا يجوز السماح لأي جهة كانت التلاعب بوحدتهم الوطنية والترابية تحت أي مبرر أو ظرف، وباسم أي شعار أو عنوان، لأن اللحظة التي نعيشها جميعا لحظة مفصلية في تاريخنا، تتطلب الوحدة والتضامن والتماسك بين كل المغاربة مهما اختلفت مشاربهم واختياراتهم ومواقفهم من القضايا الداخلية، لأن السيادة الوطنية والوحدة الترابية خط أحمر لا يجب تجاوزه أو حتى التفكير في التفريط فيه، حتى لا نكون الهدف الموالي لصناع ما يسمى”الفوضى الخلاقة”، التي انتهت بتحويل بلدان عربية عديدة إلى خراب تحت مسمى”الشرق الأوسط الجديد”.
إن الهوية تصبح مفتقدة عند مثل هؤلاء خاصة عندما يكونون نشازا ويغردون خارج السرب(fausse note) ، ويأكلون الغلة ويسبون الملة.

فالهوية إذا انسلخت عن جلدتها الموسومة بالإخلاص للوطن ولقضاياه العادلة، يلفظها التاريخ كما يلفظ البحر الجيفة الميتة.
قال تعالى في كتابه العزيز:”.. وأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” صدق الله العظيم.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد