ترحما على الروح الطاهرة للشاعر محمد الخمار الكنوني: تنين حوض اللوكوس الذي لم ينبعث من رماده

أشرف لعروسي :  مدير موقع أصوات مهاجرة  كندا

لم يصدق تنبؤ الشاعر محمد الخمار الكنوني في انبعاث تنين حوض اللوكوس، ليضرب بجناحيه، ليستفيق من رقاده، ولم يعد هناك حارس للمدينة التي تضرب جدورها في تاريخ الحضارة بكل تجلياتها المعمارية والثقافية والسياسية والإجتماعية بل وحتى الصوفية الدينية . في كل مرة أروي نهمي بمقتطفات شعرية من ديوان الشاعر الكنوني ، يخال لي من خلال كل الإيحاءات الشعرية والصور النوستالجية التي أبدع فيها الشاعر، أن منطقة هسبريس كمفهوم مكاني رمزي مستوحاة من الأسطورة اليونانية ،تملصت من ثبابها كعروس حسناء افتض بكارتها الغرباء بكل وحشية في غفلة من حماتها. بين ما أبدع فيه الراحل الكنوني كأحد أبناء مدينة القصر الكبير المتأصلين تقديم لوحات تشكيلية بزخرفة لغوية متينة تنم عن ارتباط الشاعر بهذه المدينة ليرتقي بحسه المرهف لتصوير مشاهد بانورامية يمخيال يعلوه الألم والحسرة في إدراك استباقي لما سيحف بعاصمة هسبريس من تلف ودمار ليس نتيجة حرب مدمرة ،ولكن لما سيطبعها من إهمال وتهميش مع توالي السنين لتفتح أبواب المدينة على مصراعيها لبطش الغرباء بكل القيم الجمالية والإنسانية المنسابة من “باب الواد” للشريعة” التي بدأت تتفتت كما البناء القديم الذي يتساقط طلاءه. محاولتي المتكررة لاستيعاب ماوراء اللغة الشعرية بمفهومها السطحي عند العامة في قصائد فقيد مسقط رأسي المرحوم الكنوني ،تضعني في حيرة لا تنتهي بإنتشائي بالإنتماء ، انتماء لحاضرة كانت ملهمة للعديد من مثقفي أبناء المدينة ، بل تتجاوز حدود ذلك الى الإستغراب لطبيعة التحولات التي رسمت معالم المدينة التي كانت في وقت سابق من دوافع الإبداع ومعها نشأ شعر المدينة عند الخمار و محمد الخباز رحمة الله عليهما . على اختلاف أسلوبهما فالأول كان من رواد شعر التفعيلة ، تمرد على القوالب التقليدية النمطية في الكتابة الشعرية ليعلن من خلال قصائده ثورته عليها والثاني كان فقيها محافظا تمسك بنظام الشطرين وملتزما بما أجازه به السلف . لكن الشاعرين معا جمعتهما مضامين مترنحة بين مفاهيم الحياة ،الموت، الغربة،الألم ، الحب ، الجمال….. واحتضنهما “بيريس كالدوس “.كفضاء فياض بالعلم والعلماء والصوفية . لست بصدد القيام ببحث أكاديمي حول تجليات مفهوم المدينة من خلال متون الشاعر الخمار الكنوني ولا تحليل بعض ماجاء في ديوان الشاعر، لكن كقارئ متذوق لما جادت به قريحة المرحوم استوقفتني جمالية الصور التي طغت من خلال الإيحاءات اللغوية ،التي تدقق في ملامح مدينة القصر الكبير في سنوات السبعينيات وأوائل الثمانينات من خلال وصف شخصياتها و مساجدها وأهاليها قبل أن تفقد حسها الجمالي والعمراني . بفقداننا لشعراء أفذاذ أمثال الكنوني بمدينة القصر الكبير ستظل منطقة هسبريس في انتظار انبعاث التنين كانبعاث العنقاء من الرماد . ونمني النفس أن يحرس المنطقة من قطاع الطرق المارقين من حوض اللوكوس في اتجاه ليكسوس . فارقد ايها التنين كما رقد الخمار في متواه الأخير فللقصر الكبير أولياء صالحين يدعون لإصلاح ما أفسده السياسيون

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد