التبركيك في الثقافة المغربية: من تصريف الغضب إلى المراقبة الاجتماعية
ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
يصعب فهم التبركيك (gossip) في المجتمع المغربي إذا اختُزل في الفضول أو في الحكم الأخلاقي الذي تحمله كلمة “النميمة”. فالتبركيك، وهي كلمة من الدارجة المغربية تُستعمل للدلالة على تداول أخبار الآخرين والحديث عن تفاصيل حياتهم في غيابهم، يمكن النظر إليه هنا بوصفه تداولاً اجتماعياً غير رسمي لأخبار الآخرين وحياتهم الخاصة. إنه حديث عن الغائبين، لكنه أيضاً طريقة لإدارة العلاقات الاجتماعية، وتصريف الانفعالات، وجمع المعلومات، ومراقبة المحيط الاجتماعي. بهذا المعنى، لا يعد التبركيك مجرد فائض من الكلام، بل يؤدي وظائف اجتماعية متعددة قد تكون متناقضة أحياناً. فهو قد يحافظ على العلاقة كما قد يفسدها، وقد ينقل معلومة نافعة كما قد ينتج تشهيراً، وقد يربط الفرد بجماعته كما قد يحوله إلى موضوع دائم للمراقبة.
ويكتسب التبركيك في السياق المغربي دلالة خاصة بسبب حضوره داخل ثقافة دينية تضع قيوداً أخلاقية واضحة على الكلام في الآخرين. فالمخيال الديني يحمّل مفاهيم مثل الغيبة والنميمة معنى قدحياً قوياً، غير أن الاستعمال اليومي لا يطابق دائماً هذه التصنيفات الفقهية. ففي التداول الشعبي قد تُفهم “النميمة” بوصفها فعلاً مقصوداً يراد به الإفساد بين الناس أو نقل الكلام لإشعال الخصومة، بينما لا يُنظر بالضرورة إلى كل حديث عن حياة الآخرين باعتباره نميمة بالمعنى نفسه. وهنا تنشأ مساحة رمادية تسمح للفرد بأن يدين “النميمة” أخلاقياً، وأن يحافظ في الوقت نفسه على ممارسات يومية من التبركيك تُقدَّم تحت أسماء أخرى، مثل “الهضرة”، أو”الحْتيت”، أو مجرد تبادل للمعلومات. وبهذا المعنى، لا يعني استمرار التبركيك غياب الوعي بالمحظور الديني، بل قد يكشف عن عملية تصنيف ثقافي تفصل بين ما يعتبره الفرد نميمة محرمة وبين ما يراه حديثاً اجتماعياً عادياً، بما يسمح له بالتوفيق بين صورته عن نفسه بوصفه ملتزماً بالقيم الدينية وبين مشاركته في شبكات الكلام اليومية.
ومن منظور أنثروبولوجي، لا يُنظر إلى التبركيك بوصفه كلاماً هامشياً أو عديم الوظيفة. فقد اعتبر ماكس غلوكمان (Max Gluckman) أن الحديث عن الآخرين والفضائح الاجتماعية يؤدي دوراً في تثبيت قيم الجماعة وحدودها الأخلاقية، لأن الناس حين يتحدثون عن سلوك شخص ما لا ينقلون خبراً فقط، بل يعيدون بصورة ضمنية تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض داخل الجماعة. ولذلك يمكن أن يصبح التبركيك آلية غير رسمية للضبط الاجتماعي، إذ تُنتج من خلاله السمعة، ويُكافأ الامتثال، ويُعاقب الانحراف رمزياً حتى من دون تدخل مؤسسة رسمية. ومن هذه الزاوية، لا يكون السؤال هو فقط: لماذا يتحدث الناس عن بعضهم؟ بل أيضاً: ما القواعد والقيم التي يعيد هذا الحديث تثبيتها داخل المجتمع؟
التبركيك بوصفه تصريفاً للغضب
تظهر إحدى أهم وظائف التبركيك عندما يصبح بديلاً عن المواجهة المباشرة. ففي كثير من العلاقات العائلية والمهنية والجوارية، قد يكون التصريح بالغضب أو النقد للآخر مكلفاً اجتماعياً. تهدد المواجهة الصريحة علاقات القرابة، أو الجيرة، أو علاقة العمل، أو ما يسمى في التداول اليومي بماء الوجه. لذلك قد يختار الشخص ألا يقول للمسيء مباشرة ما يفكر فيه، بل ينقل غضبه إلى طرف ثالث. يحكي ما وقع، ويعيد تفسيره، ويعبر عن استيائه، ويبحث أحياناً عن التضامن أو التعاطف. وهنا يؤدي التبركيك وظيفة شبيهة بصمام التنفيس: يُفرغ الغضب من دون تفجير العلاقة الأصلية. وقد يبقى شخصان متبادلان للتحية والابتسام والزيارة، بينما تدور خلف هذه الواجهة شبكة كاملة من الشكاوى والتعليقات والانتقادات المتبادلة. ومن هذه الزاوية، يساعد التبركيك أحياناً على حفظ شكل العلاقة ولو بقي التوتر كامناً داخلها. إنه لا يحل الصراع بالضرورة، لكنه يسمح بتأجيل المواجهة أو الالتفاف عليها.
غير أن التبركيك لا يخدم الجماعة فقط؛ فقد يكون أيضاً أداة استراتيجية في يد الفرد. وهذا ما شدد عليه روبرت باين (Robert Paine) عندما وصفه باعتباره شكلاً من أشكال التواصل غير الرسمي و”إدارة المعلومات”، يستخدمه الأفراد لحماية مصالحهم وتقديم أنفسهم ومهاجمة خصومهم حين تكون المواجهة المباشرة مكلفة أو محفوفة بالمخاطر. وهنا يصبح الكلام من وراء الظهر بديلاً عن المواجهة: يستطيع الفرد أن يعاقب خصمه من خلال النيل من سمعته دون أن يقطع العلاقة معه علناً. وقد لاحظت الأدبيات نفسها أن الخلافات يمكن أن تُدار بهذه الطريقة بحيث يحافظ المتخاصمون خارجياً على مظهر الود والانسجام، بينما يستمر الصراع في الخلفية من خلال تداول الكلام والتقييمات السلبية. ومن هنا يمكن فهم التبركيك في بعض العلاقات المغربية بوصفه في الوقت نفسه تنفيساً للغضب، وانتقاماً رمزياً، وآلية للحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة الاجتماعية.
ولا يقتصر التبركيك، في بعض السياقات النسائية، على تبادل الأخبار أو التنفيس عن الغضب، بل يمكن أن يتحول إلى مورد للقوة لدى من تكون قدرتهن على المواجهة المباشرة محدودة. وتساعد ملاحظات ديبورا جونز (Deborah Jones) حول الثقافة الشفهية النسائية على فهم هذا البعد؛ فهي تربط هذا النوع من الكلام بقيود الدور الاجتماعي للمرأة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ما يوفره من اعتراف متبادل، وتضامن، وشبكة غير رسمية لتبادل المعرفة والخبرة. ومن داخل هذه الشبكة تستطيع المرأة أن تناور اجتماعياً، وأن تبني تحالفات، وأن تعيد تأويل واقعة ما لصالحها، وأن تدافع عن نفسها أو تنتقم رمزياً ممن أساء إليها حين تكون المواجهة المباشرة أكثر كلفة. فالكلام هنا لا يكون مجرد تعبير عن العجز، بل قد يصبح شكلاً من أشكال القوة اليومية المُنَمْنَمة: قوة قائمة على التحكم في المعلومة، وفي السمعة، وفي الطريقة التي تُروى بها الحكاية داخل الجماعة. غير أن هذه القوة تظل ملتبسة؛ فهي قد تمنح المرأة هامشاً للمقاومة، لكنها قد تُستخدم أيضاً لإعادة إنتاج الرقابة الأخلاقية نفسها على نساء أخريات.
حين يتحول التبركيك إلى انتقام رمزي
غير أن تصريف الغضب لا يظل دائماً مجرد تنفيس؛ فعندما يشعر الفرد بأنه تعرض للإهانة أو الاستفزاز أو الظلم، لكنه لا يستطيع أو لا يريد الرد مباشرة، قد يلجأ إلى التبركيك بوصفه شكلا من أشكال الانتقام غير المباشر. وبدل أن يواجه الشخص خصمه، يهاجم صورته الاجتماعية. هنا يصبح الكلام نفسه أداة للعقاب: التشكيك في الأخلاق، أو السلوك، أو المال، أو الزواج، أو العلاقات، أو الكفاءة المهنية. وهكذا ينتقل الصراع من المواجهة المباشرة إلى الصراع حول السمعة. وهذا مهم في مجتمع تظل فيه السمعة مورداً اجتماعياً أساسياً. فقد لا يستطيع الفرد إلحاق ضرر مادي بخصمه، لكنه يستطيع الإضرار برأسماله الرمزي من خلال ما يقوله عنه للآخرين. بهذا المعنى، قد يصبح التبركيك نوعاً من العدوان المؤجل: لا أواجهك، لكنني أعاقبك داخل المجال الاجتماعي الذي ننتمي إليه معاً. ومن هنا يمكن فهم لماذا تظل بعض الخصومات طويلة العمر رغم استمرار العلاقات في ظاهرها بصورة عادية. لم تقع المواجهة، ولذلك لم يُحسم النزاع؛ لكنه يستمر في شكل تداول متكرر للروايات والشكاوى والتوصيفات السلبية.
من النافذة إلى الكاميرا: تحولات المراقبة الاجتماعية في الحي
وتأخذ الظاهرة بعداً أكثر إثارة عندما ننتقل إلى الحي المغربي التقليدي، وخاصة إلى الدور الذي كانت تؤديه بعض ربات البيوت في مراقبة المجال الخارجي. فالمرأة التي كانت تقضي جزءاً كبيراً من يومها داخل البيت لم تكن بالضرورة معزولة عن الحي. كانت النافذة، والشقوق التي تفتح البيت على الخارج، والشرفة، والسطح، والباب وعتبته نقاط اتصال بينها وبين العالم الخارجي. ومن هذه “الثغور”، كان يمكن مراقبة حركة الحي: من دخل؟ ومن خرج؟ ومن زار من؟ ومن عاد متأخراً؟ ومن اشترى شيئاً جديداً؟ ومن تشاجر؟ ومن سافر؟ ومن تغيبت زوجته؟ ومن جاءه ضيف غير مألوف؟ وقد تبدو هذه التفاصيل تافهة منفردة، لكنها حين تتراكم تنتج معرفة دقيقة بالحياة الاجتماعية للمكان. وهنا ينبغي تجنب الصورة النمطية التي تجعل الأمر مجرد “فضول نسائي”. فالمسألة مرتبطة أيضاً بتاريخ تقسيم المجال بين الداخل والخارج. ففي الفترات التي كانت فيها حركة كثير من النساء خارج البيت أكثر محدودية، أتاحت لهن مراقبة الحي من النوافذ والأسطح نوعاً من الحضور الاجتماعي من داخل الفضاء المنزلي. كانت النافذة، بهذا المعنى، ليست فقط وسيلة لرؤية الخارج، بل وسيلة للمشاركة فيه.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت الكاميرات المثبتة أمام المنازل والمحلات باعتبارها امتداداً تقنياً جديداً لوظيفة النافذة. فهي تُركَّب أساساً لأغراض الحماية والأمن، لكنها تمنح صاحبها في الوقت نفسه قدرة مستمرة على مراقبة حركة الشارع والجيران والزوار: من دخل، ومن خرج، وفي أي وقت، ومن توقف أمام البيت، ومن مرّ أكثر من مرة. وهكذا تتحول الكاميرا، في بعض الحالات، من أداة أمنية محضة إلى عين اجتماعية دائمة، تستبدل المراقبة المتقطعة من النافذة بمراقبة مسجلة وقابلة للاسترجاع. وإذا كانت النافذة القديمة تسمح بالمشاهدة اللحظية، فإن الكاميرا تنتج أرشيفاً بصرياً للحياة اليومية في الحي، يمكن أن يغذي بدوره الحديث والتأويل والتبركيك. بهذا المعنى، لا تختفي المراقبة الأفقية بين الجيران مع التحديث، بل تعيد تشكيل نفسها تقنياً: من عين بشرية خلف الستار إلى عدسة رقمية مثبتة على الواجهة. ولم تعد هذه “العين الاجتماعية” مرتبطة بالنساء كما في صورة النافذة التقليدية، بل أصبحت الكاميرا أداة مراقبة يشترك في استخدامها الرجال والنساء على السواء، بما يجعل المراقبة الاجتماعية أكثر اتساعاً وأقل ارتباطاً بتقسيم الأدوار الجندرية.
وفي بعض الأحياء، تزداد هذه الوظيفة حدة حين يصبح أحد الجيران موضوعاً دائماً للفضول الاجتماعي، سواء بسبب كونه أعزب، أو معروفاً بتعدد علاقاته العاطفية، أو معتاداً على السهر واستقبال الأصدقاء. عندئذ لا تعود الكاميرا، بالنسبة إلى بعض المحيطين به، مجرد وسيلة لحماية المنزل، بل قد تتحول إلى أداة لمتابعة تفاصيل حياته اليومية: من يزوره، وفي أي وقت، ومتى يعود إلى البيت، ومن يغادر عند الفجر. وهنا تنتقل النافذة التقليدية إلى صيغة تقنية أكثر دقة واستمرارية، ويصبح التبركيك مدعوماً بالصورة والتسجيل، لا بالملاحظة العابرة فقط. ولا يعني ذلك أن كل استعمال منزلي للكاميرات يأخذ هذا الطابع، وإنما أن التكنولوجيا قد تمنح المراقبة الاجتماعية القديمة أدوات جديدة وأكثر قدرة على التوثيق والاسترجاع.
وكان الحمام الشعبي، تاريخياً، من أهم الفضاءات النسائية لتبادل الأخبار والمعلومات، خصوصاً بالنسبة إلى ربات البيوت اللواتي كان حضورهن في المجال العام أكثر محدودية. فالحمام لم يكن مكاناً للنظافة فقط، بل فضاءً اجتماعياً تُتبادل فيه أخبار الزواج والطلاق والمرض والحمل والمشكلات العائلية وأحوال الجيران، وتُبنى فيه أيضاً الانطباعات والسمعة. ومن خلال هذا التفاعل المنتظم، كانت المرأة تخرج من المجال المنزلي إلى شبكة أوسع من المعرفة الاجتماعية، فتتلقى أخبار الحي والعائلات وتعيد نقلها بدورها. وهكذا أدى الحمام وظيفة تواصلية تتجاوز الجسد والنظافة إلى إنتاج نوع من “المجال العام النسائي” غير الرسمي، تُتداول داخله المعلومات والتقييمات والعلاقات.
وتساعد دراسات الثقافة الشفهية النسائية على فهم لماذا ارتبط تداول الأخبار تاريخياً ببعض الفضاءات النسائية. فقد عرّفت ديبورا جونز التبركيك بوصفه شكلاً حميمياً من الحديث يرتبط بالتجربة الشخصية والمنزلية، ونبهت إلى أن القيود التي كانت تحيط بأدوار النساء لم تمنع التواصل، بل ساهمت في إنتاج شبكات كلامية خاصة بهن. وتتحول هذه الشبكات إلى مجال لتبادل المعرفة والخبرة، وتقديم الدعم العاطفي، ومقارنة التجارب، وبناء تصور مشترك عن العالم. وقسّمت جونز هذا الكلام إلى وظائف مختلفة، منها الحديث المنزلي، والفضيحة، والشكوى، والدردشة الحميمية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة النافذة والحمام في السياق المغربي القديم لا بوصفهما فضاءين للفضول فقط، بل بوصفهما جزءاً من بنية تواصلية كانت تسمح لربات البيوت، في ظل محدودية الحركة خارج المنزل، بالاتصال بالعالم الاجتماعي وتبادل المعرفة بشأنه.
وتذهب جونز أبعد من ذلك حين تميز ما تسميه bitching ، أي الشكوى التي يُعبَّر فيها عن الغضب داخل دائرة خاصة، وترى فيها وظيفة تطهيرية أو تنفيسية بالأساس: فالمتكلمات لا يتوقعن بالضرورة تغيير الواقع، بقدر ما يبحثن عن فضاء يُفهم فيه غضبهن ويُعترف به. وهذا يلتقي مع فكرة التبركيك بوصفه “صماماً اجتماعياً”؛ فالحديث لا يزيل سبب التوتر، لكنه يسمح بتصريف الانفعال وإيجاد الاعتراف والتعاطف لدى الآخرين.
ولا يعني التركيز هنا على النساء أن التبركيك ممارسة نسائية خالصة؛ فالرجال يمارسونه بدورهم في المقاهي، وأماكن العمل، والفضاءات السياسية. غير أن حضوره يبدو أكثر كثافة ووضوحاً داخل بعض أشكال الثقافة الشفهية النسائية، خصوصاً في السياقات التي كان فيها المجال المنزلي أكثر التصاقاً بحياة المرأة، وكانت شبكات تبادل الأخبار والتجارب إحدى وسائلها الأساسية للاتصال بالعالم الاجتماعي. لذلك يأتي التركيز على النساء هنا، لأن التبركيك يشكِّل أحد المجالات التي اكتسبت فيها الثقافة الشفهية النسائية مهارة وكثافة، لا باعتباره حكراً عليهن.
وفي مقابل الحمام بوصفه فضاءً تقليدياً لتداول الأخبار بين النساء، يؤدي المقهى وظيفة مشابهة داخل العالم الرجالي. فالمقهى المغربي ليس مجرد مكان لاستهلاك القهوة أو قضاء الوقت، بل فضاء يومي لتبادل الأخبار المحلية، والسياسية، والمهنية، والشخصية. فيه تُناقش أحوال الحي، والوظائف، والصفقات، والهجرة، والرياضة، والسياسة، كما تنتقل أخبار الأشخاص والعائلات والمؤسسات. وإذا كان التبركيك يُختزل أحياناً في صورة نمطية مرتبطة بالنساء، فإن المقهى يكشف أن الرجال يشاركون بدورهم بكثافة في تداول أخبار الآخرين، وإن اختلفت الموضوعات واللغة والفضاء. فالتبركيك هنا لا يختفي، بل يتخذ صيغة ذكورية أكثر قبولاً اجتماعياً تحت أسماء مثل “النقاش”، و”خْبيِّرات”، و”معرفة شنو واقع”.
من نافذة الحي إلى شاشة الهاتف
ما تغير اليوم ليس وظيفة التبركيك بقدر ما تغيرت بنيته التكنولوجية. فالمرأة التي كانت تحتاج إلى النافذة لكي تعرف ما يجري في الحي، أصبحت تحمل في يدها شاشة تصلها بالعائلة، والحي، والمدينة، والعالم. وانتقلت الجلسة التقليدية من الباب، أو السطح، أو الحمام، أو الزيارة المنزلية إلى واتساب، وفيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك. أصبحت الصورة تصل قبل الرواية، والتسجيل الصوتي يسبق الزيارة، ولقطة الشاشة تجعل الكلام قابلاً للحفظ وإعادة التوزيع. وهكذا انتقل التبركيك من فضاء محدود إلى شبكة قابلة للتوسع بلا حدود تقريباً. في الماضي كان الخبر قد يبقى محصوراً بين عشر نساء أو عشر أسر في الحي. أما اليوم فقد ينتقل خلال دقائق إلى مئات الأشخاص، وربما إلى جمهور لا يعرف أصلاً الشخص موضوع الحديث. لقد تحول التبركيك من ثقافة شفهية عابرة إلى أرشيف رقمي قابل للتخزين والاسترجاع وإعادة النشر. وهذا التحول غيّر قوته الاجتماعية. فالخبر لم يعد يختفي بعد انتهاء الجلسة؛ يمكن أن يبقى في رسالة، أو تسجيل، أو صورة، أو لقطة شاشة، أي أن الذاكرة الاجتماعية أصبحت أكثر دواماً.
التبركيك السياسي
ولا يقتصر التبركيك على أخبار الجيران والعلاقات الخاصة، بل يمتد أيضاً إلى المجال السياسي. ففي جزء من التداول السياسي اليومي، لا تُناقش السياسة دائماً من خلال نقد البرامج والقرارات أو التحقق من المعطيات والمصادر، بل عبر تداول أخبار وروايات عن الوزراء والمسؤولين والأحزاب ومراكز النفوذ: من التقى بمن، ومن سيُعفى، ومن يملك ماذا، وما الذي قيل في اجتماع مغلق، وما القرار الذي “سيصدر قريباً”. ولا تكمن قوة هذه الأخبار بالضرورة في صحتها، بل في سرعة تداولها وفي قدرة كل شخص على إضافة جزء جديد إلى الرواية. ومع المنصات الرقمية، يمكن لهذا التبركيك السياسي أن ينتقل سريعاً من مجالس محدودة إلى جمهور واسع، بحيث تتحول الإشاعة أو المعلومة غير المتحقَّق منها إلى موضوع للنقاش والتعبئة وربما الغضب الجماعي. وفي ظروف التوتر الاجتماعي، قد يسهم هذا التداول المتراكم في إشعال النقاش على المنصات، بل وفي بعض الحالات في توفير مناخ تعبوي يسبق الاحتجاج أو الهبّة الاجتماعية؛ لا لأن التبركيك يخلق الاحتجاج من العدم، وإنما لأنه قد يسرّع تداول المظالم والتأويلات والمشاعر بين أفراد لا يرتبطون بالضرورة بتنظيم سياسي واحد.
المجتمع الذي يراقب نفسه
تكشف هذه الظاهرة عن فكرة أوسع: يراقب المجتمع نفسه بنفسه. فالمراقبة ليست دائماً عمودية تمارسها الدولة على المواطنين. هناك أيضاً مراقبة أفقية يمارسها الأفراد بعضهم على بعض. يعرف الجيران تحركات بعضهم، ويعرف الأقارب تفاصيل الأسر، ويعرف زملاء العمل قصص المؤسسة، ويعرف التجار من يشتري ماذا، ويعرف الحراس من يدخل العمارات ويخرج منها، وسائقو سيارات الأجرة يسمعون يومياً كماً هائلاً من التفاصيل، وتنتج المقاهي بدورها معرفة سياسية واجتماعية واسعة. إنها شبكة ضخمة من المعلومات والمواقف والتمثلات. ولهذا يمكن القول إن المجتمع المغربي ينتج باستمرار معلومات مجانية عن نفسه. هذه المعلومات لا تُجمع داخل قاعدة بيانات واحدة، لكنها موزعة بين آلاف الأشخاص. وقد يكفي طرح السؤال في المكان الصحيح حتى تبدأ سلسلة من الأجوبة: هذا يعرف أخاه، وذاك يعرف جاره، وثالث يعرف أين يعمل، ورابع يعرف سيارته، وخامس سمع عن سفره. إنها معرفة اجتماعية موزعة.
لكن قوة التبركيك لا تكون متساوية في كل البيئات. وتبين سالي إنغل ميري (Sally Engle Merry) أن أثره يزداد داخل الشبكات الاجتماعية الكثيفة، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً ويتقاسمون إلى حد كبير المعايير نفسها. فالتبركيك يحتاج، لكي يكون فعالاً، إلى معرفة مشتركة بالأشخاص وإلى جمهور يفهم دلالة المعلومة ويتشارك المعايير التي تسمح بالحكم عليها. ولهذا يكون أقوى في الأحياء والجماعات المتماسكة منه في البيئات شديدة التفكك. كما أن قوته لا تأتي من الكلام وحده، بل من ارتباط السمعة بعواقب اجتماعية واقتصادية حقيقية. فالناس يخافون من “كلام الناس” عندما يكون هؤلاء الناس قادرين أيضاً على التأثير في الزواج، أو العمل، أو العلاقات، أو المكانة الاجتماعية.
التبركيك بوصفه استخباراً اجتماعياً جماعياً
ومن هنا يمكن فهم جانب آخر من العلاقة بين التبركيك والأمن. فكفاءة الشرطة لا يمكن تفسيرها بطبيعة الحال بالتبركيك، ولا يصح اختزال العمل الأمني المهني والتقني في هذه الظاهرة الثقافية. لكن المجتمعات ذات الشبكات الاجتماعية الكثيفة توفر للسلطات، كما توفر للأفراد أنفسهم، بيئة غنية بالمعلومات غير الرسمية. فالشرطي أو المحقق لا يعمل دائماً في فراغ اجتماعي. هناك حارس العمارة، وصاحب المقهى، والبقال، والجيران، وأقارب المشتبه فيه، وسائق السيارة، وأشخاص يعرفون تحركاته اليومية. وبالتالي فإن جزءاً من القوة المعلوماتية لأي جهاز أمني لا يأتي فقط من التكنولوجيا أو الملفات الرسمية، بل أيضاً من قدرة المجتمع على إنتاج المعلومات وتداولها. وقد تساعد الكثافة العالية للمعلومات الاجتماعية المتداولة داخل الأحياء والشبكات المحلية على جعل التحقيق في بعض الحالات أسرع، لأن الناس أنفسهم ينتجون بصورة يومية معرفة تفصيلية عن محيطهم. وإذا كان النجاح الأمني يرتبط دائما بالتكوين، والتنظيم، والخبرة، والتعاون الدولي، والتكنولوجيا، فإن الثقافة الاجتماعية القائمة على الملاحظة وتداول الأخبار توفر بدورها خلفية معلوماتية لا ينبغي تجاهلها.
ويكشف هذا أيضاً أن الحدود بين الضبط الاجتماعي غير الرسمي والمؤسسات الرسمية ليست دائماً حادة. فميري تبين أن المعلومات المتداولة بصورة غير رسمية قد تنتقل أحياناً إلى مؤسسات رسمية، فتكتسب عندئذ قوة أكبر من مجرد الكلام. فالحديث عن شخص أو سلوكه قد يتحول إلى معلومة تصل إلى إدارة أو شرطة أو جهة رسمية، وبذلك تصبح الشبكة الاجتماعية مصدراً غير رسمي للمعلومات. ومن هذا المنظور يمكن فهم كيف يمكن لكثافة المعرفة المحلية داخل بعض الأحياء المغربية أن تسهّل أحياناً عمل الأجهزة الأمنية: ليس لأن التبركيك يفسر نجاح الشرطة، بل لأن المجتمع نفسه ينتج باستمرار معلومات حول الأشخاص والحركة والعلاقات والسمعة، ويمكن لبعض هذه المعلومات أن تنتقل من المجال غير الرسمي إلى المجال المؤسساتي. وعند هذه النقطة يصبح من الممكن النظر إلى التبركيك بوصفه شيئاً أكبر من عادة لغوية.
إنه يؤدي بعض وظائف المؤسسة من دون أن يكون مؤسسة رسمية. ينقل المعلومات، ويصنف الأشخاص، ويحمي سمعتهم أحياناً ويدمرها أحياناً أخرى، ويعاقب الانحراف، ويكافئ الامتثال، ويفرغ الغضب، ويبني التحالفات، ويحدد من يثق بمن. ومن خلاله يتعلم الفرد أن حياته ليست ملكاً له وحده، لأن أفعاله ستدخل دائماً في مجال التأويل الجماعي. وهنا تظهر العبارة المغربية المعروفة: “شنو غادي يقولوا الناس علينا؟” فهذه الجملة ليست مجرد خوف من الكلام. إنها تعبير عن وجود جمهور دائم يراقب ويقيّم ويتحدث. وقد لا يحتاج هذا الجمهور إلى أن يكون حاضراً فعلاً؛ يكفي أن يتخيله الفرد حتى يغير سلوكه. لذلك فإن التبركيك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمنظومة من الضوابط الاجتماعية الخارجية، مثل الحفاظ على الواجهة والسمعة، و”الحشومة”، والخوف من حديث الناس، وهي ضوابط تدفع الفرد إلى مراقبة سلوكه انطلاقاً من توقع نظرة الآخرين وحكمهم عليه.
لقد انتقلت عين الجارة من النافذة إلى شاشة الهاتف. لكن المنطق الثقافي لم يختف تماماً: مراقبة الآخر، وتفسير سلوكه، والتعليق عليه، ثم تمرير المعلومة إلى شخص ثالث. ما تغير هو السرعة والنطاق وقوة الأثر. ومن خلال تراكم هذه السلوكيات المتبادلة، يتشكل ما يشبه “بانوبتيكوناً اجتماعياً” لا يحتاج إلى مراقب مركزي؛ فالجميع يراقب الجميع، وكل فرد يعرف أنه قد يكون بدوره موضوعاً للملاحظة والحديث والتقييم. ولهذا فإن دراسة التبركيك في المغرب ليست دراسة لعادة كلامية هامشية، بل مدخل لفهم كيفية اشتغال المجتمع نفسه: كيف يدير الصراع، وكيف يحافظ على العلاقات، وكيف يعاقب من يخرج عن الأعراف، وكيف يصنع السمعة، وكيف ينتج المعرفة عن أفراده. فالتبركيك، في النهاية، هو اقتصاد اجتماعي للمعلومة: ينتج الناس الأخبار عن بعضهم مجاناً، ويتداولونها باستمرار، ويحولونها إلى وسيلة للترابط والمراقبة والتنفيس والانتقام في آن واحد. وربما تكمن مفارقته الكبرى هنا: نحن “نبركك” على الآخرين لأننا قريبون منهم، لكننا نستخدم التبركيك أيضاً لكي نحافظ على المسافة التي تمنعنا من مواجهتهم مباشرة.
ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
التبركيك في الثقافة المغربية: من تصريف الغضب إلى المراقبة الاجتماعية
يصعب فهم التبركيك (gossip) في المجتمع المغربي إذا اختُزل في الفضول أو في الحكم الأخلاقي الذي تحمله كلمة “النميمة”. فالتبركيك، وهي كلمة من الدارجة المغربية تُستعمل للدلالة على تداول أخبار الآخرين والحديث عن تفاصيل حياتهم في غيابهم، يمكن النظر إليه هنا بوصفه تداولاً اجتماعياً غير رسمي لأخبار الآخرين وحياتهم الخاصة. إنه حديث عن الغائبين، لكنه أيضاً طريقة لإدارة العلاقات الاجتماعية، وتصريف الانفعالات، وجمع المعلومات، ومراقبة المحيط الاجتماعي. بهذا المعنى، لا يعد التبركيك مجرد فائض من الكلام، بل يؤدي وظائف اجتماعية متعددة قد تكون متناقضة أحياناً. فهو قد يحافظ على العلاقة كما قد يفسدها، وقد ينقل معلومة نافعة كما قد ينتج تشهيراً، وقد يربط الفرد بجماعته كما قد يحوله إلى موضوع دائم للمراقبة.
ويكتسب التبركيك في السياق المغربي دلالة خاصة بسبب حضوره داخل ثقافة دينية تضع قيوداً أخلاقية واضحة على الكلام في الآخرين. فالمخيال الديني يحمّل مفاهيم مثل الغيبة والنميمة معنى قدحياً قوياً، غير أن الاستعمال اليومي لا يطابق دائماً هذه التصنيفات الفقهية. ففي التداول الشعبي قد تُفهم “النميمة” بوصفها فعلاً مقصوداً يراد به الإفساد بين الناس أو نقل الكلام لإشعال الخصومة، بينما لا يُنظر بالضرورة إلى كل حديث عن حياة الآخرين باعتباره نميمة بالمعنى نفسه. وهنا تنشأ مساحة رمادية تسمح للفرد بأن يدين “النميمة” أخلاقياً، وأن يحافظ في الوقت نفسه على ممارسات يومية من التبركيك تُقدَّم تحت أسماء أخرى، مثل “الهضرة”، أو”الحْتيت”، أو مجرد تبادل للمعلومات. وبهذا المعنى، لا يعني استمرار التبركيك غياب الوعي بالمحظور الديني، بل قد يكشف عن عملية تصنيف ثقافي تفصل بين ما يعتبره الفرد نميمة محرمة وبين ما يراه حديثاً اجتماعياً عادياً، بما يسمح له بالتوفيق بين صورته عن نفسه بوصفه ملتزماً بالقيم الدينية وبين مشاركته في شبكات الكلام اليومية.
ومن منظور أنثروبولوجي، لا يُنظر إلى التبركيك بوصفه كلاماً هامشياً أو عديم الوظيفة. فقد اعتبر ماكس غلوكمان (Max Gluckman) أن الحديث عن الآخرين والفضائح الاجتماعية يؤدي دوراً في تثبيت قيم الجماعة وحدودها الأخلاقية، لأن الناس حين يتحدثون عن سلوك شخص ما لا ينقلون خبراً فقط، بل يعيدون بصورة ضمنية تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض داخل الجماعة. ولذلك يمكن أن يصبح التبركيك آلية غير رسمية للضبط الاجتماعي، إذ تُنتج من خلاله السمعة، ويُكافأ الامتثال، ويُعاقب الانحراف رمزياً حتى من دون تدخل مؤسسة رسمية. ومن هذه الزاوية، لا يكون السؤال هو فقط: لماذا يتحدث الناس عن بعضهم؟ بل أيضاً: ما القواعد والقيم التي يعيد هذا الحديث تثبيتها داخل المجتمع؟
التبركيك بوصفه تصريفاً للغضب
تظهر إحدى أهم وظائف التبركيك عندما يصبح بديلاً عن المواجهة المباشرة. ففي كثير من العلاقات العائلية والمهنية والجوارية، قد يكون التصريح بالغضب أو النقد للآخر مكلفاً اجتماعياً. تهدد المواجهة الصريحة علاقات القرابة، أو الجيرة، أو علاقة العمل، أو ما يسمى في التداول اليومي بماء الوجه. لذلك قد يختار الشخص ألا يقول للمسيء مباشرة ما يفكر فيه، بل ينقل غضبه إلى طرف ثالث. يحكي ما وقع، ويعيد تفسيره، ويعبر عن استيائه، ويبحث أحياناً عن التضامن أو التعاطف. وهنا يؤدي التبركيك وظيفة شبيهة بصمام التنفيس: يُفرغ الغضب من دون تفجير العلاقة الأصلية. وقد يبقى شخصان متبادلان للتحية والابتسام والزيارة، بينما تدور خلف هذه الواجهة شبكة كاملة من الشكاوى والتعليقات والانتقادات المتبادلة. ومن هذه الزاوية، يساعد التبركيك أحياناً على حفظ شكل العلاقة ولو بقي التوتر كامناً داخلها. إنه لا يحل الصراع بالضرورة، لكنه يسمح بتأجيل المواجهة أو الالتفاف عليها.
غير أن التبركيك لا يخدم الجماعة فقط؛ فقد يكون أيضاً أداة استراتيجية في يد الفرد. وهذا ما شدد عليه روبرت باين (Robert Paine) عندما وصفه باعتباره شكلاً من أشكال التواصل غير الرسمي و”إدارة المعلومات”، يستخدمه الأفراد لحماية مصالحهم وتقديم أنفسهم ومهاجمة خصومهم حين تكون المواجهة المباشرة مكلفة أو محفوفة بالمخاطر. وهنا يصبح الكلام من وراء الظهر بديلاً عن المواجهة: يستطيع الفرد أن يعاقب خصمه من خلال النيل من سمعته دون أن يقطع العلاقة معه علناً. وقد لاحظت الأدبيات نفسها أن الخلافات يمكن أن تُدار بهذه الطريقة بحيث يحافظ المتخاصمون خارجياً على مظهر الود والانسجام، بينما يستمر الصراع في الخلفية من خلال تداول الكلام والتقييمات السلبية. ومن هنا يمكن فهم التبركيك في بعض العلاقات المغربية بوصفه في الوقت نفسه تنفيساً للغضب، وانتقاماً رمزياً، وآلية للحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة الاجتماعية.
ولا يقتصر التبركيك، في بعض السياقات النسائية، على تبادل الأخبار أو التنفيس عن الغضب، بل يمكن أن يتحول إلى مورد للقوة لدى من تكون قدرتهن على المواجهة المباشرة محدودة. وتساعد ملاحظات ديبورا جونز (Deborah Jones) حول الثقافة الشفهية النسائية على فهم هذا البعد؛ فهي تربط هذا النوع من الكلام بقيود الدور الاجتماعي للمرأة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ما يوفره من اعتراف متبادل، وتضامن، وشبكة غير رسمية لتبادل المعرفة والخبرة. ومن داخل هذه الشبكة تستطيع المرأة أن تناور اجتماعياً، وأن تبني تحالفات، وأن تعيد تأويل واقعة ما لصالحها، وأن تدافع عن نفسها أو تنتقم رمزياً ممن أساء إليها حين تكون المواجهة المباشرة أكثر كلفة. فالكلام هنا لا يكون مجرد تعبير عن العجز، بل قد يصبح شكلاً من أشكال القوة اليومية المُنَمْنَمة: قوة قائمة على التحكم في المعلومة، وفي السمعة، وفي الطريقة التي تُروى بها الحكاية داخل الجماعة. غير أن هذه القوة تظل ملتبسة؛ فهي قد تمنح المرأة هامشاً للمقاومة، لكنها قد تُستخدم أيضاً لإعادة إنتاج الرقابة الأخلاقية نفسها على نساء أخريات.
حين يتحول التبركيك إلى انتقام رمزي
غير أن تصريف الغضب لا يظل دائماً مجرد تنفيس؛ فعندما يشعر الفرد بأنه تعرض للإهانة أو الاستفزاز أو الظلم، لكنه لا يستطيع أو لا يريد الرد مباشرة، قد يلجأ إلى التبركيك بوصفه شكلا من أشكال الانتقام غير المباشر. وبدل أن يواجه الشخص خصمه، يهاجم صورته الاجتماعية. هنا يصبح الكلام نفسه أداة للعقاب: التشكيك في الأخلاق، أو السلوك، أو المال، أو الزواج، أو العلاقات، أو الكفاءة المهنية. وهكذا ينتقل الصراع من المواجهة المباشرة إلى الصراع حول السمعة. وهذا مهم في مجتمع تظل فيه السمعة مورداً اجتماعياً أساسياً. فقد لا يستطيع الفرد إلحاق ضرر مادي بخصمه، لكنه يستطيع الإضرار برأسماله الرمزي من خلال ما يقوله عنه للآخرين. بهذا المعنى، قد يصبح التبركيك نوعاً من العدوان المؤجل: لا أواجهك، لكنني أعاقبك داخل المجال الاجتماعي الذي ننتمي إليه معاً. ومن هنا يمكن فهم لماذا تظل بعض الخصومات طويلة العمر رغم استمرار العلاقات في ظاهرها بصورة عادية. لم تقع المواجهة، ولذلك لم يُحسم النزاع؛ لكنه يستمر في شكل تداول متكرر للروايات والشكاوى والتوصيفات السلبية.
من النافذة إلى الكاميرا: تحولات المراقبة الاجتماعية في الحي
وتأخذ الظاهرة بعداً أكثر إثارة عندما ننتقل إلى الحي المغربي التقليدي، وخاصة إلى الدور الذي كانت تؤديه بعض ربات البيوت في مراقبة المجال الخارجي. فالمرأة التي كانت تقضي جزءاً كبيراً من يومها داخل البيت لم تكن بالضرورة معزولة عن الحي. كانت النافذة، والشقوق التي تفتح البيت على الخارج، والشرفة، والسطح، والباب وعتبته نقاط اتصال بينها وبين العالم الخارجي. ومن هذه “الثغور”، كان يمكن مراقبة حركة الحي: من دخل؟ ومن خرج؟ ومن زار من؟ ومن عاد متأخراً؟ ومن اشترى شيئاً جديداً؟ ومن تشاجر؟ ومن سافر؟ ومن تغيبت زوجته؟ ومن جاءه ضيف غير مألوف؟ وقد تبدو هذه التفاصيل تافهة منفردة، لكنها حين تتراكم تنتج معرفة دقيقة بالحياة الاجتماعية للمكان. وهنا ينبغي تجنب الصورة النمطية التي تجعل الأمر مجرد “فضول نسائي”. فالمسألة مرتبطة أيضاً بتاريخ تقسيم المجال بين الداخل والخارج. ففي الفترات التي كانت فيها حركة كثير من النساء خارج البيت أكثر محدودية، أتاحت لهن مراقبة الحي من النوافذ والأسطح نوعاً من الحضور الاجتماعي من داخل الفضاء المنزلي. كانت النافذة، بهذا المعنى، ليست فقط وسيلة لرؤية الخارج، بل وسيلة للمشاركة فيه.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت الكاميرات المثبتة أمام المنازل والمحلات باعتبارها امتداداً تقنياً جديداً لوظيفة النافذة. فهي تُركَّب أساساً لأغراض الحماية والأمن، لكنها تمنح صاحبها في الوقت نفسه قدرة مستمرة على مراقبة حركة الشارع والجيران والزوار: من دخل، ومن خرج، وفي أي وقت، ومن توقف أمام البيت، ومن مرّ أكثر من مرة. وهكذا تتحول الكاميرا، في بعض الحالات، من أداة أمنية محضة إلى عين اجتماعية دائمة، تستبدل المراقبة المتقطعة من النافذة بمراقبة مسجلة وقابلة للاسترجاع. وإذا كانت النافذة القديمة تسمح بالمشاهدة اللحظية، فإن الكاميرا تنتج أرشيفاً بصرياً للحياة اليومية في الحي، يمكن أن يغذي بدوره الحديث والتأويل والتبركيك. بهذا المعنى، لا تختفي المراقبة الأفقية بين الجيران مع التحديث، بل تعيد تشكيل نفسها تقنياً: من عين بشرية خلف الستار إلى عدسة رقمية مثبتة على الواجهة. ولم تعد هذه “العين الاجتماعية” مرتبطة بالنساء كما في صورة النافذة التقليدية، بل أصبحت الكاميرا أداة مراقبة يشترك في استخدامها الرجال والنساء على السواء، بما يجعل المراقبة الاجتماعية أكثر اتساعاً وأقل ارتباطاً بتقسيم الأدوار الجندرية.
وفي بعض الأحياء، تزداد هذه الوظيفة حدة حين يصبح أحد الجيران موضوعاً دائماً للفضول الاجتماعي، سواء بسبب كونه أعزب، أو معروفاً بتعدد علاقاته العاطفية، أو معتاداً على السهر واستقبال الأصدقاء. عندئذ لا تعود الكاميرا، بالنسبة إلى بعض المحيطين به، مجرد وسيلة لحماية المنزل، بل قد تتحول إلى أداة لمتابعة تفاصيل حياته اليومية: من يزوره، وفي أي وقت، ومتى يعود إلى البيت، ومن يغادر عند الفجر. وهنا تنتقل النافذة التقليدية إلى صيغة تقنية أكثر دقة واستمرارية، ويصبح التبركيك مدعوماً بالصورة والتسجيل، لا بالملاحظة العابرة فقط. ولا يعني ذلك أن كل استعمال منزلي للكاميرات يأخذ هذا الطابع، وإنما أن التكنولوجيا قد تمنح المراقبة الاجتماعية القديمة أدوات جديدة وأكثر قدرة على التوثيق والاسترجاع.
وكان الحمام الشعبي، تاريخياً، من أهم الفضاءات النسائية لتبادل الأخبار والمعلومات، خصوصاً بالنسبة إلى ربات البيوت اللواتي كان حضورهن في المجال العام أكثر محدودية. فالحمام لم يكن مكاناً للنظافة فقط، بل فضاءً اجتماعياً تُتبادل فيه أخبار الزواج والطلاق والمرض والحمل والمشكلات العائلية وأحوال الجيران، وتُبنى فيه أيضاً الانطباعات والسمعة. ومن خلال هذا التفاعل المنتظم، كانت المرأة تخرج من المجال المنزلي إلى شبكة أوسع من المعرفة الاجتماعية، فتتلقى أخبار الحي والعائلات وتعيد نقلها بدورها. وهكذا أدى الحمام وظيفة تواصلية تتجاوز الجسد والنظافة إلى إنتاج نوع من “المجال العام النسائي” غير الرسمي، تُتداول داخله المعلومات والتقييمات والعلاقات.
وتساعد دراسات الثقافة الشفهية النسائية على فهم لماذا ارتبط تداول الأخبار تاريخياً ببعض الفضاءات النسائية. فقد عرّفت ديبورا جونز التبركيك بوصفه شكلاً حميمياً من الحديث يرتبط بالتجربة الشخصية والمنزلية، ونبهت إلى أن القيود التي كانت تحيط بأدوار النساء لم تمنع التواصل، بل ساهمت في إنتاج شبكات كلامية خاصة بهن. وتتحول هذه الشبكات إلى مجال لتبادل المعرفة والخبرة، وتقديم الدعم العاطفي، ومقارنة التجارب، وبناء تصور مشترك عن العالم. وقسّمت جونز هذا الكلام إلى وظائف مختلفة، منها الحديث المنزلي، والفضيحة، والشكوى، والدردشة الحميمية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة النافذة والحمام في السياق المغربي القديم لا بوصفهما فضاءين للفضول فقط، بل بوصفهما جزءاً من بنية تواصلية كانت تسمح لربات البيوت، في ظل محدودية الحركة خارج المنزل، بالاتصال بالعالم الاجتماعي وتبادل المعرفة بشأنه.
وتذهب جونز أبعد من ذلك حين تميز ما تسميه bitching ، أي الشكوى التي يُعبَّر فيها عن الغضب داخل دائرة خاصة، وترى فيها وظيفة تطهيرية أو تنفيسية بالأساس: فالمتكلمات لا يتوقعن بالضرورة تغيير الواقع، بقدر ما يبحثن عن فضاء يُفهم فيه غضبهن ويُعترف به. وهذا يلتقي مع فكرة التبركيك بوصفه “صماماً اجتماعياً”؛ فالحديث لا يزيل سبب التوتر، لكنه يسمح بتصريف الانفعال وإيجاد الاعتراف والتعاطف لدى الآخرين.
ولا يعني التركيز هنا على النساء أن التبركيك ممارسة نسائية خالصة؛ فالرجال يمارسونه بدورهم في المقاهي، وأماكن العمل، والفضاءات السياسية. غير أن حضوره يبدو أكثر كثافة ووضوحاً داخل بعض أشكال الثقافة الشفهية النسائية، خصوصاً في السياقات التي كان فيها المجال المنزلي أكثر التصاقاً بحياة المرأة، وكانت شبكات تبادل الأخبار والتجارب إحدى وسائلها الأساسية للاتصال بالعالم الاجتماعي. لذلك يأتي التركيز على النساء هنا، لأن التبركيك يشكِّل أحد المجالات التي اكتسبت فيها الثقافة الشفهية النسائية مهارة وكثافة، لا باعتباره حكراً عليهن.
وفي مقابل الحمام بوصفه فضاءً تقليدياً لتداول الأخبار بين النساء، يؤدي المقهى وظيفة مشابهة داخل العالم الرجالي. فالمقهى المغربي ليس مجرد مكان لاستهلاك القهوة أو قضاء الوقت، بل فضاء يومي لتبادل الأخبار المحلية، والسياسية، والمهنية، والشخصية. فيه تُناقش أحوال الحي، والوظائف، والصفقات، والهجرة، والرياضة، والسياسة، كما تنتقل أخبار الأشخاص والعائلات والمؤسسات. وإذا كان التبركيك يُختزل أحياناً في صورة نمطية مرتبطة بالنساء، فإن المقهى يكشف أن الرجال يشاركون بدورهم بكثافة في تداول أخبار الآخرين، وإن اختلفت الموضوعات واللغة والفضاء. فالتبركيك هنا لا يختفي، بل يتخذ صيغة ذكورية أكثر قبولاً اجتماعياً تحت أسماء مثل “النقاش”، و”خْبيِّرات”، و”معرفة شنو واقع”.
من نافذة الحي إلى شاشة الهاتف
ما تغير اليوم ليس وظيفة التبركيك بقدر ما تغيرت بنيته التكنولوجية. فالمرأة التي كانت تحتاج إلى النافذة لكي تعرف ما يجري في الحي، أصبحت تحمل في يدها شاشة تصلها بالعائلة، والحي، والمدينة، والعالم. وانتقلت الجلسة التقليدية من الباب، أو السطح، أو الحمام، أو الزيارة المنزلية إلى واتساب، وفيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك. أصبحت الصورة تصل قبل الرواية، والتسجيل الصوتي يسبق الزيارة، ولقطة الشاشة تجعل الكلام قابلاً للحفظ وإعادة التوزيع. وهكذا انتقل التبركيك من فضاء محدود إلى شبكة قابلة للتوسع بلا حدود تقريباً. في الماضي كان الخبر قد يبقى محصوراً بين عشر نساء أو عشر أسر في الحي. أما اليوم فقد ينتقل خلال دقائق إلى مئات الأشخاص، وربما إلى جمهور لا يعرف أصلاً الشخص موضوع الحديث. لقد تحول التبركيك من ثقافة شفهية عابرة إلى أرشيف رقمي قابل للتخزين والاسترجاع وإعادة النشر. وهذا التحول غيّر قوته الاجتماعية. فالخبر لم يعد يختفي بعد انتهاء الجلسة؛ يمكن أن يبقى في رسالة، أو تسجيل، أو صورة، أو لقطة شاشة، أي أن الذاكرة الاجتماعية أصبحت أكثر دواماً.
التبركيك السياسي
ولا يقتصر التبركيك على أخبار الجيران والعلاقات الخاصة، بل يمتد أيضاً إلى المجال السياسي. ففي جزء من التداول السياسي اليومي، لا تُناقش السياسة دائماً من خلال نقد البرامج والقرارات أو التحقق من المعطيات والمصادر، بل عبر تداول أخبار وروايات عن الوزراء والمسؤولين والأحزاب ومراكز النفوذ: من التقى بمن، ومن سيُعفى، ومن يملك ماذا، وما الذي قيل في اجتماع مغلق، وما القرار الذي “سيصدر قريباً”. ولا تكمن قوة هذه الأخبار بالضرورة في صحتها، بل في سرعة تداولها وفي قدرة كل شخص على إضافة جزء جديد إلى الرواية. ومع المنصات الرقمية، يمكن لهذا التبركيك السياسي أن ينتقل سريعاً من مجالس محدودة إلى جمهور واسع، بحيث تتحول الإشاعة أو المعلومة غير المتحقَّق منها إلى موضوع للنقاش والتعبئة وربما الغضب الجماعي. وفي ظروف التوتر الاجتماعي، قد يسهم هذا التداول المتراكم في إشعال النقاش على المنصات، بل وفي بعض الحالات في توفير مناخ تعبوي يسبق الاحتجاج أو الهبّة الاجتماعية؛ لا لأن التبركيك يخلق الاحتجاج من العدم، وإنما لأنه قد يسرّع تداول المظالم والتأويلات والمشاعر بين أفراد لا يرتبطون بالضرورة بتنظيم سياسي واحد.
المجتمع الذي يراقب نفسه
تكشف هذه الظاهرة عن فكرة أوسع: يراقب المجتمع نفسه بنفسه. فالمراقبة ليست دائماً عمودية تمارسها الدولة على المواطنين. هناك أيضاً مراقبة أفقية يمارسها الأفراد بعضهم على بعض. يعرف الجيران تحركات بعضهم، ويعرف الأقارب تفاصيل الأسر، ويعرف زملاء العمل قصص المؤسسة، ويعرف التجار من يشتري ماذا، ويعرف الحراس من يدخل العمارات ويخرج منها، وسائقو سيارات الأجرة يسمعون يومياً كماً هائلاً من التفاصيل، وتنتج المقاهي بدورها معرفة سياسية واجتماعية واسعة. إنها شبكة ضخمة من المعلومات والمواقف والتمثلات. ولهذا يمكن القول إن المجتمع المغربي ينتج باستمرار معلومات مجانية عن نفسه. هذه المعلومات لا تُجمع داخل قاعدة بيانات واحدة، لكنها موزعة بين آلاف الأشخاص. وقد يكفي طرح السؤال في المكان الصحيح حتى تبدأ سلسلة من الأجوبة: هذا يعرف أخاه، وذاك يعرف جاره، وثالث يعرف أين يعمل، ورابع يعرف سيارته، وخامس سمع عن سفره. إنها معرفة اجتماعية موزعة.
لكن قوة التبركيك لا تكون متساوية في كل البيئات. وتبين سالي إنغل ميري (Sally Engle Merry) أن أثره يزداد داخل الشبكات الاجتماعية الكثيفة، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً ويتقاسمون إلى حد كبير المعايير نفسها. فالتبركيك يحتاج، لكي يكون فعالاً، إلى معرفة مشتركة بالأشخاص وإلى جمهور يفهم دلالة المعلومة ويتشارك المعايير التي تسمح بالحكم عليها. ولهذا يكون أقوى في الأحياء والجماعات المتماسكة منه في البيئات شديدة التفكك. كما أن قوته لا تأتي من الكلام وحده، بل من ارتباط السمعة بعواقب اجتماعية واقتصادية حقيقية. فالناس يخافون من “كلام الناس” عندما يكون هؤلاء الناس قادرين أيضاً على التأثير في الزواج، أو العمل، أو العلاقات، أو المكانة الاجتماعية.
التبركيك بوصفه استخباراً اجتماعياً جماعياً
ومن هنا يمكن فهم جانب آخر من العلاقة بين التبركيك والأمن. فكفاءة الشرطة لا يمكن تفسيرها بطبيعة الحال بالتبركيك، ولا يصح اختزال العمل الأمني المهني والتقني في هذه الظاهرة الثقافية. لكن المجتمعات ذات الشبكات الاجتماعية الكثيفة توفر للسلطات، كما توفر للأفراد أنفسهم، بيئة غنية بالمعلومات غير الرسمية. فالشرطي أو المحقق لا يعمل دائماً في فراغ اجتماعي. هناك حارس العمارة، وصاحب المقهى، والبقال، والجيران، وأقارب المشتبه فيه، وسائق السيارة، وأشخاص يعرفون تحركاته اليومية. وبالتالي فإن جزءاً من القوة المعلوماتية لأي جهاز أمني لا يأتي فقط من التكنولوجيا أو الملفات الرسمية، بل أيضاً من قدرة المجتمع على إنتاج المعلومات وتداولها. وقد تساعد الكثافة العالية للمعلومات الاجتماعية المتداولة داخل الأحياء والشبكات المحلية على جعل التحقيق في بعض الحالات أسرع، لأن الناس أنفسهم ينتجون بصورة يومية معرفة تفصيلية عن محيطهم. وإذا كان النجاح الأمني يرتبط دائما بالتكوين، والتنظيم، والخبرة، والتعاون الدولي، والتكنولوجيا، فإن الثقافة الاجتماعية القائمة على الملاحظة وتداول الأخبار توفر بدورها خلفية معلوماتية لا ينبغي تجاهلها.
ويكشف هذا أيضاً أن الحدود بين الضبط الاجتماعي غير الرسمي والمؤسسات الرسمية ليست دائماً حادة. فميري تبين أن المعلومات المتداولة بصورة غير رسمية قد تنتقل أحياناً إلى مؤسسات رسمية، فتكتسب عندئذ قوة أكبر من مجرد الكلام. فالحديث عن شخص أو سلوكه قد يتحول إلى معلومة تصل إلى إدارة أو شرطة أو جهة رسمية، وبذلك تصبح الشبكة الاجتماعية مصدراً غير رسمي للمعلومات. ومن هذا المنظور يمكن فهم كيف يمكن لكثافة المعرفة المحلية داخل بعض الأحياء المغربية أن تسهّل أحياناً عمل الأجهزة الأمنية: ليس لأن التبركيك يفسر نجاح الشرطة، بل لأن المجتمع نفسه ينتج باستمرار معلومات حول الأشخاص والحركة والعلاقات والسمعة، ويمكن لبعض هذه المعلومات أن تنتقل من المجال غير الرسمي إلى المجال المؤسساتي. وعند هذه النقطة يصبح من الممكن النظر إلى التبركيك بوصفه شيئاً أكبر من عادة لغوية.
إنه يؤدي بعض وظائف المؤسسة من دون أن يكون مؤسسة رسمية. ينقل المعلومات، ويصنف الأشخاص، ويحمي سمعتهم أحياناً ويدمرها أحياناً أخرى، ويعاقب الانحراف، ويكافئ الامتثال، ويفرغ الغضب، ويبني التحالفات، ويحدد من يثق بمن. ومن خلاله يتعلم الفرد أن حياته ليست ملكاً له وحده، لأن أفعاله ستدخل دائماً في مجال التأويل الجماعي. وهنا تظهر العبارة المغربية المعروفة: “شنو غادي يقولوا الناس علينا؟” فهذه الجملة ليست مجرد خوف من الكلام. إنها تعبير عن وجود جمهور دائم يراقب ويقيّم ويتحدث. وقد لا يحتاج هذا الجمهور إلى أن يكون حاضراً فعلاً؛ يكفي أن يتخيله الفرد حتى يغير سلوكه. لذلك فإن التبركيك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمنظومة من الضوابط الاجتماعية الخارجية، مثل الحفاظ على الواجهة والسمعة، و”الحشومة”، والخوف من حديث الناس، وهي ضوابط تدفع الفرد إلى مراقبة سلوكه انطلاقاً من توقع نظرة الآخرين وحكمهم عليه.
لقد انتقلت عين الجارة من النافذة إلى شاشة الهاتف. لكن المنطق الثقافي لم يختف تماماً: مراقبة الآخر، وتفسير سلوكه، والتعليق عليه، ثم تمرير المعلومة إلى شخص ثالث. ما تغير هو السرعة والنطاق وقوة الأثر. ومن خلال تراكم هذه السلوكيات المتبادلة، يتشكل ما يشبه “بانوبتيكوناً اجتماعياً” لا يحتاج إلى مراقب مركزي؛ فالجميع يراقب الجميع، وكل فرد يعرف أنه قد يكون بدوره موضوعاً للملاحظة والحديث والتقييم. ولهذا فإن دراسة التبركيك في المغرب ليست دراسة لعادة كلامية هامشية، بل مدخل لفهم كيفية اشتغال المجتمع نفسه: كيف يدير الصراع، وكيف يحافظ على العلاقات، وكيف يعاقب من يخرج عن الأعراف، وكيف يصنع السمعة، وكيف ينتج المعرفة عن أفراده. فالتبركيك، في النهاية، هو اقتصاد اجتماعي للمعلومة: ينتج الناس الأخبار عن بعضهم مجاناً، ويتداولونها باستمرار، ويحولونها إلى وسيلة للترابط والمراقبة والتنفيس والانتقام في آن واحد. وربما تكمن مفارقته الكبرى هنا: نحن “نبركك” على الآخرين لأننا قريبون منهم، لكننا نستخدم التبركيك أيضاً لكي نحافظ على المسافة التي تمنعنا من مواجهتهم مباشرة.