قراءة جيوسياسية في دعوة المغرب لاجتماع اللجنة العليا المشتركة مع السنغال
من باريس بقلم الدكتور محمد محاسن
من باريس بقلم الدكتور محمد محاسن
تلخيصاً
بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية التي غالبًا ما ترافق الأزمات الظرفية، يكرّس المغرب من خلال إعادة تفعيل اللجنة العليا المشتركة مع السنغال منطق الدولة الهادئة التي تُدير التوترات بعقل استراتيجي، وتفصل بين الأحداث العابرة ومسارات الشراكة التاريخية، مؤكِّدًا مكانته كفاعل إفريقي موثوق ووازن.
توطئة
في ظرفٍ يشهد فيه الرأي العام المغربي موجةً من الاستياء والانتقادات، على خلفية الأحداث المؤسفة التي رافقت نهائي كأس أمم إفريقيا المنظم بالمغرب خلال شهر يناير 2026 الجاري، وما تخلّلها من سلوكات خارجة عن القانون صدرت عن المشجعين وأفراد الطاقم التقني السنغالي، إلى جانب تطورات خطيرة تمثلت في احتجاز وتهديد طلبة مغاربة بالسنغال … ، اختار المغرب أن يبعث برسالة من طبيعة مختلفة تمامًا:
رسالة دولة لا تُدار بمنطق الانفعال، ولا تُسَيَّر تحت ضغط اللحظة، بل تُقاد ببوصلة استراتيجية هادئة، عميقة، وطويلة النفس.
فمبادرة رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، إلى الاتصال بنظيره السنغالي أوسمان سونكو، والاتفاق على عقد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية-السنغالية، بعد توقّف دام لأكثر من عقد من الزمن، ليست خطوة بروتوكولية عادية، ولا مجرد إجراء لامتصاص التوتر، بل قرار سيادي محمَّل بدلالات جيوسياسية دقيقة.
الدبلوماسية المغربية تسمو فوق ردّ الفعل
كان من السهل، وربما من المريح شعبويًا، أن تنخرط الدولة في خطاب تصعيدي يواكب غضب الشارع، أو أن تُجمِّد قنوات التواصل والاتصال، أو أن تُقدِّم ردودًا حادة ترضي المزاج العام الآني. غير أن المغرب اختار طريقًا آخر: طريق الدولة الواثقة من نفسها، التي تميّز بين ما هو انفعالي ظرفي، وما هو استراتيجي بنيوي.
هذا الاختيار يجد صداه أيضًا في الرسالة الملكية السامية الموجَّهة إلى المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، وما تلاها من استقبال رسمي للفريق الوطني بأمر ملكي سامٍ من طرف الأمير مولاي رشيد، في لحظة كان العالم يتابع فيها باهتمام بالغ ليس فقط النتائج الرياضية، بل مستوى التنظيم، وحسن الاستقبال، وجودة البنيات التحتية، والأمن، والجاهزية اللوجستية التي أبان عنها المغرب.
وهي شهادة لم تقتصر على الإعلام، بل عبّرت عنها بوضوح دول وهيئات رياضية كبرى، اعتبرت أن المغرب رسّخ مكانته كقوة تنظيمية صاعدة قادرة على احتضان التظاهرات الكبرى بمعايير عالمية.
ويجد هذا المنحى تجسيده الأوضح في الرسالة الملكية السامية الصادرة عن الديوان الملكي بتاريخ 21 يناير 2026، والتي شكّلت إطارًا مرجعيًا جامعًا لتأويل هذه المرحلة. فقد ثمّن جلالة الملك محمد السادس النجاح التنظيمي والرياضي البارز لكأس إفريقيا للأمم، وما عكسه من طفرة نوعية حققتها المملكة على مستوى البنيات التحتية والتنمية، مؤكدًا أن هذا الإنجاز لم يكن وطنيًا فحسب، بل هو مكسب لإفريقيا ككل.
وفي الآن ذاته، تعامل الخطاب الملكي مع الأحداث المؤسفة التي شابت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية بروح المسؤولية والحكمة، داعيًا إلى تجاوز منطق الانفعال، والتمييز بين السلوكات المعزولة وروابط الأخوة الإفريقية العميقة، ورافضًا كل محاولات التشهير أو النيل من مصداقية المغرب. كما شدد جلالة الملك على أن المخططات المعادية لن تنال من عزيمة المملكة ولا من التزامها الثابت تجاه إفريقيا موحدة، مزدهرة، قائمة على الشراكة والتضامن والاحترام المتبادل.
التفريق بين الشعوب والعلاقات بين الدول
إن القرار المغربي بإعادة تفعيل اللجنة العليا المشتركة جاء ليؤكد مبدأً مركزيًا في فلسفة السياسة الخارجية للمملكة مفاده أن من غير الجائز اختزال العلاقات التاريخية بين الدول في أحداث عابرة، مهما بلغت حدّتها نتاج مباراة كرة قدم، ولا رهينة تصرّفات فردية أو انفلاتات ظرفية، بل هي علاقات ضاربة في العمق الإفريقي، مؤسسة على:
– روابط روحية ودينية متجذرة،
– وشائج إنسانية وتعليمية ممتدة،
– شراكات اقتصادية ومالية متنامية،
– وتنسيق سياسي قائم على الثقة والدعم المتبادل في القضايا الكبرى.
من هذا المنظور، فإن إعادة بعث اللجنة العليا المشتركة ليست تجاهلًا لما وقع، بل معالجة له من مستوى أعلى، حيث تُدار الخلافات داخل الأطر المؤسسية لا عبر الشعبوية أو التصعيد الإعلامي.
تفويت الفرصة على مهندسي الفتنة
لا يمكن فصل هذا القرار عن سياقه الجيوسياسي الأوسع، حيث تسعى أطراف معروفة إلى الاستثمار في لحظات التوتر، التي تُسخّر من أجل خلقها آليات وإمكانيات ضخمة، لضرب العلاقات المغربية-الإفريقية وتأليب الشعوب على بعضها وزرع الشك في الشراكات الاستراتيجية التي راكمها المغرب خلال العقدين الأخيرين.
فالدبلوماسية المغربية، بخبرتها التاريخية، تدرك أن أخطر ما يمكن فعله هو السقوط في فخ الرد الانفعالي، لأنه يحقق بالضبط ما يريده خصوم الاستقرار من تفكيك للثقة وتشويه للصورة وخلخلة للتحالفات.
من هنا، تشكّل المبادرة المغربية تفويتًا واعيًا ومدروسًا لفرصة توظيف الأحداث في اتجاه عدائي، ورسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يُستدرج إلى معارك جانبية ولا يساوم على عمقه الإفريقي.
من الأزمة إلى الشراكة: منطق الدولة الصاعدة
إن تنظيم المنتدى الاقتصادي المغربي-السنغالي على هامش أشغال اللجنة ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو تعبير صريح عن منطق الدولة الصاعدة التي لا تختزل علاقاتها في تدبير الأزمات، بل تحوّلها إلى فرص لتعزيز المصالح المشتركة.
وهو منطق ينسجم تمامًا مع الرؤية الملكية لإفريقيا:
– إفريقيا الشراكات لا المحاور،
– إفريقيا التنمية المشتركة لا الصراعات المفتعلة،
– إفريقيا السيادة والاحترام المتبادل لا الوصاية.
الدبلوماسية الملكية: الهدوء بوصفه قوة
في العمق، يعكس هذا المسار روح الدبلوماسية الملكية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، دبلوماسية هادئة لكنها حازمة، متبصرة دون تردّد، منفتحة دون سذاجة، وصبورة لأنها واثقة من موقع المغرب ووزنه الإقليمي والدولي.
ويكفي في هذا السياق التذكير بمستوى الثقة الدولية التي بلغها المغرب، والتي تجلّت في الدعوة الموجَّهة من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس لقبول صفة عضو مؤسِّس في مجلس السلام؛ وبالفعل فقد كان المغرب أول الدول الثلاثة الموقّعين على المبادرة الأمريكية يوم 21 يناير 2026 بمدينة دافوس السويسرية، ميثاق إنشاء مجلس السلام، ليصبح المجلس بذلك قانونيًا ونافذًا وفق مقتضياته.
ويتعزز هذا المنحى أيضًا من خلال مؤشرات جيو-اقتصادية وازنة تعكس مستوى الثقة المتنامية التي تحظى بها المملكة المغربية لدى شركائها الدوليين. ففي تطور لافت، أعلنت المملكة المتحدة عن إطلاق مبادرة تجارية وُصفت بالأضخم من نوعها منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، تقضي بمنح المغرب إعفاءات جمركية شاملة ودون سقوف كمية على طيف واسع من المنتجات المغربية، تشمل القطاعات الزراعية، والصناعات الغذائية، والمنسوجات، وصناعة السيارات، ابتداءً من فبراير المقبل.
وقد أكد وزير التجارة البريطاني، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع السفير المغربي في لندن، أن المغرب يُعد شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه، وأن لندن تسعى إلى بناء علاقة تجارية عميقة تتجاوز منطق التبادل السلعي التقليدي. وهي خطوة لا يمكن فصلها عن استقرار المملكة، ووضوح خياراتها الاقتصادية، ومصداقية تموقعها الجيوسياسي، وتُبرز بجلاء أن المغرب، في الوقت الذي يُراهن فيه البعض على استنزافه في أزمات ظرفية، يرسّخ مكانته كفاعل موثوق في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في الفضاءين المتوسطي والإفريقي.
عود على بدء: حين يكون الرد أرقى من الاستفزاز
ما قام به المغرب ليس تجاهلًا لما حدث، بل ترتيبًا عقلانيًا للأولويات.
وليس تهاونًا، بل اختيارًا واعيًا لمستوى الرد.
فالدول العريقة لا تُقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى لحظات إعادة تموقع.
والمغرب، مرة أخرى، يثبت أن الدبلوماسية ليست ردّ فعل، بل فن قيادة الزمن، وتحصين المستقبل