مصطفى حيران:مدير موقع أخبركم
وجد بعضهم مُتعة سادية في توجيه عبارات التحقير والإتهام والتبخيس.. وسائر نعوت وأوصاف التبخيس والإساءة والتعريض (إلى) وبالصحافة المغربية باعتبارها عاجزة في أهون الأحوال، وفي أفدحها، فإنها مومس تمنح نفسها لمن يدفع أكثر أو أقل، وغارقة في التفاهات، وخائفة متوجسة من الخوض في أهم الملفات وأخطرها التي تتصل بتدبير شؤون الدولة والمجتمع..
إذا استطردنا في سرد النعوت القدحية، وعرض الشتائم والأوصاف السلبية التي تُكال للصحافة المغربية من جميع المغاربة، علا شأنهم أو نزل، من حيث مستوى الوعي، فسنستغرق كل الحيز الخاص لهذا المقال، لذلك دعونا نذهب رأسا إلى شرح الأسباب والمسببات وهذا هو الأهم.
مناسبة صَلْبِ الصحافة المغربية ودق المسامير في راحتيها، وجلدها وسلخ لحمها وهي عارية، مرتبط بظرفية إعلامية عالمية اشتهرت في الأيام القليلة الماضية ب”باناما بابرز”.. حيث اكتشف المُتلقون من مختلف مستويات التلقي للخطاب الإعلامي (أي من القارىء العادي حتى المثقف) أن ثمة قضية تهرب ضريبي وتبييض للأموال عبر إنشاء شركات وهمية بغاية تهريب الأموال لشراء مركب أمريكي ثمين وفندق باريسي فخم.. وأن شخصين مهمين في تراتبية تدبير شؤون الدولة هما الملك محمد السادس وكاتبه الخاص محمد منير الماجيدي معنيان مباشرة بذلك.
وبالتالي تساءل المتلقون في المغرب: كيف تسنَّى لصحافة دولية مُحترفة حقا، أن تكشف هذا “سكوب” الكبير عن واحدة من أخطر المواضيع ارتباطا بالشأن العام المغربي دولة ومُجتمعا، ألم يكن حريا بالصحافة المحلية، أي المغربية، أن تكون سبَّاقة إلى هذا الفتح المِهني الكبير مما يتصل بمجال عملها أي البحث عن الأخبار ونشرها للعموم؟
وانطلقت الأجوبة في شكل عبارات الشتم والتعريض الساخر والتحقير..
بعبارة موجزة إن المغاربة الذين هالهم فداحة وعِظم أمر ما اكتشفوه عبر الصحافة الدولية بخصوص تدبير أمورهم المالية، يريدون صحافة مُحترفة وحرة ونزيهة تقوم بالعمل المِهني الصِّرف الذي تقوم به الصحافة العالمية في البلدان المتقدمة.. يعني: “ديرو خدمتكوم آ الصحافيين”!
هكذا دفعة واحدة..
لم يتساءل مُتَّهِمو الصحافة المغربية الساخرون منها، والمُعرِّضون بها، ما إذا كُنَّا في المغرب نتوفر على نظام سياسي وبنيان قضائي وأساس اقتصادي وكيان اجتماعي.. بنفس الشاكلة والمضمون الموجود في الدول المتقدمة التي أنتجت صحافة مُحترفة وحرة ونزيهة.. صحافة باتت قادرة على زلزلة العالم من خلال المعلومات السرية التي تكشف عنها لعموم القراء في الأطراف الأربعة للمعمور، فيهابها ويتوجس منها ملوك ورؤساء وكبار موظفي الدول والشركات العالمية… وتقض مضاجعهم.
لم يسأل هؤلاء المُتحاملون، أنفسهم هذا السؤال، قبل توجيه الإتهامات والسخرية من الصحافة المغربية “المسكينة”.. نعم مِسكينة على نحو يدعو للشفقة ورثاء الحال أكثر من أي شىء آخر، وإليكم الأسباب وشروحاتها بالتفصيل المُمل..
لنبدأ بتبيان أهمية صحافة التحقيق المِهنية الجادة.
تعالت أصوات هنا وهناك عبر العالم، في الآونة الأخيرة، مُجمِعَة أن الصحافة تُحتضر بفعل الضربات القوية التي وُجِّهت إليها من التطور التكنولوجي الرقمي وفي صلبه أدوات التذييع بالصوت والصورة ووسائط التواصل الاجتماعي بشتى أذرعها وأصابعها وأظافرها.. وصدَّق هذا القول أفول امبراطوريات إعلامية من عالم الإصدار الورقي، وعلى رأسها صحيفتا “الإندبندت” البريطانية و”الباييس” الإسبانية مثلا.
إنه وقت عصيب على صاحبة الجلالة، من تفاصيله أن جل السياسيين والفاعلين في مختلف المجالات ونجوم الرياضة والفن… أصبح لديهم صفحاتهم وحساباتهم في مواقع التواصل الإجتماعي، وبالتالي سهولة تسقُّط أخبارهم وجديدهم، ناهيك عن جل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. التي غدت تتوفر على مواقعها الإلكترونية الخاصة تنشر فيها أخبارها وأنشطتها.. فما الحاجة إلى جرائد ورقية ومواقع إلكترونية صحافية لتنقل ما هو متوفر أصلا؟
سؤال مُفحم قد يتلعثم في الإجابة عنه أي صحافي أو متلقي مُدافع عن دور ما باق للصحافة، بيد أن الجواب الباتر جاء عمليا، أي فعلا لا قولا وعلى نحو مُدوي.
أثبتت فضيحة “باناما بابرز” أن مكان عمل الصحافة المُحترفة المِهنية في تقصي الأخبار المهمة وفحصها وتأطيرها ونشرها.. ليس فقط ما زال محفوظا، بل وثمة دائما حاجة إليها في نظام توزيع السُّلط في بُنيان الدول والمجتماعات الحديثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية. وأن وسيلة الإعلام الحرة والمستقلة حقا، ما زال يمكنها أداء ذلك الدور الذي وُجدت من أجله أي الإخبار قبل أي شىء آخر، وِفق أخلاقيات وقواعد ممارسة مهنة الصحافة.
وبُهِتَ الذين قالوا باحتضار صاحبة الجلالة الصحافة!
فكيف تسنى للصحافة أن تسجل أهدافا ثمينة في وقت بدل الضائع، من وقت المباراة الحامية الوطيس، حيث كانت منهزمة بدستة أهداف، ثم لتنتصر على هذا النحو المُبهر؟
الجواب تجدونه في أسس وحيثيات عمل صحيفة “سودويتشه تسيتونغ” الألمانية التي حصلت على حق فحص ونشر أزيد من 11 مليون ونصف مليون وثيقة سرية من وثائق “باناما بابرز” ثم لتعمد إدارة هذه الصحيفة الثانية من حيث مستوى الإنتشار في ألمانيا الاتحادية إلى الدعوة ل”كونسورتيوم صحافيي التحقيق” وقوامه مائة مؤسسة صحافية عبر العالم المتقدم، حيث توجد صحافة مُحترفة ومِهنية حقيقية، للقيام بأضخم وأكبر تحقيق صحافي في تاريخ الصحافة العالمية.. ونتائجه تترى.. وجزء منه قيد التداول في المغرب على النحو الذي نعرف من خلال الوثائق المتعلقة بتهريب وتبييض أموال مغربية.
لنتساءل مع المُتسائلين المُتَّهِمين المُعرِّضين الساخرين الشاتمين لمهنة الصحافة في المغرب: لماذا لا تقوم الصحافة المغربية بمثل هذا العمل المِهني الحقيقي، فتفضح بعضا مما يعتور تسيير شؤون الدولة، من قبيل ما كشفت عنه وثائق باناما؟
لماذا؟ لماذا؟
الجواب ببساطة: لأنه لا وجود لصحافة في المغرب بالمعنى الذي سردنا بعض مقوماته أعلاه.
الصحافة في المغرب كانت دائما بيت متعة للسلطة. وإليكم بعضا من قصة هذه العلاقة الحمراء ومؤثثات مخدعها الفاقعة من قبيل السرير المزركش ومواد تجميل العشيقة وعلامات فحولة العشيق..
عرف المغرب الصحافة أول مرة بمعناها المُؤسَّسِي مع فترة الإستعمار، حيث أحدثت الإقامة الإستعمارية شركة “ماروك سوار” التي أصدرت جريدة “لوبوتي ماروكان” le petit Marocain وكانت موجهة لخدمة القضايا السياسية والاقتصادية والترفيهية.. الخاصة بالوجود الاستعماري مع حيز لقضايا المغرب والمغاربة وفق منظور الهاجس الوظيفي الأول، بيد أنه مع هذه التجربة عرف المغرب الصحافة بمعناها المُؤسسي أي جرائد لها إدارة ومحررين ومصورين.. تنتج عملا إعلاميا يغطي جل اهتمامات شرائح القراء المستهدفين.
هذه التجربة هي التي آلت إلى الدولة المغربية بعُدتها وعتادها بعد رحيل الاستعمار، ليبقى اسم الشركة المُصدرة هو نفسه أي “ماروك سوار” ويتبدل اسم الجريدة من “لوبوتي ماروكان” إلى “لوماتان”.. مؤسسة إعلامية برأس مال مادي وإعلامي مهم آلت إلى النظام الملكي المغربي وفعل بها ما أراد، أي جعلها بوقا له.
ولأن ثمة أحزاب كانت موجودة قبل الاستقلال مثل الحزب الشيوعي المغربي (التقدم والإشتراكية) والإستقلال أو بعده مثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) فقد بات ضروريا أن تتوفر هذه الأحزاب وغيرها ممن جاءت فيما بعد بغزارة، تبعا لبطن الدولة المغربية “الولود” على جرائدها، وذلك ما كان في إطار تقسيم لمجالات تدخل الدولة والأحزاب على النحو المعروف من خلال ظهير الحريات العامة (1958) وذلك على أساس واجهتين للعمل السياسي في البلاد هما الدولة من خلال النظام الملكي وحكومته وأحزابه القديمة والمُحدثة، مقابل أحزاب المعارضة سليلة الحركة الوطنية التقليدية (الاستقلال..) واليسارية (الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية..)..
ثم كان ما نعرفه من حيثيات أوصلت هذه الثنائية في الأداء السياسي وفي ركابه الإعلامي، إلى تبعية أحزاب المُعارضة وإعلامها بشكل ومضمون كليين للنظام الملكي، فبهت الأداءان (السياسي والإعلامي) حتى باتا على النحو الذي لا يحتاج إلى تبيان.
وحدث مصداقا لمقولة “الطبيعة لا تحب الفراغ” حين مجىء تجربة حكومة “التناوب التوافقي” أن نبتت في ثنايا مكان ما بين تلافيف الرأسمال المغربي “الخاص” وحساسية مِهنية صحافية في بعض صحف باطرونا المال والإقتصاد بمدينة الدار البيضاء (نبتت) تجربة صحف مُستقلة جنينية من قبيل “لافي إيكونوميك” و”لوجورنال” ثم “الصحيفة” وما تفرَّع عنهما فيما بعد. حدث ذلك قُبيل سنوات قليلة من رحيل الحسن الثاني (1999) ومجىء خلفه محمد السادس، وكان طبيعيا أن تأخذ هذه التجربة الإعلامية الجديدة بنَفَسِها المِهني المستقل غير المعهود في التربة التي احتضنت الصحافة المغربية (الاستعمار، النظام الملكي، الأحزاب) حيزا مهما من الاهتمام من مختلف الفاعلين في الدولة والمجتمع كلٌ حسب منطلقه..
يُمكن القول إن التجربة التي باتت معروفة ب”الصحافة المغربية المستقلة” والتي عمَّرت فترة قصيرة لا تتعدى زهاء ست سنوات (1997-2003) هي الوحيدة المحسوبة على ممارسة حقيقية لمهنة الصحافة في المغرب، لاعتبارات ظرفية وسياسية نوجزها في هذه النقط الثلاث:
– فترة انتقال الحكم من الحسن الثاني إلى محمد السادس وما رافقها من حيثيات سياسية واجتماعية، منها وجود حكومة التناوب، والرغبة في إعطاء صورة منفتحة عن “العهد الجديد” في الداخل والخارج.
– الفراغ السياسي وبالتحديد في ضفة المعارضة، بانتقال أهم حزبين معارضين في البلاد هما الاتحاد والاستقلال إلى دفة التسيير الحكومي، وبالتالي الحاجة إلى مُتنفَّس جسَّدته على نحو جِدي التجربة الإعلامية المستقلة.
– رغبة مُكون نوعي ضئيل في الباطرونا الاقتصادية المغربية التوفر على بِنية إعلامية نوعية لإحداث نوع من التوازن في الساحة السياسية والاقتصادية بالبلاد، وذلك طبعا خدمة لأهداف استثمارية خاصة، وهذا أمر مشروع تماما.
وُضِع حدٌّ نهائي لهذه التجربة مع تفجيرات يوم 16 ماي 2003 بالبيضاء، حيث قال الملك محمد السادس في خطاب له بالمناسبة أن “أيام التساهل قد ولَّت”.. وبطبيعة الحال كان المقصود بالأساس تلك الصحافة الوليدة التي كانت تتلمس طريقها في تضاريس بلد شُمولي مثل المغرب يُعتبر فيه النظام الملكي وأذرعه التشريعية والتنفيذية… الآمر الناهي في البلاد، فكيف يقبل ببضعة صحف تُحسب على رؤوس أصابع اليد الواحدة أن تُمارس رقابة إعلامية على أفعاله وأقواله؟!
اعتُمدت أساليب عدة كلاسيكية، من قبيل المقاضاة والتغريم الباهظ فالتخويف الأمني ثم إغلاق صنبور الإشهار والسجن.. لثني مَن كانوا ما يزالون متشبثين من صحافيي وصحافيات الجيل الجديد من الإعلاميين، عن الاستمرار في “غيهم” وفق منظور السلطة طبعا.
خَبَطَ جسد الصحافة المستقلة الذبيح أطرافه في دمائه فترة قصيرة ثم أسلم الروح تماما، وذلك بالتوازي مع اشتداد عود النسخة الكربونية الجديدة من السلطة السياسية في المغرب، حيث تدرَّب أخلاف الحسن الثاني وإدريس البصري وأحمد رضا كَديرة وعبد الفتاح فرج.. على تدبير شؤون البلاد وِفق المنظور الذي أُعِدُّوا من أجله وهو: المخزن الملكي والباقي تفاصيل. وذلك ما كان.
ماذا عن اليوم؟
لقد تم الاحتفاظ بذات البنية والأسلوب الموروثين عن الحسن الثاني وإدريس البصري، أي إعلام عمومي يحمل الطبل ويقتفي أثر خُطى المخزن الملكي، وإعلام حزبي همه تحصيل الأغلفة المالية المتأتية من اعتمادات دعم الأحزاب التي تصرفها وزارتا الداخلية والإتصال، ونشر قصاصات الوكالة الرسمية وتغطية أنشطة قادة الأحزاب ومراسلات كتاب الفروع في الأقاليم وقصائد الشعر والنصوص القصصية، وبضعة صُحف فَضُلت من تجربة الصحف المستقلة استمرت في الصدور عاكسة نسخة باهتة من الرصيد المهني لهذه التجربة الرائدة في المغرب، بغاية تحصيل أغلفة المعونات والدعم السرية والعلنية لغايات “معاشية”.
بيد أن هذا طرح مشكلة بخصوص هروب القراء والمتابعين من الأجيال الجديدة الذين فتحوا أعينهم على مُتاحات الإنترنيت بمواقعه المتنوعة وشبكات تواصله الاجتماعية… إلخ، في هذا الخضم ظهرت مواقع إلكترونية مغربية استقطبت في وقت قصير عددا كبيرا من الزوار، فكان حتميا “احتواؤها”.
تم استعمال الترغيب فأفلح، ذلك نظرا لطابع الهواية الذي اتسمت به تجربة النشر الإلكتروني في المغرب عند بداياتها أواسط العقد الأول من الألفية الحالية، حيث إن القائمين عليها استوعبوا مُتاحات والإمكانيات التقنية في النشر الإلكتروني أكثر بكثير من توفرهم على التكوين والممارسة في مجال الإعلام والصحافة، فكان بالتالي سهلا شراء “دكاكينهم” الإلكترونية وضمها إلى جوقة الإعلام العمومي.
هكذا تم الأمر.
وانتبه كثير من مُهتبلي فُرص من هذا القبيل إلى الامتيازات القليلة أو الكثيرة، كلٌ حسب شطارته، التي يمكن تحصيلها من “سوق” جديدة في مجال النشر اسمها “المواقع الإلكترونية”..
واليوم ثمة ما يفوق 2000 موقع إلكتروني تصدر في المغرب “تعزف” كلها تقريبا نفس “النغمة” النشاز في عالم النشر الإلكتروني.. تنشر كل شىء ولا شىء.. ولديها تراكمها المُحدث من معالمه البارزة عناوين مُمعنة في الإثارة الفجة من قبيل: “مثير” و”خطير” و”طريف” و”مُقنْبِل”.. إلخ..
السؤال: كيف تستمر هذه المئات من المواقع في التحيين اليومي المنتظم، بل إن كثيرا منها تتوفر على مقرات و”هيئات تحرير” و”مراسلين”…؟
فتِّش عن مصدر صنبور التمويل ولأية غايات!
إن نفس تجربة عقد سنوات تسعينيات القرن الماضي مع ما عُرف ب”صحافة الرصيف” التي شجعتها ودعمتها وزارة الداخلية وأجهزة الأمن السرية والعلنية، حيث وُجدت صحف “المواطن السياسي” و”الموعد السياسي”.. إلخ لمنافسة صحف أحزاب المعارضة التي كانت حينها واسعة الانتشار ك”الاتحاد الاشتراكي” و”العلم” و”لوبينيون” و”البيان”.. نفس التجربة تتم إعادتها الآن بنفس التفاصيل في “سوق” النشر الإلكتروني، مع فارق واحد هو أنه لم تعد هناك صحافة للمعارضة أو مستقلة لمنافستها بل فقط لتمييع السوق.
طبعا إن ثمة هدفين من هذا التمييع: تشجيع ممارسة مُنحرفة في النشر، من خلال مدها بوسائل الاستمرار، والتغاضي عن جرائمها في النشر من النوع “الصغير” (السب وال%