المجاراة والتوجيه: فنّ البقاء في موقع المتواضع في القيادة الأكاديمية

بقلم الدكتور محمد محاسن 

بقلم الدكتور محمد محاسن 

الملخّص

تشكل فكرة «المجاراة /Follow والتوجيه /Lead» كما تقدّمها البرمجة اللغوية العصبية (PNL) إحدى الركائز الاستراتيجية للقيادة الأكاديمية المعاصرة. يقوم هذا النهج على اعتماد موقع المتواضع (Position Basse) طوال مسار التواصل، بدءاً من لحظة الإصغاء إلى لحظة التوجيه، بما يتيح بناء علاقة ثقة راسخة، وتعزيز التعاون، وتفادي مقاومة التغيير. تسعى هذه المقالة إلى إبراز الأسس النظرية والتطبيقات العملية لهذا الأسلوب، مع بيان أثره في ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على الشراكة والإبداع ضمن منظومة الحكامة الجامعية.

توطئة

ليست القيادة الأكاديمية مجرّد توزيع للمهام أو ممارسة للسلطة الإدارية؛ بل هي قبل كل شيء فنّ رفيع لبناء العلاقات وصناعة التأثير الأخلاقي الرشيد. وفق مبادئ البرمجة اللغوية العصبية، يعدّ بناء العلاقة (Rapport) شرطاً أساسياً لأي تواصل فعّال ومثمر (Dilts, 1990).

والقائد الأكاديمي الحقّ هو الذي يحافظ على الموقع المتواضع حتى وهو بصدد توجيه غيره؛ إنه ينصت ويتفهّم ويقترح بروح تشاركية لا بروح فرض أو إملاء. أما الموقع المتعالي (Position Haute)، بما يوحي به من استعلاء ورغبة في السيطرة، فيولد شعوراً بالانزعاج لدى المخاطَب، ويغلق آفاق التفاعل البنّاء ويقوّض الثقة (Bandler & Grinder, 1982).

أولاً: المجاراة – منفذ إلى خريطة العالم لدى الآخر

المجاراة هي الخطوة الأولى نحو فهم الآخر والاقتراب من خريطة تمثّله للواقع. وتتأسس على:

 

الإصغاء التفاعلي الذي يقْبل وجهة نظر المخاطَب دون اعتراض أو تصحيح.

✓ تفكيك منظومته المعرفية والقيمية لفهم دوافعه واستراتيجياته التي تحكم سلوكه وردود أفعاله (Mahassine, 2016).

✓ تهيئة مناخ نفسي آمن (Edmondson, 2019) يتيح التعبير الصادق عن المشاعر والتطلعات دون خوف أو تحفظ.

في هذه المرحلة، يفسح القائد المجال للطرف الآخر ليقود الدفّة، وهو ما يعزز ثقته بنفسه ويهيئ أرضية صلبة لبناء علاقة متينة.

إطار توضيحي – مسار المجاراة والتوجيه في موقع المتواضع

1– المجاراة: الإصغاء بعناية، تثمين ما يطرحه الآخر، وإعادة صياغته بما يعكس الفهم.

2-  إعادة الصياغة: تلخيص ما قيل وإبراز النقاط الإيجابية، ثم مدّ جسر نحو الهدف المنشود.

3- التوجيه: اقتراح حلول قابلة للتجريب والتحسين، ودعوة الآخر إلى المشاركة في البناء المشترك، مع الحفاظ على متانة العلاقة.

مفتاح النجاح: البقاء في موقع المتواضع عبر جميع المراحل، لتفادي أي إيحاء بالهيمنة أو الإكراه.

ثانياً: التوجيه مع الحفاظ على الموقع المتواضع

بعد أن تُبنى علاقة قائمة على الثقة، ينتقل القائد إلى مرحلة التوجيه من دون مغادرة الموقع المتواضع:

إعادة صياغة كلام المخاطَب مع التركيز أولاً على النقاط الإيجابية.

✓ عرض الاقتراحات بروح تشاركية، لا بصيغة أوامر.

تشجيع الطرف الآخر على تجريب الحلول، ومواصلة تحسينها وتبنّيها حين تثبت نجاعتها.

هذا الانتقال الأنيق يجنّب تقْويض العلاقة ويُبقي الحوار مفتوحاً، ويجعل سلطة القائد سلطة معرفة وإلهام لا سلطة فرض وإخضاع(Mahassine, 2016).

إطار توضيحي – الموقع المتواضع والحكامة الجامعية

إن التزام القائد بموقع المتواضع في السياق المؤسسي يعني إشراك جميع الفاعلين – من أساتيذ باحثين وطلبة وإداريين وشركاء خارجيين – في صياغة القرارات وصناعة التوجهات الكبرى للمؤسسة. إنه نهج يعزز شرعية القرارات وييسر تنفيذها.

أما النهج الفوقي المحض (Top-down)، فيؤدي غالباً إلى مقاومة القرارات، وتراجع الدافعية للمشاركة، بل قد يفضي إلى توترات تمسّ انسجام الجسد الجامعي وتضعف فعالية الإصلاحات.

ثالثاً: مكاسب هذا النهج على الحكامة الجامعية

إن اعتماد هذا الأسلوب في قيادة المؤسسات الأكاديمية يحقق جملة من الفوائد، منها:

✓ تعزيز انخراط الأساتيذ والطلبة في مشاريع المؤسسة وبرامجها.

✓ تقليص النزاعات والاحتكاكات المصاحبة لمسارات الإصلاح.

✓ تحسين الأداء الجماعي بفضل وضوح الرؤية وتوافق القرارات.

✓ ترسيخ ثقافة الثقة التي تفتح المجال أمام الإبداع والابتكار المستمر (Senge, 1990).

عود على بدء

إن المجاراة والتوجيه مع البقاء في موقع المتواضع يحوّلان العلاقة الهرمية إلى فضاء شراكة وتشارك حقيقي. ويغدو التواصل أشبه برقصة متناغمة، يتبادل فيها القائد وفريقه الأدوار في انسجام رشيق، فيبعث ذلك الطمأنينة ويؤسس لثقة متبادلة وتعاون دائم.

إن هذا النهج يرسّخ حكامة جامعية أكثر إنسانية واندماجية، تمكّن المؤسسة من الجمع بين التميز الأكاديمي، والابتكار، والوئام الداخلي.

 

 

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد