بقلم الدكتور محمد محاسن
كنت قد قررت التوقف مؤقتاً عن الكتابة والنشر، كما يستريح المحارب بعد طول جهد، غير أن ما بات يستفز العقل والذوق معاً في واقع جامعاتنا أعادني إلى القلم، لا بدافع التنظير، بل إحساساً بالمسؤولية الفكرية.
أتحدث هنا عن ظاهرة متفشية باتت تهيمن على مشهد احتفالات التخرج أو ما يُسمّى احتفالات التميز في جامعاتنا. والحديث ليس اعتراضاً على مبدأ الاحتفال في حد ذاته، بل على كيفيته ومضامينه، وعلى الانزياح الحاصل في فهم معناه ووظيفته.
الاحتفال بالنجاح سلوك إنساني نبيل، لأنه يعبّر عن إدراك الفرد أو الجماعة لقيمة ما أنجزته، ويكرّس وعياً إيجابياً بالذات، ويقوي الثقة، ويمنح دفعة نفسية نحو أهداف أكبر. حتى أبسط مظاهر الاحتفاء الرمزي، كهديّة صغيرة للنفس أو تغيير بسيط في الشكل، يمكن أن تخلّف أثراً عميقاً في النفس، لأنها تذكّرنا بما حققناه، في واقع يسهُل فيه تذكّر الفشل ويُنسى فيه النجاح.
لكن ما أثار انتباهي، بل استيائي، هو الانحراف الخطير الذي أصبحت تأخذه هذه الاحتفالات، حيث تحوّلت من طقس أكاديمي يحتفي بالمعرفة والعقل والجهد، إلى مهرجانات للضحك السهل والرداءة المبتذلة.
أذكر هنا مثالاً صارخاً: احتفالات التخرج بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، والتي لم تكن استثناء، بل حلقة ضمن سلسلة حفلات مماثلة في جامعات مغربية عديدة، تُستدعى فيها فرق الشيخات، ومهرجون، ومغنون يعبثون بالذوق دون أن يكون لهم صلة لا بالعلم، ولا بالجامعة، ولا حتى بالفن الراقي.
إننا أمام خلط خطير بين مجال الجد ومجال الهزل. الجامعة ليست ملهى ليلياً، ولا ساحة للرقص والتسلية. إنها مؤسسة يفترض أن تحمي القيم العليا للمعرفة، وتكرّم مجتهديها بما يليق بمقامهم. فأي رسالة نرسلها للطلبة الجدد عندما يرى الخريج يُحتفى به على أنغام “الدقايقية” وهرج “الشيخات”؟ وأي نموذج نكرّسه لطلبة الغد؟
ليست الشيخات عالِمات ذرة، ولا المغنون الشعبيون مخترعي بطاريات، ولا المهرجون صانعي مستقبل. مكانهم محفوظ ومحترم، لكن خارج أسوار الجامعة.
في المقابل، هناك نماذج ملهمة من جامعات العالم التي تتقن فن الاحتفال دون أن تتخلى عن رمزيتها.
جامعة هارفارد مثلاً، دعت بيل غيتس لإلقاء كلمة في حفل تخرجها، لأنه يمثل رمزية الإنجاز والمعرفة والتأثير العالمي.
جامعات أوروبية وأمريكية أخرى تستدعي علماء، مخترعين، رجال فكر، فنانين مبدعين، رجال أعمال ناجحين — لا ليؤدوا عرضاً، بل ليلهموا الطلبة، ويشحذوا عزيمتهم، ويثبتوا أمامهم أن النجاح الحقيقي ممكن.
هكذا يجب أن نحتفل.
يجب أن نرتقي بالاحتفال ليصبح امتداداً للدرس، لا قطيعة معه. لحظة تكريم لا لحظة إهانة رمزية للعقل. أن نثبت للطلبة أن الجامعة لا تنفصل عن واقعهم، ولكنها أيضاً لا تنزل إلى مستواه حين ينحدر.
إن ما نطمح إليه هو بناء جامعة مغربية تفتخر بكفاءاتها، وترتقي باحتفالاتها، وتكرّس تميزها العلمي والمعرفي. جامعة تصنع النماذج، لا تستهلك التفاهة. جامعة لا تنسى أنها تصنع قادة الغد، لا متفرجين في مسرح العبث.
ولكل من يُصِرّ على تحويل الجامعة إلى ساحة فرجة، نقول كما قال أفلاطون: “إن فنكم جميل، لكن مكانه ليس هنا