منطـق غـريب عـن السلوك الديمـقراطـي

الاستاذ :عبد الله الفردوس

كعادتها تجـاه بعــض المــؤسسات الحساسة، قامت الحكـــومة، مرة أخرى ومـن جـديد، بوضـــع تصــريحات والـي بنـك المغرب، السيد عبد اللطيـف الجواهري، مــوضع المساءلــة و”التـدارس” و”المـراجعة”..

والمناسبـة، هـذه المـرة، مرتبطة بما أدلـى بـه السيد الجواهري، خـلال اللقــاء الصحفي المنظــم على هـامش الاجتماع الفصــلي لبنـك المغرب، حيث أفــاد الجواهري بـأن مؤسسـته تتـوقع أن يتراجـع النمو الاقتصــادي إلى مستويات مخيفــة، بعـد تأخر التساقطات المطرية، وما رافق ذلــك من مؤشرات تفيد بأن نسبة النمو، خلال السنة الجارية، يرجح ألا تتجـاوز 1 بالمائــة.

فما أن كشف المسؤول المذكور عن هــذه التوقعات حتى تحركت الكتائب السياسية والإعلامية الموالية أو المقربـة من “البيجيـدي” لإطلاق سهامها تجاهـه و”محاكمــته”، كما كان سائدا في القرون الوسطى.

وفي شبـه تمهيد لانطلاق هذه الحملــة، سارع الناطق الرسمي باسـم الحكومـة إلى التأكيد أن هـذه الأخيرة قـررت “تكليف وزارة المالية بإعـداد تقرير مفصـل قصـد دراسة وتقييـم المعطيات التي أعلن عــنها مجـلس إدارة بـنك المغرب”.

إن الملاحظ هو أن اصطناع مثل هذه المواجهة لم يكن بالشيء الجــديد أو المفاجئ، فقد حــدثت حالات سابقة مـع بنك المغرب ومــع مؤسسات دستورية أخرى، كالمندوبيــة السـاميــة في التخطــيط  والمجلس الوطني لحقــوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الاستشاري لشؤون المهاجرين،… وذلك بالرغـم من أن ردود و”حجــج” وتـذرعات الحكومــة تفتقــد للأدلة المقنعـــة والجـدية، حيث إن الحكومة، والأوساط التي تجندت معهـا، لم تــدل بما يمكن أن يــدعم التشكيك أو الطعــن في المعطيات والتوقعات التي أعلن عنهـا في الندوة الصحفية للبنك المركــزي، والتي لم تكــن سرا،  ولا بعيدة عـن الواقع الذي يعرفــه الجميع.

فقــد سبق لعـدة دراسات ومؤسسات وطنية ودوليــة أن وقفـت بــدورها على العناصر والمؤشرات التي تجــعل الاقتصاد المغربي يصاب، هذه السنـة، بنكسـة في نمــوه وفــي أدائـه، وخـاصة فـي الشـق الفلاحـي منـه.

فمنــذ صيف السـنة الماضية، وحتى قبل تأكــد معطـى الجفـاف، توقع المنـدوب السامي للتخطيط، خلال ندوة صحفيـة، أن يتــراجع النمو الاقتصادي للمغرب في السنة الحاليـة. ومن أهم العناصر التي اعتمـد عليها، في توقعاتـه، استمرار نهــج نفس السياسة المالية التي عملت وتعمــل بها الحكومـة، مـع استحضـار عنصر ارتفـاع الدين العمـومي الإجمالي لينتقل إلى 6،79 بالمائة.

والى جانب المؤسسات الوطنية والأجنبية، فإن الأوساط الاقتصاديـة وأرباب المقــاولات يعبرون، من جهتــهم، عن قلقــهم من الوضعيـة والمنـاخ السائدين في مختلف المجالات الاقتصادية والإنتاجية، ففي تقرير، صدر نهايـة السنة الماضية، يعتبر المصنعون بأن منـاخ الأعمال أصبح “غير مـوات” في مجمــوع فروع الأنشطة، باستثناء الصناعات الغــذائية، وأن نفقــات الاستثمار سجلت ارتفــاعا كبيــرا في مجموع الفـروع الصناعية، باستثناء فرع النسيــج والجلـد. وإلى جانب هـذه المعطيات ينضــاف القلــق السـائد في قــطاع العقــار بفـعل أزمة الانخفــاض في الأوراش والمشــاريع العقاريــة.

وبطبيعة الحــال فالظرفية غيــر المواتية كهاتــه لا يمكن إلا أن تضـع الآلاف من المقاولات المغربيــة أمام مصير مجهــول، وأن تدفــع بها نحــو الإفلاس التــام، وعلى هذا المستوى أيضا تذهب التوقعات إلى أن عــدد المقاولات المرشحة للإفلاس، خلال السنة الجارية، سيرتفـع بنسبة 15 بالمـائة عن العــدد المسجل في السنة الماضية، إذ أن أرقام مـؤسسة “كوفـاص للتأمينات” تشير إلى أن العـــدد سيصـل إلى أزيد من 6800 مقاولة.

وتذهب أوساط الباطرونا، والدراسات الصـادرة عـن بعض المؤسسات المهتمة بالاقتصاد الوطني أو المرتبطة به أوتوماتيكيا، ومنها “انفـو ريسك”، إلى الربط بين حالات الإفلاس المتـزايدة والصعوبات القائمة وبين تـأثيـر وأضرار تأخر الأداء من طرف الإدارات الحـكومية.

وهكــذا، وعوض أن ينكــب الماسكــون بتدبيــر الشأن العام على البحث عن بواعث وأسباب التراجعات والهشاشـة التي تطبـع الظرفية الاقتصادية الحالية، تراهم يمطرون كل من خالفهم التقييـم، أو نبـه وحـذر من الاختـلالات وسـوء التدبير ومن خطورة الأوضاع الاقتصادية، بوابـل من التشكيـك ومـن الاتهامات المجانيــة. وكأنهم بذلــك يمكـنهـم التغلــب على هــذه الاختلالات وعلى التأخــر الحاصل فــي “تفعيــل وتســريع كافــة الإصلاحات” وفي “إعادة النظــر في طريقـة إعداد وتنفيــذ مختلف الإستراتيجيـات القطاعيــة”، كما نبــه إلى ذلـك والي بنـك المغرب مـنذ يونيـو 2014.

إنه سلــوك أقـل ما يمــكن أن يقال عنــه إنـه بعيد وغريب عن السلــوك الديمقراطي، وعن قواعد احتـرام المؤسسات، وعن منطـق التعاون والتكامــل بين المؤسسـات الدستـورية.

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد