ريتاج بريس: حوار محمد الدريهم
تزخر منطقة البحر الأبيض المتوسط بمجموعة لا مثيل لها من مواقع التراث الثقافي ذات المستوى العالمي وثروة من التقاليد. كما تعد نقطة ساخنة للتنوع البيولوجي والجغرافي، وموطنا للعديد من الموائل والأنواع الفريدة. ولقد أعطى هذا البحر القديم الذي نعيش حوله للعالم أعظم حضاراته، وأقدم أكاديمياته وجامعاته، وأوائل المسرحيين والفلاسفة، ومراكز التجارة الأكثر شهرة.
لهذا الغرض, أقرت و بالإجماع جميع الدول الأعضاء في الاتحاد من أجل المتوسط يوم 28 نونبر من كل سنة يوما للمتوسط و ذلك سنة 2020 ليكون يوما لخلق زخم سنوي فريد لإبراز قصص التعاون الإيجابي في المنطقة فضلا عن التذكير بأننا جميعًا نتشارك هوية متوسطية، إذ أن البعد الثقافي يمثل عنصرا مهما يعبر عما نكون ومن أين أتينا.كما أن هذا اليوم يوفر فرصة لإطلاق المشاريع والمبادرات وإقامة الفعاليات والموائد المستديرة والمعارض والمهرجانات في جميع أنحاء المنطقة لتعزيز الروابط بين ضفتي المتوسط، والتبادل بين الثقافات ولاحتضان التنوع.
تخليدا لهذا اليوم, كانت مدينة برشلونة الاسبانية يوم الخميس 24 نونبر 2022 الفارط على موعد مع انعقاد الدوة السابعة للمنتدى الإقليمي للاتحاد من أجل المتوسط حيث التأم وزراء خارجية 42 دولة منضوية تحت لواء الاتحاد حيث أكدوا على ضرورة تكثيف التعاون بإدراج البعد و التكامل الإقليمي لمواجهة معدلات البطالة المرتفعة، وحالة الطوارئ المناخية، والنمو غير المتوازن في منطقة تعاني من تداعيات الحرب في أوكرانيا . كما صادق وزراء خارجية الاتحاد من أجل المتوسط على إعلان وزاري بشأن انضمام مقدونيا الشمالية إلى الاتحاد من أجل المتوسط، مرحبين بالدولة العضو الجديدة في المنظمة و تم عقد اجتماع وزاري بين الاتحاد الأوروبي والجوار الجنوبي في برشلونة عقب المنتدى الإقليمي للاتحاد من أجل المتوسط.
للمزيد من المعلومات عن أشغال هذه الدورة التي حظرها ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي و عن أهم النتائج التي تم التوصل اليها و الإلتأم حولها , إتصلت جريدة “ريتاج بريس” بالدكتور عبدالقادر الخصاصي, نائب الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط المكلف بالاقتصاد و التشغيل و أجرت معاه الحوار التالي
ما هو الهدف من المنتدى الإقليمي للاتحاد من أجل المتوسط؟
د. عبدالقادر الخصاصي: الاتحاد من أجل المتوسط (UfM) هو منظمة حكومية دولية إقليمية تتألف من 43 دولة عضو، بما في ذلك 27 دولة من الاتحاد الأوروبي و 16 دولة من جنوب وشرق المتوسط. تأسس الاتحاد عام 2008، ويعمل باستمرارلتحقيق التكامل الإقليمي والسلام والازدهار المشترك.
يعقد الاتحاد من أجل المتوسط اجتماعات منتظمة على جميع المستويات، وتعد الاجتماعات الوزارية فرصة لتقييم النتائج وتحليل الوضع الحالي والاستراتيجي، فضلا عن رسم أهداف جديدة.
يعد المنتدى الإقليمي السابع (الاجتماع السنوي لوزراء الخارجية) للاتحاد من أجل المتوسط، الذي عقد في 24 نوفمبر 2022 ببرشلونة، خطوة جديدة نحو تكثيف التعاون والتكامل الإقليميين لمواجهة تحدياتنا المشتركة الحالية والمتمثلة خاصة في ارتفاع معدلات البطالة وحالة الطوارئ المناخية والنمو غير المتوازن في المنطقة وهي مشاكل تفاقمت مؤخرا بشكل أكبر بسبب الوضع في أوكرانيا.
في ظل الوضع الحرج الذي يشهده العالم جراء جائحة كوفيد والحرب في أوكرانيا وموجات الجفاف المسجلة في كل مكان، ما هو تقييم الاتحاد للوضع في منطقة المتوسط؟
د. عبدالقادر الخصاصي: تحاول منطقة المتوسط اليوم التعاطي مع التطورات والوقائع الطارئة التي أثرت بشدة على بلدان المنطقة الخارجة من الربيع العربي لتواجه وباء كوفيد-19 وتحديات الوضع في أوكرانيا بجانب تداعيات تغير المناخ وأزمات الطاقة و غيرها.
كما أثرت جائحة كوفيد-19 بشدة على النمو والتنمية الاقتصادية في المنطقة وخاصة الشركات الصغرى الصغرى والمتوسطة( MPME) والتي تعد ناقلا أساسيا للتنمية الاقتصادية والنمو و التوظيف.
بالنسبة لاقتصادات جنوب المتوسط، تمثل الشركات الصغرى والمتوسطة ما يصل إلى 90-95 ٪ من جميع الشركات المسجلة وهي المورد الرئيسي للوظائف وللمستويات الاقتصادية.
وواجهت التجارة وسلاسل القيمة الإقليمية اضطرابات مع تنامي التحديات الخاصة بتيسير التجارة البينية وتشجيع الاستثمار نتيجة الوضع في أوكرانيا وعواقبه الوخيمة على تجارة الأغذية الزراعية وانعدام الأمن الغذائي في المنطقة، لاسيما وأن بلدان المنطقة هي من بين أكبر المستوردين للمواد الغذائية الأساسية في العالم في حين تعتبر روسيا و أوكرانيا من أكبر المصدرين للحبوب و القمح.
وإذا كانت هذه الأزمات تشكل واقعا حرجا بالفعل، فإن تغير المناخ لا يزال يمثل أخطر تهديد وجودي على سبل عيشنا والحياة على كوكبنا، إذ ترتفع درجة الحرارة في حوض المتوسط بنسبة 20٪ أسرع من المناطق الأخرى في العالم.
ومن ثم، فإن بلدان المتوسط تجابه اليوم تحديات مشتركة في مجال الطاقة والمناخ مما يتطلب مستوى عالٍ من الاستجابة متعددة الأطراف والإجراءات الجماعية.
ماذا عن النتائج الأولى لأعمال المنتدى الإقليمي السابع للاتحاد من أجل المتوسط التي يمكنها الاسهام في تجاوز هذا الوضع المقلق؟
د. عبدالقادر الخصاصي: قدم الوزراء في كلماتهم عرضا شاملا لتقييم وتحليل الوضع الإقليمي وتأثير الأزمات على مجالات العمل الخمسة ذات الأولوية، المتفق عليها بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لعملية برشلونة في عام 2020، وهي العمل البيئي والمناخي، والتنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة والشاملة، والإدماج الاجتماعي والمساواة، والتحول الرقمي والحماية المدنية.
وفي هذا السياق، اقترحوا حلولا على المستوى الإقليمي في ضوء التطورات التي حدثت بين عامي 2021 و 2022. ووافق الوزراء على عضوية مقدونيا الشمالية في الاتحاد من أجل المتوسط، في خطوة تؤكد اهتمام دول المنطقة بمنظمتنا وتمثل شهادة ضمنية لدور الاتحاد البارز في المنطقة.
كما أكدوا على أهمية الشراكة في إطار الاتحاد من أجل المتوسط، في ظل السياق الحالي المتقلب والمعقد جيوسياسيا، مقرين بأن الحوار والتعاون باتا أكثر أهمية من أي وقت مضى لخلق بيئة سياسية مواتية لحل النزاعات والتوترات السياسية التي تؤثر على أعضاء الاتحاد من أجل المتوسط.
كما تحدثوا عن ضرورة مضاعفة الجهود لحل النزاعات والأزمات التي طال أمدها والتي تحرم المنطقة من حقها في السلام والاستقرار حيث أبرز العديد من الوزراء بشكل خاص الواقع الجديد الناتج عن الوضع في أوكرانيا، مسلطين الضوء على العواقب واسعة النطاق على ضفتي المتوسط، ولاسيما التضخم واضطراب تدفقات التجارة والطاقة، ونقص الغذاء والإمدادات، مما أدى إلى تفاقم الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب.
من جانب آخر أقر الوزراء أيضا بأنه لن يمكن تحقيق نتائج حقيقية فعالة وسريعة إلا من خلال التكامل الاقليمي، خاصة عن طريق التحالفات المشتركة الشاملة في منطقة المتوسط على المستويات السياسية والاقتصادية، بغية التغلب على العوامل المزعزعة للاستقرار.
كما أكد الوزراء بأن المنطقة توفر العديد من الفرص للتجارة والاستثمار والشراكات في مجالات مثل العمل المناخي/ الانتقال الطاقي، والتحول الرقمي والاتصال.ووافقوا في هذا الصدد، على إطلاق المبادرة الإقليمية “عواصم الثقافة المتوسطية” والتي بموجبها سيتم في كل عام، اختيار مدينتين من شمال وجنوب المتوسط من قبل البلدان الأعضاء في الاتحاد (43 دولة) كعاصمتين للمتوسط، من أجل تكثيف الفعاليات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية وتسليط الضوء على تراث المدن والتفاهم المتبادل بين الضفتين.
ونوقشت على نطاق واسع موضوعات مهمة أخرى مثل الشباب والتوظيف وكذلك وضع المرأة، إذ تم التأكيد على أهمية الإعلان الوزاري للاتحاد من أجل المتوسط حول التوظيف والعمل الذي تم اعتماده بمراكش في مايو الماضي والذي ركز على التشغيل وإمكانية التوظيف للفئات الأكثر ضعفاً، ولا سيما الشباب والنساء.