منتهى العيداني ….
ليست كروايات كثيرة قرأناها التي يعتمد كاتبها على السرد المتسلسل زمنيا والشخوص الواضحة الملامح والأحداث المتصاعدة والنهاية الواضحة.
انها رواية من نوع آخر اعتمد كاتبها على لغة ثرية بالمعاني والمفردات الشعرية لوصف حالات انسانية ذاتية في زمن الحرب لشخوص غير محددة المعالم تناول جانباً مهماً فيها سيده (الشهوة) .
أيقنت ان فوضى الحرب تخلف شهوة لا مسؤولة)صفحة29 )
تكاد تكون مركز الدائرة الذي تحوم حوله الرواية برمتها.
لا بطل في الرواية. كل الشخوص حملت همها وراح الكاتب يصف لنا لوعة التيه الذي تعيشه بصوره تبعث على الدهشة (فوضى في عقلي، فقدت القدرة على التركيز، ممزق تحت وابل الدمار الذي تخلفه الحرب، ابدو نموذجاً لعالم صغير يتقاسمه الموت والعذاب، الفراق يوصلني الى الهروب، ادمن الدمار والشهوة على نحو غير مألوف).
ان الكاتب لم يأتِ بشيء من الخيال بل هي صور واقعية جداً لدرجة انه لم يتردد في وصف مشاهد يمكن وضعها تحت طائلة الإباحية كما في الافلام السينمائية ليثبت فظاعة التناقضات التي يعيشها المجتمع بين الظاهر والمستور. وربما كان هذا تحدياً منه ليثبت مقدار ما وصل اليه المجتمع من انحدار هو نتاج لسنوات طويلة سبقت الحرب حينما اشار على لسان احدى شخوص الرواية (في يوم الأثنين الماضي عرفت أن امي وابي مطلقان منذ ثلاثة عقود، لكنهما يعيشان تحت سقف واحد، يمارسان أثمهما بدون ارتباطات حياتيه مألوفة) … والطلاق هنا هو رمزي بالضرورة لحال المجتمع نمارس هوانا دونما اعتبار للعوائق) صفحة )78.
لقد تناول الكاتب كل أنواع الرذيلة التي يمكن ان يعيشها المجتمع لمختلف العلاقات والمستويات.. ولا انكر هنا ان القارئ سيلاقي صعوبة في الإمساك بالأحداث والشخوص في سياق الأسلوب التعبيري الذي استخدمه الكاتب للولوج في بواطن شخصياته مسترسلاً دون عوائق تمنعه من الوقوف عندها.. لقد اراد وبإصرار ان يكون روائياً مختلفاَ …… وقد كان بالفعل….. ولا يمنع هذا من أنه كانت له اشارات واضحة لما يجري على الأرض حتى وأن كان حلماً كبدايته مع (شارلمان) رمز الغرب الذي جاء يمتشق سيفه متوجهاً نحو الشرق يسأل عن بغداد وهارون الرشيد كأنه يحمل ثأراً قديماً من حضارة امتدت لألف عام مضى ….. وما لبث ان رآه قد ارتدى زياً محلياً في أشارة الى ان الحرب ستأخذ مساراً آخر فيما بعد الصواريخ…. وهي رمزية عالية الجودة تمكن منها الكاتب.
كما انه لخص حال نظام التعسف الذي عاش الناس في ظله (طال غياب أبي القسري، وبقي الرجل العابر يدخل بيتنا خلسة……………………. كان على والدي الالتحاق بفصائل تزج في الحرب عنوة، استهدفته ضغائن حامت حوله، كابد طويلاً للتملص منهم لكنه رضخ اخيرا على مضض حين أعيته الحيلة، يبدو أنها طريقة سهلة للتخلص منه)صفحة31. )
وسط هذا الظلام والعتمة التي تعيشها شخوص الرواية يضع لنا الكاتب نقطة ضوء يحاول أن يتبعها للخروج بشخوصه مما هي فيه (تداهمني نزعة روحانية)صفحة41.)
أقتفي خطى الحق بطواعية تبتكر تمرداً على أبي المستبد لتخلق عندي أجناساً متفاضلة)صفحة42. )
العلاقة القوية بالأرض والجذور حين يكتب قد يكون كبر سني حد من البصر، لكني كنت متأكداً ان النخلة مازالت موجوده، حيث زرعتها قبل أربعين عاماً، حملتها داخلي مثل مشكاة لا تعرف الأعياء) صفحة91. )
ان رحلة البحث في رواية (توما هوك) قد تطول كثيراً والقارئ يتعثر بأصداف ملونة جميلة وغريبة يقلبها ليتعرف على مزاياها وجمالياتها. فقد ملئ الكاتب شاطئ الأدب الروائي بالكثير منها والتي تحمل دلالات ورمز لا يتسع المقام هنا للتفصيل في فحواها.
كل ما يمكن قولة ان الرواية هي أضافة جديدة ومهمة للأدب الروائي العراقي