بقلم: الباحث: عمران عبد العالي
ما ان تطأ قدماك ضريح سيدي محمد بن عيسى بمكناس حتى تلمح عيناك فرقة ذات شعر طويل “السوالف”، ينقرون على “الهراز”، ويرتدون لباسا مرقعا؛ هي طائفة هداوة بدون شك.
فمن هي هذه الطائفة؟ والى أي ولي تنسب؟ وما هي مبادئها؟ ما علاقتها “بالكيف”؟ وما سبب التصاق هذه القولة بطائفة هداوة” الهداوي ما يخدمش والا خدم ما يربحش”؟
تنسب طائفة هداوة الى سيدي هدي أو كما عرف عند العامة ” الولي مول السبسي”، ينتمي لعائلة فقيرة، عاش حياته متنقلا من مكان لآخر، حيث كان يعيش على الصدقات وتدخين “الكيف” باستمرار، وقد التف حوله مجموعة من الشبان تأثروا بفكره وطريقة عيشه وتعبده.
أسس هذا الولي زاوية سميت بزاوية هداوة ببني عروس، وعند وفاته خلف هذا الولي ضمن أغراضه سبحة و ” سبسي ” بطول مترين، لكن سنتساءل حول مدى صدق هذه الرواية؟ حتى لو لم نجب على الاقل سنتيح للقارئ فرصة التأويل، فكيف يعقل أن يكون ” عود السبسي” بطول مترين.
زعم الكثير من الباحثين على أن ممارسات هداوة هي امتداد لطقوس وثنية ممزوجة بلون اسلامي.
ما يلفت الانتباه في هذه الطائفة أنها تمقت العمل وتناهضه؛ فالهداوي يعيش بالتسول وطلب الصدقات في الاسواق و المساجد، حتى أنهم اتخذوا شعارا خاصا بهم في هذا الصدد ” الهداوي ما يخدمش والا خدم مايربحش”.
سنتساءل ونتساءل لعل في السؤال اجابة، ما سبب اعراضهم عن العمل؟ هل هو كسل لا غير؟ أو ان لهم تفسير آخر لمفهوم العمل؟
في محاولة للاجابة عن هذه الاشكاليات، لا بد والرجوع الى تصوف العصر الوسيط، حيث ظهر عبــــــاد وزهــــــاد تخلوا عن الدنيا وملذاتها واختلوا في رباطات وزوايا في الخلاء، بدون مال أو جاه، وفي هذا الخضم قد نجد تأويلا وتفسيرا لعزوفهم عن العمل وعدم اذخار المال، فالملاحظ أن طائفة هداوة تشبعت بفكر أولياء وصوفية العصر الوسيط كمولاي عبد الله أمغار و ابن حرزهم وغيرهم….
لم يكتفي هداوة فقط بالتسول على قارعات الطريق، بل ابتكروا لأنفسهم فنا جديدا زاوج بين تعطير الدكاكين ب”المبخرة”، وتلعيب الحيوانات، وبين نقر “الهراز” والضرب على “الطعارج”. هكذا تجاوز الهداويون التسول التقليدي الى نوع اخر أكثر حركية لكسب قوتهم.
استغل هداوة في فترة من الفترات عدم وجود الماريستانات ( المستشفيات) في القرى والدواوير البعيدة عن نفوذ المخزن، ليمارسوا بها الطبابة؛ فقد ادعوا أنهم يداوون السعار والجهل، و لدغات العقارب والأفاعي عبر البــــركة الهداويـــــــة، وقد لجأ اليهم الناس وارتموا في أحضانهم لكي يضعوا لهم “الحروز و السبوب” التي تمنع في نظرهم من دخول العقارب والافاعي السامة الى بيوتهم.
الجذير بالذكر أن هذه الطائفة تقبل حتى النساء في صفوفها و اللواتي يسمين ” الهداويات” أو ” البوهاليات”، وتجتمع هذه الطائفة برجالها ونسائها في مغاراة أو أماكن مهجورة لكي تدخن “الكيف”، فلا يمكن للهداوي أن يفتي في نازلة ما بدون ” كيف”، فهو في نظره يأخذه من عالم الظاهر الى عالم الحقيقـــة و الحكمـــة.
اذا فما علاقة هذه الطائفة بزمن السيبة؟ هل يمكن القول أن طائفة هداوة هي وليدة زمن السيبة؟ و ما صحة ادعاءات كونهم كانوا جواسيس في عهد الحماية؟