بقلم : إدوارد فيسترمارك
ترجمة ذ. جواد اشطيطح
-1-
على المستوى النظري، من الواضح أن هناك فرقا بين فألٍ وسبب سحري، فالأول يشير إلى حدث مستقبلي، أما الآخر فينتجه. في كلتا الحالتين هناك تعاقب لظاهرتين، أ و ب؛ أما في الحالة الأولى ف ب يحدد أ، بينما يكون محدد ب هو أ في الحالة الثانية. لا يمكن أن يكون هناك فأل حقيقي دون أن يعقبه الحدث المتنبأ به، إلا أنه يمكن لنفس الحدث أن يقع دون سابق فأل. من جهة أخرى، من الممكن جدا أن يوجد شيء بإمكانه إصدار تأثير سحري أن يمنع وقوع الحدث بطريقة أو بأخرى، إلا أنه ليس هناك تأثير سحري دون سبب. ومع ذلك، في كل من التكهنات والسببية السحرية هناك تعاقب لظاهرتين، حيث يكون من المستحيل تحديد ما إذا كان الحدث اللاحق حدثا مناسبا أم لا. يعتبر ذلك بالطبع نتيجة لسبب ما إذا كانت الظاهرة السابقة، أ، فعل يؤدي لوقوع الحدث. قد يُنظر إلى هذه المسألة إلى حد ما في نفس الضوء إذا كان أ شيئا يُعتقد عموما أنه يمتلك طاقة سحرية. ويقال أيضا أن أ ليس فألا حقيقيا إذا كان منع حدوث ب ممكنا، على سبيل المثال، عندما ينذر نعيق بومة بالموت الذي قد يُدرأ إذا طردت البومة أو قتلت.[1] ويمكن القول بأن الفأل قد يكون مشروطا، فقد يشير إلى وقوع حدث في المستقبل في ظروف محددة فقط؛ عندما يستهل شخص رحلته هناك العديد من الفؤول التي تنذر بسوء الحظ في حالة استمراره، لكن ليس في حالة عودته أدراجه. ومع ذلك، حتى في مثل هذه الحالات ربما يكون هناك مفهوم غامض للعلاقة السببية. علينا ألا نتوقع أن نجد فكرا واضحا حول موضوع ذي أهمية عملية للأشخاص المعنيين لا غير. المهم هو تسلسل الأحداث وليس طبيعة علاقتها.
في المغرب تنعكس هذه الحيرة في مصطلحات اللغة: تستخدم كلمة فال أو فأل للدلالة على التأثير السحري والفأل معا.[2] في الكتابات العربية الفأل عبارة عن قول، فأصبحت كلمة تعني فأل خير، على الرغم من أنها كانت في الأصل ذات مغزى أوسع؛[3] آمن النبي بالفأل الحسن الذي هو عبارة عن كلمات، إلا أنه أوصى أتباعه بأن يؤمنوا أيضا بالفأل بالقبيح.[4] يتحدث المغاربة عن الفأل الحسن والفأل القبيح على حد سواء، ويستخدمون فعل “فلّل” للدلالة على كلا النوعين. فإذا ما أنذر أحدهم شخصا بفأل قبيح وحاول هذا الأخير رده على الأول فيقول، “فالك فراسك“؛ أو “فالك فقبّك“؛ أو “فالك فغرزك“.[5] هناك طريقة أكثر عمومية لدرء الفأل القبيح وهي أن تلعنه بقول “الله ينعلها فال“. ويسمى الفأل القبيح أيضا ب “الطيرة“. اكتسبت كلمتا طير وطيرة معنى فأل عموما عند العرب القدماء وذلك بسبب الانتشار الكبير للتكهن بالطيور؛[6] يرجع معنى الفأل القبيح المرتبط بالطيرة أو الطِّيَّرة في الإسلام، [7] إذا لم يكن أصلا بسبب حقيقة أن النبي، حسب كتب التراث، حرم الفأل المستوحى من طيران الطيور وركض الحيوانات.[8] ومع ذلك، لم يلاحظ هذا التحريم بأي حال من الأحوال، كما نوضح ذلك في موضع آخر عندما نتناول مسألة الإيمان بالتأثيرات السحرية و الفؤول بالإضافة إلى الخرافات الأخرى المتعلقة بالحيوانات. يقول م. دلفين (M. Delphin) أن الطيرة في الجزائر نذير شؤم، وهي “تنكشف إما من خلال كلمة تبدو قبيحة، أو من خلال حدث” (se révèle soit par un mot qui sonne mal, soit par un fait).[9] ولكن في المغرب تستعمل كلمة الطيرة على الأقل في مواضع عدة توحي بفكرة التأثيرات السحرية؛ غالبا ما يتم تنزيلها أو تطبيقها أو ربطها بالأفعال المحظورة أو الطابوهات، لأنه من المفترض أن تؤدي إلى وفاة في الأسرة.[10]
حينما نناقش مسألة البركة فإن في العديد من الحالات ولأسباب عدة من المفترض أن ما هو حسن يمتلك طاقة سحرية مباركة. تنسب البركة، أو فضيلة السحر المباركة، إلى كلمات القرآن وكل ما يتعلق بدين النبي نظرا لصلاحه الروحي؛ بينما بركة الحيوانات كالحصان والأغنام، والمنتجات الحيوانية كاللبن والعسل، وأشجار الفاكهة والذرة وغيرها من الأشياء المستحبة، فتعود إلى فائدتها المادية أو طعمها الحسن. في المقابل، تعتبر فكرة “النجاسة”، القوة السحرية المنتجة للشر، نتيجة لمشاعر البغض أو نفور. وتعتبر النجاسة، كما لاحظنا، ضارة بالخصوص بالبركة أو أي شيء مقدس، كما أنها في حالات أخرى مصدر للدنس. التواصل مع كافر نجس قد يكون مدنسا. ذات مرة عندما وصلت إلى منزل زعيم في الأطلس الكبير لم يصافحني مضيفي. في قبيلة عربية في الداخل رفض صبي قبول عملة نقدية عرضتها عليه مقابل خدمة بسيطة. وفي رحلة في حي مراكش، عندما توقفت على ضفاف نهر، أتت امرأة إلى هناك بعد ذلك مباشرة لجلب الماء لكنها ترددت في ما يجب القيام به، لأنها، كما أخبرني خدمي، كانت تخشى أني قد شربت من النهر. اليهود شعب ملعون و قذر جدا؛ “ليهود كول طعامهم لا تنعس في فراشهم“. إذا جامع الرجل يهودية فهو مدنس بذلك إلى أن يستحم أو يتطهر في سبعة أنهار مختلفة من أجل التخلص من الدنس (طنجة).
يعتبر الجماع في حد ذاته مدنسا ويجب أن يتبعه وضوء. لا راحة في نوم شخص لم يطهر بعد الجماع، لأن الجن يترصده والملائكة تهجره. إذا التقى ببركة فإنه لا يفسدها فقط أو يؤذي شخصا أو شيئا مقدسا فحسب، وإنما قد يتأذى هو نفسه.[11] وإذا تخطى شخصا آخر فسيصاب هذا الأخير بالدمل أو مرض آخر نتيجة لذلك (أنجرا، تمسامان). وعليه أن يبتعد عن أنظار أي شخص عضه كلب مسعور، حتى لا يتسبب في تفشي داء الكلب (أولاد بوعزيز). قيل لي في فاس أنه من السيء أن يمارس المرء الجنس الليلة التي تسبق رحلته؛ إلا أني سمعت العكس في طنجة. في البلدة الأخيرة وفي أماكن أخرى من الضروري أن يعقب خروج الدم ثلاثة أيام من كبح الشهوة .[12]
توجد قاعدة صارمة في كل مكان وهي الامتناع عن الاتصال الجنسي مع امرأة في دورتها الشهرية ومع امرأة قد أنجبت طفلا للتو؛ في الحالة الأولى يجب أن يستمر الامتناع عن الجماع لمدة ثمانية أو اثني عشر أو حتى خمسة عشر يوما، وفي الحالة الأخيرة لمدة أربعين أو ستين يوما، على الرغم من أن هذه القاعدة غير ملاحظة دائما. يرجع دم الحيض إلى أكل حواء من الفاكهة المحرمة في الجنة، الذي حُوِّل إلى مثل هذا الدم (طنجة)، أو إلى “نفث الجن” (أنجرا)، كما أن دم النفاس مدنس على حد سواء؛ يمارس السحر مع كليهما. فيما يتعلق بدم غشاء البكارة فيسمى دم التحلية (طنجة) و صداق (فاس) و صّداق (آيت وارين) و صباح (أولاد بوعزيز) و صّباح (آيت سادن)، وتختلف الآراء. يقال أحيانا أن فيه بركة ويكون مفيدا للعينين؛ في أولاد بوعزيز، عندما يتم عرض ثوب العروس الملطخ بالدم، يأتي الناس فينظرون إليه ويمسحون أعينهم ببقع الدم تلك.[13] ومع ذلك فإني سمعت أيضا إنكارا قاطعا لوجود البركة في مثل ذلك الدم، و يعتبر موضعا للشر. يوجد في أنجرا عرسان يهتمون بعدم إنجاب ذرية قد تنتج عن فض بكارة العروس، حيث يعتقد الكثير من الناس أن الطفل سيصاب بالمرض إذا لامس السائل المنوي غشاء البكارة؛
بينما يؤكد آخرون أن الطفل سيكون على ما يرام فقط إذا تجنب العروس والعريس استعمال نفس المنشفة. هناك بأس في العضو الذكري للإنجاب. إذا لم ينظف الحلاق أداة الحلاقة بعناية بعد حلق عانة الرجل، فإن الشخص التالي الذي يحلق رأسه سيصاب بالدمل (أنجرا)؛ أو جزء من جسم رجل يحلقه بعد ذلك سيصاب بالمرض (طنجة)؛ يجب عليه أن ينظف الأداة بالماء والرماد ثم يلطخها بالزيت. إذا رأيت في بداية رحلتك مع طلوع الشمس عُري رجل يتبول أو يستحم فمن الأفضل أن تعود أدراجك: “إذا لكيت لمدلي غير ولي” (حياينة).
يبدو أن الجماع و، بصورة أعم، الكشف عن مسألة الجنس ينظر إليهما على أنهما مدنسان إلى حد كبير نظرا للنزاعات الغامضة لهذه المسألة و ستار الغموض الذي يغطي الطبيعة الجنسية الكاملة للإنسان. و من المحتمل أيضا أن تكون الآثار المدنسة المنسوبة إليهما مرتبطة بفكرة أن المرأة كائن نجس. وعلى وجه الخصوص أثناء الحيض والولادة، فعادة ما تكون مشحونة بطاقة غامضة مزعجة، ولا شك أن ذلك بسبب الطبيعة العجيبة لهذه التغيرات وخاصة ظهور الدم؛ ومن المفترض أن يكون مثل هذا الدنس المؤقت والمتكرر ذو الطابع الأنثوي على وجه التحديد قد أدى إلى فكرة النجاسة الدائمة للأنثى.[14] إلا أنه ينظر إلى النساء أيضا لأسباب أخرى بعين الشبهة والازدراء. يقول الإسلام أن فسادهن بشكل عام أكبر من فساد الرجال.[15] ووفقا للسنة المحمدية فيقول النبي: “ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء… يا معشر النساء تصدقن ولو من حيلكن فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة”.[16] يعتبر المغاربة متعودين على الحديث النبوي[17] أن النساء ناقصات عقل ودين (فاس، طنجة)؛ وأن الله قد أخرجهن من رحمته-” انسا نساهم الله من رحمتو” (أولاد بوعزيز). فهن أولياء الشيطان. يمتلكهن الجن، فيساعدهن على ممارسة الشعوذة،[18] وكثير من النساء هن في الحقيقة جن متنكرات.[19] مظهرهن خطير،[20] ولعناتهن مخيفة أكثر من لعنات الرجال،[21] وأجسادهن منبع الشر. في حياينة وآيت سادن، إذا قضت امرأة غريبة ليلة كضيف في منزل شخص آخر، فلا يسمح لها بفك حزامها إلا إذا ذُبح طائر أو قُطعت أذن شاة؛ عندها يفترض أن دم الطير أو الشاة يدرأ البأس الآتي منها عندما تفك حزامها. وبالمثل، يجب على المرأة المتزوجة أو الأرملة أو المطلقة في آيت وارين ألا تفك حزامها عند قضائها الليلة الأولى في منزل أو خيمة أحد أقاربها، ما لم يُذبح حيوان أو طائر، أو يُحدث جرح في أذن شاة، فيتم رش العتبة بالدم؛ ويجب اتباع نفس القاعدة عندما تحل امرأة كهذه ضيفة لليله في منزل شخص غريب. في آيت نضير، مرة أخرى، لا يسمح لها بأي حال من الأحوال بفك حزامها في خيمة شخص آخر، وفي حالة ما إذا قضت هناك الليلة لأول مرة فإن المضيف يذبح طائرا أو يحدث جرحا في أذن ماعز، وفي هذه الحالة يلطخ سرا أيضا ملابسها بقليل من الدم.
يشكل العجائز خطرا على وجه الخصوص. تعتبر المرأة العجوز أسوء من الشيطان-“لعكجوزة أكتر من الشيطان“؛ كلا، فالشيطان نفسه يرتعد خوفا منها- فهي تحكم سيطرتها عليه (طنجة). ويقال أنه عندما يولد الذكر يولد معه مائة جن شرير، وإذا ولدت أنثى يولد معها مائة من الملائكة؛ لكن يمر واحد من الجن كل عام من الرجل إلى المرأة، و ينتقل ملاك من المرأة إلى الرجل، حتى إذا بلغ الرجل مائة عام يحاط بمائة من الملائكة، وعندما تبلغ المرأة المائة تحاط بمائة من الشياطين (أنجرا). “لي عندو شارفة عندو نقيمة” (أولاد بوعزيز). إذا التقى رجل بامرأة عجوز في طريقه فعليه أن يقول، “بسم الله الرحمن الرحيم”. إذا التقى بها في الصباح عندما يبدأ يومه فلا ينبغي عليه متابعة سيره بل يجب أن يعود من حيث أتى (آيت وارياغل). كما أنه من الشؤم أن تصادف أرملة أو امرأة عاقرا في الصباح (إغليو)، ونفس الأمر أيضا إذا صادف الواحد أرملة في المساء (آيت وارياغل).
يتبع
____________________
[1] Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (New York, 1968), Vol. II, p. 335.
2(Wellhausen, Reste arabischen Heidentums [Berlin, 1897], p. 200 n. 2).
توجد في العبرية كلمة تدل على كل من الإلهي وممارسة السحر (ويلهاوزن، بقايا من الوثنية العربية).
3 Ibid. p. 205 ; Doutté, Magie et religion dans L’Afrique du Nord (Alger, 1909), p. 363 ; Hughes, A Dictionary of Islam (London, 1896), p. 114.
4 مشكاة، xxi، 2، 1 (الترجمة الإنجليزية لماثيوز، المجلد الثاني [كلكتا، 1810]، ص. 381).
5 For other phrases see Marçais, Textes arabes de Tanger (Paris, 1911), p. 415 sq.
6 Wellhausen, op. cit. p. 202 sq.
7 Hughes, op. cit. p. 114; von Kremer, Studien zur vergleichenden Culturgeschichte, iii.-iv. (Wien, 1890), p. 69 ; Doutté, op. cit. p. 362.
8 مشكاة، xxi. 2.2 (الترجمة الإنجليزية، المجلد الثاني، 382).
9 Delphin, Recueil de textes pour l’étude de l’arabe parlé (Paris & Alger, 1891), p. 146.
10 Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (New York, 1968), Vol. II, p. 37. sqq.
11 Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol, p. 230 sqq.
12 See Also Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol. I, p. 410.
13 Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol. I, p. 199.
14 Cf– Westermarck, The Origin and Development of the Moral Ideas, i. (London, 1912), p. 663 sq. ; Idem, Marriage Ceremonies in Morocco (London, 1914), pp. 337, 338, 341 sq. ; Idem, The History of Human Marriage, i. (London, 1921), p. 416 sq.
15Lane, Arabian Society in the Middle Ages (London, 1883), p. 219 ; Doughty, Travels in Arabia Deserta, i. (Cambridge, 1888), p. 238 sq.
16 Lane-Poole, The Speeches and Table-Talk of the Prophet Mohammad (London, 1882), pp. 161, 163.
17Goldziher, Muhammedanische Studien, ii. (Halle a. S., 1890), p. 296.
18 Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol. I, pp. 276, 571.
19Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol. I, p. 266 sq.
20Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol. I, p. 420.
21Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco, (London, 1926), Vol. I, p. 490 sq.