القاضي الإداري الاستعجالي وحماية الحريات الأساسية ( على هامش قانون الطوارئ الصحية ومشروع تعديل ق.م.م)

بقلم : الأستاذ عبد اللطيف مشبال

I ـ مقدمة  :

1 ـ ترتفع في العالم  وتيرة النقاش والسجال الناتجيْن عن تداعيات انتشار وباء كورونا وآثاره على مستوى الأفراد

و الجماعات و فعاليات المجتمع المدني في مختلف الدول بسبب تنامي تقييد الحريات الأساسية من طرف العديد من الحكومات التي لجأت إلى سَنِّ تشريعات  تَحُدُّ من تلك الحريات : ( منع التجمهر و التجول إلا بترخيص ، استعمال الطائرات المسيَّرة للكشف عن المخالفين ، إقرار قوانين الطوارئ الصحية ، السماح للحكومات من طرف شركة ” غوغل ” باستغلال المعلومات التي تزودها بها الشركة عن مستخدِميها لقياس تحركاتهم ولمعرفة مدى انضباطهم واحترامهم  لضوابط الحجر الصحي ، بحجة أنَّ الفائدةَ من ذلك النشر أهمُّ من حجبه ” يُذْكَر أنّ كوريا الجنوبية استعملت هذه التقنيات بنجاعة في محاربة الوباء…).

2 ـ تعالَتْ بالمناسبة العديدُ من أصوات بعض المفكرين وعلماء الاجتماع و السياسيين من مختلَف المشارب، محذِّرةً من مخاطر نمو استبداد الدول، والخِشْية من تحوُّل إجراءات محاصرة الوباء ذات الصبغة الاستثنائية إلى دائمة، مستغلةً الظروفَ الحالية لتعطيل أحكام القانون، و هي آراء تتسم بالغلو لتجاهلها أنّ الإجراءاتِ المتخذَة تَرْنو إلى الحفاظ على النظام العام الذي يُعَد وظيفةً أساسية للدولة، ناهيك عن أنّ تلك التحليلات لا تتّسم في معظمها بالدقة المتوخاة

و تنبني على افتراضات.

3 ـ عرفت بلادُنا جدلاً حقوقياً خصبا موازياً بسبب ما تضمّنه قانون الطوارئ الصحية الصادر بتاريخ 23 مارس 2020 من إجراءاتِ تقييدِ الحركة والسفر وحظْر الخروج من المنازل إلا استثناءً ثم لاحقاً فرضُ حمل الكمامة، رافقَتْه خروقات من طرف البعض باستخفاف بل وحتى بتحدٍ مثلما تَجلّى في التظاهرات الليلية التي عمَّتْ عدداً من المدن

في توقيت متزامن عند بداية تطبيق القانون المذكور، واجهتْه بصرامة السلطات الواعية بمخاطر هذه التصرفات الطائشة والمشبوهة التي حاول البعض تبريرَها بانعدام الوعي أو بأسباب اقتصادية.

 

 

 

 

4 ــ لا ريب في أنّ حالة الطوارئ الصحية المُعلن عنها تتضمن منْح الإدارةِ سلطاتٍ أوسعَ لِفرض النظام العام ، إذْ أضْحى بإمكانها اتخاذ كل التدابير اللازمة لغلق محلات يُشتبَه في أنها مهدِّدَةٌ للصحة العامة أو قفل الحدود في مواجهة شخص أو أشخاص معيَّنين لنفس الأسباب أو غيرها من التدابير التي تستقل بتقديرها و تحديدها.

5 ـــ يجدر التنويه في هذا الصدد بما تضمَّنه العهد الدولي للحريات المدنية و السياسية الصادر سنة 1966 من إجراءاتٍ مُصاحِبة عند إعلان الدولة لحالة الطوارئ حيث ألْزَمتها بِأنْ لا تتخذَ الإجراءاتُ أدنى صبغة تمييزية . وألَحَّ العهدُ – الذي يتفوق في قوته على القانون الداخلي عملاً بصريح ما ورد في ديباجة الدستور-على أنّ حالةَ الطوارئ يجب ألاّ تكون في أي حال من الأحوال ذريعةً لحِرمان الأفراد من حقوقهم الأساسية كالحق في الحياة أو التفكير أو الاعتقاد أو أنْ تكون ذريعةً للترخيص بممارساتٍ غيرِ إنسانية مُحِطَّةٍ بالكرامة الإنسانية أو التعذيب أو العبودية والاضطهاد، بل وأزْيَدَ مِن هذا حيث تمنع الفقرةُ الاخيرة من المادة من العهد حرمانَ أحدٍ -تَعسُّفاً- من الدخول إلى بلده.

إنّ تطبيق قانون الطوارئ الصحية قد يترتب عنه حدوثُ بعض التجاوزات ، كالمَساس الصارخ بحقٍّ من حقوق الانسان. نستحضر -على سبيل المثال – حالةَ بعض المواطنين المغاربة الذين ظلوا عالقين في سبتة مِن ضمنِهم أحدُ الزملاء بالرباط ، ناهيك عن الآلاف منهم بالمطارات بتركيا ودول أخرى.

II ـ القضاء الإداري الاستعجالي و حماية الحريات الأساسية :

1 ـ في ظِل هذه الظروف الطارئة و الاستثنائية ذهب بي التفكير الى التأمل في دور مؤسسة القاضي الإداري الاستعجالي في الحفاظ على الحريات الأساسية و بالتالي على دولة القانون في مواجهة التدابير و الإجراءات التي تتخذها السلطات العامة بمناسبة تطبيق أحكام قانون الطوارئ الصحية وما قد ينتج عنها -أحياناً- من مساس بحقوق المواطن في التمتع بحرياته الأساسية المنصوص عليها دستورياً والمعترَف بها في المواثيق  الدولية ، مقارنة ببعض التطورات المماثلة التي حصلت في دول أخرى كفرنسا و اسبانيا

تعليق الأستاذ بوسلهام الشمعة الذي أبدى فيه رأيا معاكسا لرأي الأستاذ لمزوغي ، معتبرا وجاهة قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط المشار اليه بعلة ” أن دور القضاء الإداري في رقابته على اعمال السلطة التنفيذية المتخذة في اطار حالة الطوارئ الصحية تخرج بطبيعتها عن رقابة القضاء الإداري بحكم تصنيفها ضمن اعمال السيادة الداخلية و الخارجية ، و أن اثارة محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط في احد قراراتها لهذا الطابع السيادي للقرار المعلن عن تعليق الرحلات الجوية القادمة و المتوجهة من و إلى المغرب للحد من انتشار وباء كورونا ـ كوفيد 19 ـ لا يعد سوى تطبيق لما استقر عليه الفقه و القضاء في المغرب و القوانين المقارنة من إقرار استثناءات على الرقابة القضائية” . ( 7 – دراسة نشرت في موقع دار المحامي بتاريخ 04/05/2020 تحت عنوان أي دور للقضاء الإداري في حل الإشكاليات القانونية المثارة في اطار الطوارئ الصحية؟).

كما نذكر منها تعليق الأستاذ بوسلهام الشمعة الذي أبدى فيه رأيا معاكسا لرأي الأستاذ لمزوغي ، معتبرا وجاهة قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط المشار اليه بعلة ” أن دور القضاء الإداري في رقابته على اعمال السلطة التنفيذية المتخذة في اطار حالة الطوارئ الصحية تخرج بطبيعتها عن رقابة القضاء الإداري بحكم تصنيفها ضمن اعمال السيادة الداخلية و الخارجية ، و أن اثارة محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط في احد قراراتها لهذا الطابع السيادي للقرار المعلن عن تعليق الرحلات الجوية القادمة و المتوجهة من و إلى المغرب للحد من انتشار وباء كورونا ـ كوفيد 19 ـ لا يعد سوى تطبيق لما استقر عليه الفقه و القضاء في المغرب و القوانين المقارنة من إقرار استثناءات على الرقابة القضائية” . ( 7 – دراسة نشرت في موقع دار المحامي بتاريخ 04/05/2020 تحت عنوان أي دور للقضاء الإداري في حل الإشكاليات القانونية المثارة في اطار الطوارئ الصحية؟).

3 ـ من هذا المنظور نحى تفكيري الى التمعن في مدى راهينية وضع اطار اجرائي خاص يحدث مؤسسة قاضي المستعجلات الإداري بصفته الجهازَ الموكول له اتخاذَ تدابير ناجعة فورية قابلة للنّفاذ العاجل بمجرد إصدارها في مواجهة الإدارة يصون الحريات العامة الأساسية ، إذ على الدولة أنْ تُمَكن المواطن من أدوات ملموسة لنيل حقوقه دون الوقوف فحسب عند مجرد الإعلان عن حماية تلك الحقوق .

4 – لا حاجة هناك للتذكير بالتقدم الهائل الذي عرفه التطور التشريعي المتعلق بقضايا حقوق الإنسان ببلادنا و انضواءها إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة مما مكّنَ الديمقراطية من منظومة متراصة تعرف تفاعلاً إيجابياً ومنسجماً بين التشريع الوطني والاتفاقات الدولية ، مما يعكس بالملموس إرادة سياسية راسخة و صارمة للحفاظ و حماية واحترام الحريات الأساسية.

على أنّ هذه المسيرة الطويلة مع منعرجاتها التي تُوِّجت بتلك المنظومة، لا زالت في حاجة إلى تحقيق أمنٍ قانوني أفضل لتحقيق دولة الديمقراطية وسيادة القانون وهي أماني مجتمعنا . ولبلوغ هذه الغاية فإنه يبدو من الملح – في تقديري- تعزيز سلطة القاضي الإداري الاستعجالي ، بوصفه حامي الحريات الأساسية ، عبر تمكينه من الأدوات القانونية اللازمة لهذا الغرض ، بعد أن تَبيَّن محدودية سلطته بحكم أنها ظلت أسيرة لقواعد القضاء الاستعجالي التقليدية مثلما يتجلى بالرجوع الى احكام القانون رقم 41.90 المُحدِث للمحاكم الإدارية المتعلقة بالقضاء الاستعجالي التي لم تَعدْ مسايرةً للتطورات الحقوقية النوعية التي عرفتها بلادنا علي ضوء المكتسبات الحقوقية الهامة التي أتى بها دستور 2011، ورغم إقرار ميثاق اصلاح منظومة العدالة لسنة 2013 لعدد هام من التدابير الإجرائية فأضْحت عتيقة ومتجاوزةً بعد مرور أزيد من خمسة عقود على إقرار تلك القواعد بمقتضى قانون المسطرية المدنية الذي يعود بدوره في تأصيله التاريخي للقانون الفرنسي الصادر سنة 1889 المحال عليه من طرف القانون المذكور عملا بأحكام المادة السابعة منه و من هذه الزاوية يجدر التذكير بما ورد في البند الأول (الفقرة الثانية) من اعلان مراكش حول استقلال السلطة القضائية و ضمان حقوق المتقاضين و احترام قواعد حسن سير العدالة الصادر بتاريخ 04/04/2018 بعنوان توطيد استقلال السلطة القضائية الذي شدد فيه المشاركون على ضرورة تطوير و تجويد و تحديث المنظومة القانونية .(

منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ـ عدد 138-139 ـ ص 405 الى 409 ) الامر الذي يبرهن على مدى راهنية تحديث مؤسسة القضاء الإداري الاستعجالي.

فلا مراء إذا أنّ تطوير التشريع المتعلق بالقضاء الإداري ، و الاستعجالي تحديدا ، وتحديثه على ضوء التعقيدات المتزايدة للحياة المعاصرة الناتجين عن التقدم التقني والتكنولوجي العارميْن أضحى بالتأسيس على ما سلف ذكره مطلباً مُلحاً حتى يتمكن من النهوض بالدور المنوط به، والاستجابة لمطامح المواطنين المتزايدة و أصوات حقوقية وازنة ، ومن ضمنها ، على سبيل المثال، ما ورد في توصيات مؤتمر الاتحاد العربي للقضاء الاداري الذي انعقد بالقاهرة في شهر يناير من السنة الحالية التي جاء فيها :

” وجوب دراسة مدي توافق نظام الدعاوي التحفظية والاوامر على العرائض مع طبيعة الدعوي الادارية لأهميتها في حماية الحقوق الفردية والعامة” وبالخصوص عبر الاستئناس بالاجتهاد القضائي الإداري باعتباره صانعَ القانون الإداري و استلهامِ ما تعرفه توجُّهات دول ديمقراطية عريقة بهدف إقرار قاعدة قانونية واضحة في مبناها ومرماها لا يشوبها التباس، ليتمكن المواطن من فهمها والعمل على هَدْيها و لتمكين القاضي الإداري الاستعجالي من تطبيق مقتضى قانوني لا لبس يعتريه “. (9 ـ جريدة اليوم السابع المصرية بتاريخ 21/01/2020 ) .

مع العِلْم أنّ العديدَ من الكتابات الحقوقية نادت منذ مدة طويلة بوجوب إدخال تعديلات تشريعية لتمكين المحاكم الإدارية من الوسائل القانونية الضرورية للقيام بدورها في تدعيم دولة الحق و القانون. ( 10 ـ عبد الله بونيت : ايقاف تنفيذ القرار الاداري في ضوء الاجتهاد القضاء المغربي والمقارن-طبعة 2009-ص 158-) (11 ـ احمد اجعون :المساطر الاستعجالية أمام المحاكم الإدارية – مجلة القضاء الاداري- ع 1 – ص 79 ) (12 ـــ رضوان قافو : القضاء الاستعجالي في المادة الإدارية ـ بحث تقدم به امام المعهد الوطني للدراسة القانونية ـ ص 66 ) ( 13 ـ محمد بن مولاي هاشم العلوي :المساطر الإدارية و القضائية ).

 

5- لئن توقف تطوير التشريع المتعلق بالمحاكم الإدارية فإن القاضي الاستعجالي ، مارس ، و حسب معطيات كل نازلة معروضة عليه ، دوره الدستوري المنصوص عليه في الفصل 117 من الدستور الذي ينص على ان القاضي يتولى حماية حقوق الأشخاص و الجماعات و حرياتهم و امنهم القانوني و تطبيق القانون ، رغم محدودية الأدوات القانونية المتاحة له ،و استعان حتى بقواعد قانونية يختص بها القاضي الاستعجالي بالمحاكم العادية لاستلهام بعض المبادئ الواردة فيها لتأسيس قضائه و تحقيق العدالة ، كما هو عليه الحال ، على سبيل المثال ، من خلال الاستعانة بالمبادئ الإنسانية التي كرسها القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول و إقامة الأجانب بالمملكة المغربية و بالهجرة غير المشروعة رغم الانتقادات التي وُجِّهت إليه مما جعل الحكومة تُعِد مشروع القانون 26.14 لتعديل بعض أحكامه ليكون منسجماً مع المعاهدات الدولية ذات الصلة،( 14 – امر صادر عن السيد قاضي الأمور المستعجلة بإدارية الرباط تحت عدد 382 بتاريخ 03/03/2005 ـ المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ـ ع 64 ـ ص 214 ) (15 امر السيد رئيس المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بصفته قاضي الأمور المستعجلة صادر في الملف 152 /7101/ 2015 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ع 37 ص 329 و ما يليها مع تعليق ذ / أربيعي ) .

كما لم يتردد قضاؤنا الإداري في استلهام مبادئ العدالة والإنصاف عند الاقتضاء، وهو موقفٌ حظِي بتقدير وتأييد لا يتَّسم بالغُربة عن القضاء الإداري الذي أبان في بعض القضايا عن جرأة واضحة لِفرْض وترسيخ مبدأ الشرعية التي يلزَم الجميع الامتثال لها بما في ذلك الإدارة كما ينص على ذلك الفصل السادس من الدستور . ( 16 ـ دراسىة ذ / حميد ولد البلاد : مرتكزات حقوق الانسان في تطبيقات القضاء الإداري ـ المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية ع 133 ص 65 و ما يليها ) .

غير أن تمكين القاضي الإداري الاستعجالي من أدوات قانونية توسع اختصاصه ، في تقديري المتواضع ، هو الملاذ الوحيد لحماية الحريات العامة لمسايرة التطورات المتواترة التي يعرفها ، من جهة ، مجتمعنا المتناغم مع ما يحدث في العالم بفضل تقنيات الانترنيت و التواصل الاجتماعي و تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ، و من جهة أخرى ، اتساع مجال تدخل الإدارة في الحياة العامة.

6ـ من المناسب -في ضوء ما سلف بيانه- أنّ تُدخِل السلطة التشريعية تعديلًا على مؤسسة القاضي الإداري الاستعجالي بتمكينها من سلطة قضاء الحريات الأساسية ، إذ لم يَعُد من المستساغ منطقياً أنْ يتحلى القاضي التجاري الاستعجالي بسلطاتٍ أوسعَ منه ، مع أنّ نطاق اختصاصه قاصرٌ على حماية حقوق خاصة ، بخلاف الدور الرفيع الممنوح للقاضي الإداري الموكول له سلطة حماية الحقوق و الحريات العامة في مواجهة سلطة الادارة ، في ظل علاقة غير متوازنة. (17 – Traité de Droit Administratif : André de Laubadére –T.1-p.3-éd 2001 . )

IVـــ حماية الحريات الأساسية و مشروع قانون المسطرة المدنية ، أي دور للقاضي الإداري الاستعجالي ؟

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد