ريتاج بريس: إصدار

 

الحكيم عاشق الحياة، كانت هي الشهادة التي كتبها الحبيب بلكوش

في حق المرحوم مصطفى اليزناسني والتي صدرت في كتاب يكرم الفقيد

جا فيها :
الحكيم عاشق الحياة
تعرفت على سي مصطفى رحمه الله حين التحقت والمرحوم ادريس بنزكري بالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان أيام أوج عطائها أواسط التسعينات بطلب من ذ. علي أومليل، رئيس المنظمة آنذاك قبل أن يغادرها بعد أشهر معدودة. كانت النواة المحترفة الأولى التي أعطت وقتها للعمل الحقوقي داخل المنظمة تتشكل منا نحن الاثنين إلى جانب عبد العزيز بناني ومصطفى اليزناسني. كان سي مصطفى آنذاك مديرا لجريدتي “الميثاق الوطني” و ” المغرب” اللتين تصدران عن التجمع الوطني للأحرار، وكان بتلك الصفة عضوا في المكتب السياسي للحزب إلى جانب أحمد عصمان وعددا من الوجوه البارزة داخله.
إلا أن ذلك لم يحل دون انخراطه القوي في العمل الحقوقي بتجرد تام، حتى أن الجميع، بما فيهم مناضلو أحزاب اليسار، كان يحرص على أن يكون حاضرا داخل هيآت المنظمة. لقد كان يشتغل بالجرائد عادة إلى حوالي الثانية بعد الزوال، ويلتحق مباشرة بمقر المنظمة للمساهمة في كل عمل مطروح: من النقاش لإنضاج مواقف، أو المساهمة في صياغة بلاغات وتقارير أو ترجمتها أو استقبال شخصيات وغيرها. ويبقى يوميا على هذا الحال إلى حدود الخامسة أو السادسة مساء، أغلب دون غداء فقط قهوة أو شاي وسجائر، كما هو حالنا جميعا آنذاك !
جمعتنا بعد ذلك العديد من الملتقيات الحقوقية والثقافية، وجلسات خاصة، منها تلك بمكتبه بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول كأس شاي يهيؤه بنفسه، لنتبادل الحديث عن الحياة والناس والوطن وحقوق الإنسان…
لم يكن المرحوم مصطفى اليزناسني من الذين يشعرون بالزهو والتعالي كلما ارتقوا درجة في التموقع داخل أجهزة أو اقتربوا من أصحاب القرار في هذا المجال أو ذاك. فقد رافق وعمل إلى جانب شخصيات وازنة في تاريخ المغرب الحديث من علي يعثة إلى أحمد عصمان و أندري أزولاي وإدريس بنزكري وبنعمر الأحرش، الجنرال المغربي في جيش هو شي منه قائد التحرير بالفيتنام وغيرهم من القادة السياسيين والأدباء و الإعلاميين من المغرب و العالم، دون أن يكون لذلك تأثير على سلوكه أو علاقته بالاخرين، من أصدقاء أو عاملين معه، بكل ما ميز تلك العلاقة من تواضع وتفاعل انساني و مهنية رفيعة وحرص على اقتسام ما اكتسبه من معرفة وخبرة وقيم. لقد كان يكره العجرفة والغرور، كما يكره المتملقين و المدعين لما ليس لهم فيه دور أو عطاء.
إلى جانب ذلك، كان للصديق مصطفى مسار طويل في الصحافة من جرائد الحزب الشيوعي إلى جرائد التجمع الوطني للأحرار مرورا بوكالة المغرب العربي وجريدة العلم ومغرب انفورماسيون Maghreb information القريبة من الاتحاد المغربي للشغل، وكان يتقاسم مع رفاق المهنة ما راكمه من معرفة وخبرة. ولابد من ذكر أنه فتح أبواب جرائد الميثاق والمغرب في وجه عدد من شباب اليسار العائدين من السجون والمعتقلات السرية، رغم عدم رضى “عيون الدولة” على ذلك.
حواراته تكون دوما مرتكزة على المبادئ ولا تشعر فيها أنك أمام مسؤول في حزب سياسي، كما أنها تجمع بين الأدب واللغات والتاريخ و المرح وغيرها من نوافذ الانفتاح على الآخر. كانت ابتسامته وتواضعه جزء من شخصية. حين تكسب تقديره وثقته، يكون قد بادلك ذلك بكل عمق وصدق وتقدير.
كان سي مصطفى عاشقا للفن والأدب والفلسفة والتاريخ واللغات. كان التمكن من هذه الأخيرة نافذة على الثقافات والشعوب: ربما لذلك كان يثقن العربية والفرنسية والاسبانية والعبرية والبلغارية… تجده ذات صباحات يترجم قصائد بلغات مختلفة ليتقاسم مشاعر إنسانية على صفحته بالفايسبوك.
كانت الصداقة عنده انشغالا بالآخر وأسرته، وتقاسم الفكر ولحظات المشاعر النبيلة وعشق الحياة الممزوج بالعطاء والزهد.
لقد كان كعاشق صوفي تمتزج عنده المشاعر لمعانقة شعوب العالم بآمالها وآلامها، وعشق يسمو إلى مصاف التفاعل الروحاني والوجداني.
كان الراحل تعبيرا حيا عن قيم التضامن والانسانية والحداثة والانفتاح والعطاء مهما كانت ظروفه ومعاناته الخاصة، كما أنه نادرا جدا ما يتشكى من تنكر الأقربين الذين تقاسم معهم جزءا غير يسير من مسار حياته، ويتكبد هو متاعب متعددة ليسهر على استمرارية الوفاء بما أوكلوا إليه من مهام رغم الجحود وانعدام ثقافة الإعتراف بالجميل.
سي مصطفى، نبع عطاء ومدرسة تسامح وثقافة وعلم، بتواضع الحكماء وصمت المتصوفة وزخم عشاق الحياة، كما أنه ّذاكرة غنية بمساراتها وثقافتها ومشاعرها لم نستطع أن نحتفظ إلابجزء يسير من غناها.
لروحك السلام صديقي.

الرباط، 10 دجنبر 2019.

كتاب تكريم للفقيد مصطفى اليزناسني
أصدرت منشورات “ملتقى الطرق” ( la croisée des chemins) كتاب تكريم للفقيد مصطفى اليزناسني، بمبادرة وتنسيق من ادريس اليزمي والمحجوب الهيية، ومساهمة أربعين من رفاق الفقيد وأصدقاءه من الكتاب والصحفيين والحقوقيين.
واعتبارا لظرفية الجائحة فقد صدرت الآن الصيغة الالكترونية بالمجان على موقع دار النشر:
http://online.fliphtml5.com/yfupy/rtbi/#p=1
وستصدر النسخة الورقية مباشرة بعد نهاية الحجر.