إعداد مبارك أجروض
بعد أسابيع من الحجر الصحي الصارم، أخذ محمد، الصبي البالغ من العمر 14 عاماً والمصاب بالتوحد، عكاز جده وبدأ في الضرب على جدران منزله، آملا في الخروج في نهاية المطاف. وعلل ذلك قائلاً: “قضيت وقتاً طويلاً في المنزل، ومن الصعب جداً الانتظار أكثر”. يسبب الحجر الصحي المصاحب لجائحة فيروس COVID-19 محنة صعبة بالنسبة للأطفال في وضعية إعاقة ولأسرهم الذين يكافحون من أجل رعايتهم في المنزل الآن بعد أن تم إغلاق المدارس وبرامج الدعم المختصة بهم.
ولم يرفع محمد العكاز مرة أخرى منذ الحادث الذي وقع الشهر الماضي، كما قال والده أحمد وهو يتنهد. لكن نجله لا يزال يشعر بالسخط، حيث يردد: “أريد أن أحطم المنزل”. ما زاد الأمور سوءً أن والدة محمد، التي تعمل مستخدمة في إحدى الشركات، كانت في إجازة مرضية بعد إصابتها بأعراض فيروس COVID-19. وكان عليها أن تعيش لعدة أسابيع معزولة في الطابق العلوي من منزل العائلة، مما أجبرها على الابتعاد عن عائلتها. وقد تحسنت صحتها منذ ذلك الحين. كان هذا الأمر صعباً بشكل خاص بالنسبة لمحمد، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوالدته. وقال أحمد: “ظللنا نخبره أن هناك مرضا، وقد فهم الأمر.. ثم حاول مرة أخرى الصعود لرؤيتها”.
* صدمة.. ونوبات ذعر
وبالنسبة للأطفال في وضعية إعاقة، شكّل الحجر الصحي صدمة اقترنت بتفجر العنف وعدم الفهم والنزاعات ونوبات الذعر، حيث عزلهم عن أصدقائهم ومدرسيهم وحرمهم من روتين مطمئن اعتادوا عليه. إن إجراءات الحجر الصحي بسبب COVID-19، والتي لن تنتهي قبل 20 ماي على الأقل، تعتبر من أكثر الإجراءات الصارمة التي رأتها بلادنا. ففي المنزل، يحتاج محمد إلى اهتمام متواصل حتى لا يعرض نفسه للخطر. وعن هذا الموضوع، قال أحمد: “هذا الوضع صعب عليه. نقوم بتوبيخه، ونقول له: لا !..”, ونكون بحاجة إلى التكرار والتكرار. وأقرّ الأب بالإرهاق الذي نال منه، حيث يعمل في المنزل كمهندس اتصالات بينما يعتني أيضاً بابنيه الآخرين، اللذين يبلغان 12 و8 سنوات.
* الشعور العميق بالوحدة
من جهته، يبذل مدرس محمد قصارى جهده للمساعدة. وأوضح قائلاً: “إذا قمت بإزالة الركائز من شخص يحتاجها من يوم إلى آخر، فسوف تتعقد الأمور للغاية”. وأضاف: “الشعور بالوحدة وقلة النشاط يمكن أن يكون عميقاً جداً” عند الأشخاص المصابين بالتوحد. ويقوم محمد بالاتصال بمدرسه عدة مرات في اليوم. من جهتها قالت فاطمة ب.، مديرة المدرسة حيث يدرس محمد والتي تقدم خدمات تعليمية وعلاجية متخصصة لعدد من الأطفال الذين يعانون من أنواع مختلفة من الإعاقات، إن بعض المراهقين لم يستوعبوا قواعد الحجر الصحي في البداية، واستمروا في الخروج. وأضافت أيضا أن الموظفين طوروا أدوات مبتكرة لمواصلة التواصل والعمل مع الأطفال، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي.
* مخاوف وكوابيس
بدورهما، يعاني أنس (17 عاماً) وعلي (14 عاما)، وهما شقيقان لديهما إعاقة ذهنية يذهبان أيضاً إلى نفس المدرسة، من حالة عدم استقرار متشابهة بسبب الحجر الصحي. قال أنس: “أشعر بالقلق حيال المدة التي سيستمر فيها الحجر الصحي، ماذا سيحدث بعد ذلك”. ولدى المراهق الكثير من الأسئلة حول “عدد الأشخاص الذين سيصابون بالفيروس، ومتى سيتوقف الوباء”. كما أن هناك مصدر قلق آخر كبير بالنسبة لأنس وهو مستقبله، حيث من المرجح أن يتم تأجيل التدريب الذي كان يعتزم القيام به هذا الصيف.
من جهته، يتذكر والداهما أن الولدين في البداية تصرفا كما لو كانا في إجازة حيث كانا يلعبان طوال اليوم ويتواصلان مع أصدقائهما. ثم نظمت الأسرة، أنشطة للحفاظ على حياتهما أكثر تنظيماً. أما الشقيق الأصغر علي فيقول بأنه يعاني من كوابيس أكثر من المعتاد، مضيفاً أن الحجر الصحي يؤدي أيضاً إلى المزيد من النزاعات العائلية. ويفتقد علي بشكل خاص أعمال الزراعة في الحديقة التي اعتاد القيام بها في المدرسة، لذلك قام بغرس البذور في الأواني لزراعة الفجل في المنزل.
* استثناءات من الحجر للمتوحدين
بموجب القيود المفروضة على الصعيد الوطني، يمكن للمواطنين مغادرة المنزل فقط للحصول على الخدمات الأساسية، مثل شراء الطعام أو الذهاب إلى الطبيب..، ويجب عليهم البقاء بالقرب من منازلهم خلال قضاء هذه الأمور. ورغم العبء الذي يفرضه هذا الأمر على الأشخاص المصابين بالتوحد وعلى أسرهم، لم يعلن المسؤولون عن أي استثناء يسمح لهم بالخروج في الأماكن التي اعتادوا على الذهاب إليها، ولو مع اتخاذ الاحتياطات الصحية اللازمة، وفي دون حدود للوقت والمسافة. ولذا بدأ أحمد مرة أخرى في أخذ محمد للقيام بممارسة ركوب الدراجات في الخارج لبعض الوقت، وهو شيء كان يفعله من قبل؛ قال أحمد وهو يبتسم: “هذا الأمر مثل صمام أمان له، هو شيء يحتاج إليه. نواجه صعوبة في ملاحقته، إنه يمضي قدماً، وهو يصرخ بسعادة خلال ركوبه الدراجة.”.
من جهته، يساعد مدرس محمد الأسرة على إيجاد حلول ملموسة لمحمد. ولأن لعب كرة القدم مع شقيقيه في الحديقة أثبت أنه صعب بالنسبة لمحمد بسبب القواعد المعقدة للغاية بالنسبة له، اقترح بدلاً من ذلك أن يقوم الأولاد الثلاثة بتبادل التسديدات على المرمى (ضربات جزاء).
* الخشية من فقدان المهارات التعليمية/التعلمية
وتعد هذه التحديات التي فرضها الحجر الصحي بسبب جائحة فيروس COVID-19 مألوفة لعدد كبير من العائلات؛ ففي جميع أنحاء البلاد، يستكشف المعلمون طرقاً جديدة لتقديم دروس متخصصة عن بعد بموازات مع فيما تقدمه الوزارة من دروس تعليمية عن بعد. من جهتهم، لا يقوم أولياء أمور الأطفال في وضعية إعاقة بالتعليم في المنزل فحسب، بل يضيفون أيضاً العلاج والدروس العملية والإدارة السلوكية إلى مسؤولياتهم. ويخشى المعلمون من أن يقضي بعض الأطفال المصابين بالتوحد أشهراً في إعادة تعلم المهارات الأكاديمية التي ربما فقدوها خلال فترة الحجر الصحي.
—