الحديث عن تاريخ الأوبئة حديث ذو شجون، لا ينتهي!

بقلم: الدكتور مصطفى المريزق

لا يتسع المجال هنا كثيرا للحديث عن التاريخ البشري، وعن الأوبئة التي تأثرت بها الحضارات منذ القدم.

ومهما حاولنا، لن نفلح في الحكي عن أنواع الفيروسات التي قتلت ملايين الناس، وكانت سببا من أسباب الحروب والغزو الاستعماري، و…

كما لن نستطيع الحديث عن التداعيات الأخرى لهذه الأوبئة، والتي وصلت أحيانا إلى الحد من القنانة، وارتفاع مستوى معيشة الناجين، وخلق فرص العمل، وتنامي الحراك الاجتماعي ووقف الحروب.

لكن ما لم تنساه البشرية جمعاء، هو وفاة 30 مليون حالة بسبب فيروس نقص المناعة “الإيدز” سجلها العقد الأول من القرن 21 . كما سجلت خلال سنة واحدة عام 1917، اصابة 3,3 مليون اصابة..

كما لا ينسى التاريخ، وفاة آلاف الضحايا بسبب مرض الكوليرا الذي كان قد ظهر في الهند في عام 1899، ووصل مداه إلى الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية وروسيا وافريقيا، إلى أن انتهى تفشي هذا الوباء مع العقد الثاني من القرن الماضي.

تذكرنا كذلك كتب التاريخ بوباء ” الجذري” الذي خلف قرابة 20 مليون من الضحايا، والذي ساعد أوروبا على استعمار المناطق التي تم اخلاؤها، وتغيير العديد من ملامح تاريخ بعض القارات.

أما ” الأنفلونزا الاسبانية” فتزامنت مع نهاية الحرب العالمية الأولى وأصابت في سنة واحدة نحو 500 مليون شخص. وتوالت الأوبئة في منتصف القرن 20 مع فيروسات كورونا السبعة وانفلونزا الخنازير، وايبولا وغيرها.

وتزامنت هذه المحطات السوداء من تاريخ البشرية، مع العديد من الاضطرابات و القلاقل، والمحن والجراح، والقسوة والبؤس، التي كانت سببها الحروب، والتوسعات الاستعمارية للدول الصناعية في افريقيا، وآسيا …

ورغم هذه المأساة الانسانية، شهد العالم قيام الليبرالية والشيوعية، والفاشية والنازية. كما انتشرت العلوم والفنون، وتحولت الرأسمالية إلى امبريالية، والشيوعية إلى ديكتاتورية، واستمر القتل والخراب، وذهب أكثر من 9 ملايين من البشر ضحية الحرب العالمية الأولى التي استخدمت فيها الغازات السامة. وقادت الصراعات بين الدول، إلى الحرب العالمية الثانية، حينما غزت ألمانيا بولاندا، لتنتهي سنة 1945، بهزيمة ألمانيا…

كما لا تنسى البشرية والإنسانية جمعاء، يوم ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناكازاكي في اليابان..

هكذا إذا.. عاشت الشعوب على مر التاريخ بين نار الأوبئة ولهيب الحروب..

ولحسن الحظ، شهد القرن 20 اهتمام كبيرا بالعلوم والتربية والتكوين والفنون، وظهرت إلى الوجود اكتشافات علمية جديدة، وتطورت العلوم الإنسانية والاجتماعية، أجبرت الإنسان على إعادة تربيته، ونمط تفكيره، وطريقة وأسلوب فهمه للعالم. كما انتشرت العلوم والتكنولوجيا، ومهدت العلوم الحديثة لعالم جديد من المعرفة.

بالطبع، إن الحديث عن تاريخ الأوبئة حديث ذو شجون، لا ينتهي! وكل ما نتمناه هو أن تكون كرونا فيروس درسا للتاريخ وللبشرية من جديد، وأن لا يعيد التاريخ نفسه، ليعم السلم بين الشعوب..

وعلى المستوى الوطني، نتمنى أن يعم التضامن والتسامح والعيش المشترك بين المغاربة، وأن تستثمر الدولة في قطاع التربية والتكوين والبحث العلمي، وفي قطاع الصحة والطب وصناعة الأدوية، من أجل زرع منظومة جديدة من قيم مبنية على تقوية التفاعل وترسيخ مبادئ المواطنة والدفاع عن المؤسسات، وتقويةالوحدة الوطنية و الإرادة الشعبية، وتحقيق التكامل والتنسيق بين الوزارات و الجهات والادارات، وممارسة سياسة القرب لتلبية انتضارات الناس، وإشاعة الثقة والأمل ، في أفق بناء مغرب المستقبل، مغرب الدولة الاجتماعية ومناهضة التفاوتات الاجتماعية بين المغاربة، وبين المدن الكبرى وهوامشها، وبين المغرب المركزي و مغرب مغاربة العالم القروي وسكان الجبل والواحات والسهوب.
وإلى فرصة أخرى ./.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد