رضوان السايحي:حسن البقالي قاص يغرد خارج السرب

ريتاج بريس / متابعة

انطلق الأستاذ رضوان السايحي في مداخلته من مسلمة أن حسن البقالي أحد رواد مرحلة تجنيس القصة القصيرة جدا وتأسيسها، وتميزت هذه المرحلة، حسبه، بوضع أسس هذا الجنس، وإرساء تقنياته، بنية ودلالة، وأنه في هذا الإطار أصدر أربع مجموعات قصصية هي: “الرقص تحت المطر” (2009) و”مثل فيل يبدو عن بعد” (2010( و”قط شر ودنجر” (2014) و”هو الذي رأى” (2019). وهي مجموعات تدخل كلها ضمن جنس (القصة القصيرة جدا) رغم أن القاص أثبت تحت عنوان المجموعتين الأخيرتين مصطلحي “قصص” و”أقراص قصصية”.

وأضاف السايحي أن هذا الكاتب القادم من عالم القصة القصيرة إلى عوالم القصة القصيرة جدا ينفرد بتبني سرد قصصي خاص به، يستند فيه إلى مرجعيات أدبية وفكرية وعلمية، مواكبا آليات التجديد والتحديث السردية في ظل الدراسات النقدية والتنظير لهذا الجنس.

تتمحور مجمل النصوص حول تفاصيل المعيش اليومية للمواطن العربي، في ظل كفاحه لكسب قوته، وصراعه السيزيفي لإثبات هويته وكينونته.

وهي نصوص، حسب الناقد، تثير العديد من الأسئلة المتكررة والمشحونة بالقلق والجدل حول الحياة والموت، والعدل والحرية وتحقيق الذات، وهي تداعيات تتمركز حول ذات الإنسان الحديث، في علاقته بمحيطه المتسم بإيقاع الحياة السريع، وتضخم التطور في جميع المناحي…

ولا يكتفي الكاتب بجرد الأحداث، وتوظيف الشخصيات بشكل عفوي، إنما يغترف في سرده من نصوص دينية وتراثية ومحكيات شعبية مستنبطا الأبعاد الفنية لنصوصه في تداخلها الدلالي مع الرواية والشعر والتشكيل والسينما والمسرح… ضاخا عبر قنواتها السردية دماء الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، ومحاكاة كل فنون التعبير والأداء الفني، وهو بذلك يعالج نصوصه بأسلوب يعتمد على التأمل والإجهاد الفكري للقارئ في سبيل استخلاص العبرة، وينتقي شخصياته من مختلف شرائح المجتمع مركزا على دور كل فرد داخل المنظومة الاجتماعية، ومعتمدا على تيمات مشحونة بالرموز تحدد نوع العلاقة فيما بينها مثل الحب والمودة والكراهية وعدم الاطمئنان والشك والريبة والقتل والشهوة والانتقام والخوف والعزلة…

ويتوغل داخل متاهات نفسية للشخصيات لاستجلاء الوقائع اليومية المزرية في حياة الأفراد، متطرقا إلى الجوانب الاقتصادية وتأثيرها على التباين الطبقي، الذي يفرز تركيبة اجتماعية مليئة بالمفارقات الأخلاقية، تعتبر الأسرة أهم ركائزها أخلاقيا وتربويا، ودورها في تأسيس مجتمع أخلاقي منسجم مع تغيرات الحياة العصرية.

ويعمد البقالي، حسب السايحي، في مجمل نصوصه إلى التشكيل الفوضوي للأحداث وتواترها عبر سياق قصصي وإلى ربطها بمرجعيات ثقافية كثيفة، واستحضار شخصيات متباينة، وهي فوضى خلاقة تخرج عن الكتابة النمطية للقصة القصيرة جدا التي ينفرد بها عن باقي القصاصين المغاربة، وهي كتابة ممزوجة بفنتازيا وسوريالية بناءة تفرض إعادة بناء النص أدبيا وإبداعيا…

ويضيف الناقد أن البقالي يؤطر نصوصه ببرواز من الجمل والمفردات عبارة عن ألوان وظلال بلاغية تجعل من النص فسيفساء من دلالات لغوية ومعاني تستدعي من القارئ التأمل والتفكر في ملكوت السرد، وكأنه أمام لوحة تشكيلية سردية، وأحيانا تأتي عبارة عن مشهد مسرحي تراجيدي أو مشهد سينمائي درامي، أو موقف مألوف في الحياة يبعث الكاتب فيه روح التأمل والتفكر اللامشروط.

وتحضر تيمة الزمن، حسب السايحي، بكثافة في مجموعات البقالي، إذ ينتقل من الماضي بمكوناته التراثية والتاريخية، مقتحما الحاضر بكل تجلياته وأحداثه الواقعية متوجسا من ترسبات الآتي. وبين الفينة والأخرى يستخدم هذه التيمة بطريقة انعكاسية يسعى من خلالها إلى تجفيف العتمات العالقة في رتابة سيرورة الزمن، وإعادة تكوين البناء الفني للقصة داخل مجال السرد لمجابهة التطور الانساني الهائل.

كما يولي البقالي، حسب الناقد، أهمية كبيرة لاختيار عنوان كل مجموعة، وذلك عن وعي وتبصر. إذ يربطه بأحد عناوين النصوص الداخلية، وهو بذلك يربطها بحبل سري يغذي العنوان الرئيسي لغويا وسرديا ويعطيه حمولة دلالية، ويعمد في اختياره هذا على خلفيات ذات حمولة ثقافية أو علمية أو فنية تغني مدارات العنوان الايحائية، والعنوان عنده ضرورة ملحة في بناء المجموعة ككل، ويجعل العناوين الصغرى ندا للنصوص، وتتجلى أهمية العنوان لديه بشكل عام في كونه عتبة رئيسية تساهم في بناء النص على مستوى الشكل والدلالة، ويرتبط بالمحتوى ارتباطا وثيقا يمثل أهمية إيجابية لدى القارئ يستعين بها لفهم موضوع.

كما يعتمد حسن البقالي، حسب الناقد، على هندسة لغوية تخييلية يبسط من خلالها سحره التشذيري المتوزع بين العنوان والنص، فلا يتم فهم النص وفك رموزه إلا من خلال الربط بين العتبة والمحتوى. والقاص يدرك جيدا ضيق المساحة السردية التي تفرضها شروط كتابة القصة القصيرة جدا، لذلك، نجده يعتمد الإيجاز والتكثيف مضطرا أحيانا إلى تجاوز المنطقة السردية إلى تخوم الشعر لتضخيم المتخيلات اللغوية المراد التعبير عنها.

وتتسم نصوص البقالي، حسب المتدخل، بالحجم القصير جدا، ويتجلى ذلك في التخسيس اللغوي القاسي الذي يمارسه على جسد النص بانتقاء الأوصاف وعدم السقوط في الاسهاب في التفاصيل الزائدة، معتمدا على تقنية الاقتصاد والاختزال اللغوي، وتوظيف أسلوب التكثيف الشعري متيحا لمخيال القارئ التأويل والاستطراد في توسيع دلالات المفردات… ويتجلى هذا بوضوح من خلال تقنية الرتق السردي للقصة القصيرة جدا مع نص روائي أو قصصي أو مشهد سينمائي أو لوحة تشكيلية أو قصيدة كإضافة تخييلية تزيد من شساعة الانزياح، وخلق هامش سردي للنص الأصلي.

كما يعمد في بعض النصوص إلى تشتيت ذهن القارئ من خلال اعتماد تقنية السياق المزدوج للنص، والتماهي مع فكرة معينة. ففي البداية يوحي السياق بفكرة معينة تترسخ في ذهن القارئ، لكن سرعان ما تتهدم أيقونة هذه الفكرة في آخر النص عندما يتضح بروز سياق آخر…

 

يذكر أنه تعذر على الأستاذ رضوان السايحي الحضور، فبعث بمداخلته، وناب عنه في تقديمها القاص يحيى زروقي، وذلك خلال الندوة التكريمية التي نظمت للقاص المبدع حسن البقالي، ضمن فعاليات ملتقى فاس للققج الذي نظمته، أخيرا، جمعية مسارات للتنمية والمواطنة بشراكة مع جمعية أكورا للثقافة والفنون.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد