حديث الجمعة.. تعديل القانون الجنائي.. حق يراد به باطل.

بقلم /الإعلامي يونس إمغران

 

** يرتفع، في الوقت الراهن، صوت جدل ونقاش حول تعديل القانون الجنائي المغربي بما يؤكد صدق الرغبة في إنجاز مهمة التعديل على نحو ما، ولا أقول على نحو يرضي الجميع. لأن شرائح المجتمع مختلفة، والأصوات التي تملك القدرة على صناعة القرار لا نطمئن إلى مرجعيتها القانونية ولا إلى خلفيتها الفلسفية، بل ولا إلى انتمائها الحضاري الملتبس.

والنقاش حول مدونة القانون الجنائي سلوك صحي، لا يعارضه إلا أحمق أو فاسد، ولا يؤيده إلا من اكتوى بنار مقتضياته، وسكنته أماني تغييره وتجاوز اختلالاته. ذلك أن هذا القانون لم يشهد في أي يوم من أيام الله تعديلات جوهرية وحقيقية، وإنما تعرض في أوقات سابقة متباعدة لتعديلات جزئية لم تغير من فلسفته الجنائية ولا من بعده العقابي الشاذ والقاسي والعنيف.

لكن محاولات تعديله اليوم تأتي في ظروف مغايرة، وفي ظل تمكين جهات (لا يرضى عنها شعبنا المحافظ كما أنه لم يستشر في هذا التمكين) من تدبير مؤسسات دستورية. لذلك نأمل ونرجو ممن يرى على أنه يمثل الأمة في مختلف المجالس والهيآت الدستورية أن يكون يقظا في إنزال التعديلات المنشودة، وأن يتصدى لكل المحاولات التي تسعى إلى سن قوانين مناهضة للفطرة، ومقتضيات معادية للدين الإسلامي الذي قامت عليه الدولة في المغرب منذ الأدارسة إلى اليوم وحافظت من خلال رعايته وترسيخه على مكانتها المحمودة.

والتعديل حاجة ماسة ليس فقط في القانون الجنائي، وإنما أيضا في كثير من القوانين المنظمة لحياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مثل مدونة الأسرة التي أثبتت فشلها في الحفاظ على تماسك الأسرة المغربية، وعجزها عن إنقاذها من التشرذم والتفكك والإهمال وتشريد الأطفال والخيانة الزوجية. ومثل مدونة الانتخابات بتجلياتها المتعددة الجماعية والتشريعية والجهوية، ومثل قوانين تنظيم العمالات والولايات، ومثل مدونة التجارة والضرائب والعقارات وغيرها.

إننا في حاجة إلى ثورة حقيقية صادقة لتغيير المجتمع والانتقال به إلى حالة السواء. لأن استمرارنا في الانتقائية غير المبررة في تعديل هذا القانون وتجاهل قانون آخر وإغفال ثالث ورابع سيؤدي ولا شك إلى بناء مجتمع غير متوازن، ومرشح لعدم الاستقرار أي للفوضى.

إن القانون الجنائي متقادم في كثير من مقتضياته، وعاجز عن مواكبة تحولات الدولة والمجتمع، وبطيء في قبول التعديلات المطلوبة، إِنْ لم نقل أن المُشرِّع يكاد يكون جبانا في عملية الإجهاز على المواد والبنود التي اعتلاها الصدأ داخل أبواب القانون الجنائي ونوافذه. ليبقى السؤال: أي فلسفة جنائية نريد؟ وعلى أي أساس مرجعي سنسد ثغرات القانون الحالي؟ خاصة وأن جرائم المجتمع المغربي تطورت وتنوعت وكثيرٌ منها لا يشبه جرائم العقود الماضية نظرا للتطور الاجتماعي والتكنولوجي الذي عرفه المغرب ومحيطه الخارجي.

لكن الخطير في الموضوع كله، هو التشديد على ضرورة ملاءمة القانون الجنائي مع المواثيق الدولية، في وقت يخفت فيه الصوت الإسلامي، الذي رغم أن له وجودا كبيرا في مؤسسات عديدة رسمية وشعبية، ويجبن عن المطالبة بضرورة ملاءمة القانون الجنائي بالتشريع الجنائي الإسلامي. فاختلاف المرجعيات هنا معناه أن المجتمع المغربي مرشح للانقسام حول الحلول السليمة والناجعة لإشكالية الجريمة، بين مواثيق دولية لا نرى فيها إلا فلسفة جنائية لتعقيد الجريمة وتشجيعها وخاصة تلك المتعلقة بالجرائم الأخلاقية، وبين شريعة ربانية تطرح صيغا ملموسة للعقاب العادل سواء المادي منه أو البديل المصلح.

إن الحالات التي ينبغي أن تعالجها التعديلات الجديدة للقانون الجنائي المغربي تكاد لا تحصر، لكن الجميع يتفق على أن هناك قضايا لا بد من مواجهتها بحزم وشجاعة دون أن يكون هناك خوف من الأصوات التي تحتمي بالخارج وتهددنا به. وأولها قضية التعذيب والاعتقال الاحتياطي في السجون والاختفاء القسري، وثانيا قضية الإعدام التي لا يمكن الاستجابة فيها للداعين إلى إلغائها لكون هذا الإلغاء إهدار لحق حياة الناس الذين قُتِلوا من جهة، وتشجيعٌ بشعٌ على ممارسة القتل بدون خوف من المشنقة من جهة ثانية. لكن لا نختلف في أن عقوبة الإعدام في مسائل الفكر والسياسة مرفوضة ولا ينبغي اعتمادها إطلاقا ما لم يصاحبها عنف أو إراقة دماء أو إزهاق أرواح. وثالثا قضية ما يسمى بالحريات الفردية المطلقة (وهي التي يقصد بها اليوم تعديل القانون الجنائي) التي نرى أنها مصدر خطر ضد المجتمع لأنها دعوة صريحة للمنكر والفاحشة، وبالتالي فإن الاستجابة لدعاتها الفاسدين (وهم قلة) سيكون مدخلا لفتنة وفوضى لا قبل لنا بها. أما القضية الأخيرة فهي المتعلقة بحبس الصحفيين وملاحقتهم وكأنهم جناة الحق العام. ذلك أن المشرع المغربي لم يكن ذكيا بتاتا حين حرر قانون الصحافة والنشر من إجراءات الزجر والعقاب، ولكنه بالمقابل أبقى التنصيص عليها في القانون الجنائي مما أفقد عمله الأول أهميته وإيجابيته. غير أنه لا ينبغي أن يُفهم من هذا القول أننا ندافع عن التجاوزات التي يرتكبها الصحفيون ويلحقون من خلالها أضرارا جسيمة بأعراض الناس وشرفهم. بل نرى أن جرائم التشهير والافتراء والكذب والإشاعة يجب مواجهتها بأغلظ العقوبات وأشرسها حتى يعتبر الصحفي ويتمسك بأخلاقيات المهنة، ويشارك بالتالي في بناء مجتمع فاضل وسوي.

 

 

 

.

.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد