رواية كش وطن .. سرديات الذات بين الاستلاب والتحدي

خضر عواد الخزاعي

في تجربة فنتازية  يتشكل نص الروائي شهيد شهيد “كش وطن”الصادرة عن دار سطور 2015 وهذه التغريبة السردية”سيرة ذاتية”لقواد”هي بالتأكيد نتاج لعدة عوامل/خارجية “sociology“ومؤثرات/داخلية “psychology” وفي كِلا الحالتين كانت هذه التمظهرات – الخارجية والداخلية. قد تشكلت عبر عقود وقرون من السنين، على شكل أزمات، انتجتها مخاضات من الاحباطات، لأجيال متعاقبة، وجدت المتنفس لها في أشكال مختلفة من ردود الأفعال، كأن تكون ثورات غضب، أو موجات عنف، أو تظاهر سلمي، ليتحول في زمن متأخر إلى تمرد سلوكي اعتراضي، بوجه مجتمع آثر السكينة والإنسحاب، في انتظار مخلص اعجازي ليس له من وجود إلا في مخيلة الحالمين.

وشخصية “القواد” ليست بالجديدة على الأدب العربي، فلقد طرحها الروائي العربي نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب 1988 ، في وقت مبكر. في رواية”زقاق المدق” التي كتبها في العام 1947، لكن طرحها لم يكن بنفس الطريقة الفلسفية العميقة التي نقرأها في “كش وطن”، فشخصية فرج ابراهيم “القواد” في زقاق المدق، شخصية رؤيَويَّة سردية، ضمن واقع مصري في أربعينيات القرن الماضي، اختاره نجيب محفوظ، صورة مصغرة لمصر، من خلال زقاق المدق، في حي الحسين القريب من الأزهر الشريف، ولم تكن شخصية “القواد” في تلك الرواية، تنطلق بأفعالها، إلا من جانب الإغواء الذي يدغدغ المشاعر الحبيسة المكبوته، لحميدة، وفي عتمة زقاق ضيق ليس لأحد فيه القدرة على تجاوز أسواره دون أن يقدم التضحيات الكبيرة، التي سقطت فيها حميدة، عندما وقعت أسيرة لنفوذ من توهمته عشيقها، لتكتشف في النهاية انه لم يكن إلا قواد، فيجيبها بمنطق القواد وليس العاشق:” أليس القواد رجلا؟” لكن في رواية “كش وطن” كانت هناك ارادة وتصميم على خوض غمار تجربة مثل هذه، وهذا ما يؤكده المقطع الاستهلالي للرواية بلسان البطل، ففي فرح استبشاري يصدمنا الروائي شهيد بإشعال قبس ثيمته السردية”إبشر ياعبدالرزاق الجبران، لقد أصبحتُ قواداً” بهذه الجملة “الثيمة”/المفتتح، الواقعية سلوكياً، والنشاز أدبياً. تبدأ رواية “كش وطن” وتنساب في سرد، يتحدى”Tabu ” التابوات المقدسة. متجاوزا منظومات الزمان والمكان، في بنية سردية، ارتكزت على أنساق”الشخصية – التاريخ – الفكرة” لكن أن تكون “قوادا” فذلك لايعني أن تمتلك الشجاعة لتواجه سلطة “اللماذا” فقط -“كنا متمردين وخارجين على جميع السلطات وأولها سلطة لماذا ص7″ بل تحتاج لوسائل اقناع، سيكون من البداهة ان تُصاغ بحمولات آيدلوجية، أكثر موضوعية، لتبرر وتفسر، ومن ثم، تستدرج بخطاب سردي، تاريخي النمط السلوكي، لمجتمع ظل ينظر إلى ممارسة واحتراف” القوادة”على أنها سلوك منحرف وشاذ، يرفضه الشرع، ويحاسب عليه القانون،”هل تعلم بأن الفعل الذي قمت به يعتبر فعلا مُجَرّماً في قانون الوطن؟ص111 “. تقانياً، استخدم الكاتب، صوت السارد العليم، ليفرض هيمنته وحضوره في النص، من خلال بطل، “إشكالي”، استحوذ من البداية على كل مجريات الأحداث، ولنسميه “بطلاً” لأنه آثر أن يتخلى عن اسمه، لحظة اختياره لمهنته الجديدة”إنهن يبحثن لي عن اسم مستعار، لم أجهد نفسي في البحث عن تبرير لذلك لعلمي أن ما قامن به كان فعلاً اضطراريا نتج عن كوني لم اكشف لهن عن اسمي الحقيقي،…ص102 “.

هو بطل ليس بالمشاكس، لكنه بالتأكيد نتاج بيئة مرتبكة، وجد نفسه يقف على ضفة بعيدة، عن ضفة الواقع الملتبس، بتأريخه وسلوكياته ويومياته المضطربة. فها هو يقف أمام مرآة نفسه :”انا الذي تآكل كل شيء بداخله، كل الأشياء فقدت قيمتها ودلالاتها، البيوت، الشوارع، الوجوه، المقاهي، الدين، الحياة، الشرف، الموت، هذه الأشياء بتُ أُركبها مع بعض فيكون الناتج شيئا هلامياً يشبهني لدرجة التطابق ، أنه العدم ص35 “، هيَّ إذاً نهاية مطاف، وبداية رحلة جديدة. يقف الواقع بالضد منها، بعد أن استنفد كل مبرراته، شكلت الثقافة الشخصية بتأثيراتها القرائية المتعددة/ قصصية – روائية – وفلسفية متنوعة. يقف القاص عبدالستار ناصر، والروائي عبدالرزاق الجبران، في المقدمة منها، القيّم الثيمية للنص، أو”ثقافة النص”وهذا ما يؤكده السارد في بعض” منولوجاته، كواحداً من مستويات القص في السرد:” اعذرني ياعم عبدالستار ربما سأغرق وأنا محمل بأسمائك الجميلة. ص9 “.

ربما لاتكفي المؤثرات الداخلية/السيكولوجية. ولاحتى الخارجية/عوامل اجتماعية. في دعم القرار الذي اتخذه البطل ليكون”قواداً”، وهنا لابد من البحث في طيّات النص عن متلازمة. ربما يتميّز بها هذا النوع من البشر”الإنقلابيين”وهي أن تكون أرواحهم المهزوزة المتعطشة مسرحا لتحولات عنيفة، قد تقودهم الى ما لم يكن بالحسبان، أو على الضد مما ألفه المجتمع. فهل يكفي أن يمنعك أحدهم، من دخول مبغى لتتحول إلى رجل دين؟

هذه التجربة التي عاشها البطل، في ثنائية متعاكسة، مع أبو نظمي، الشخصية التي يتكرر ظهورها لأكثر من مرة، في تقلبات سلوكية منسجمة، مع واقع قلق لا يعرف الثبات، والتجربة التي خاضها البطل هنا، هيً تجربة شبيهة لدرجة ما ولو بصورة مغايرة،  لتجارب حيَّة انسانية، لأشخاص تحوَّلوا من ممارسة مهنة شائنة،إلى متطرفين دينيين، يحملون السلاح للدفاع عن أفكارهم، ضد مجتمعاتهم.أو مجتمعات أخرى تحتضنهم، وفي مجتمعنا الإسلامي الكثير من هذه النماذج، هنا ينساق الفعل المضاد للرغبة الجموحة، التي يعتبرها البطل تمثل جيل كامل، توّاق لممارسة هذا الفعل”مجرد الدخول يمثل لي حلما كونيا، لأنني كنت أحمل بداخلي طاقة جيل كامل، جيل متوتر منحني وكالة عامة مطلقة وقال لي اذهب إلى أبو نظمي…ص14″ ، وكانت تلك التجربة بداية للتحول الأول، من شاب جامح متمرد، إلى شخص متديَّن قريب من الله”تلك الإهانة التي وجهتها إلى الجيل الشبق مثلت الانكسار النفسي الأول الذي راح يتضخم ليتحول إلى هزة أرضية جعلتني ارتفع إلى سماء لم أكن أتوقع بأني سأصل إليها  في يوم ما، علقت بغيمة التدين، بقيت معلقا بتلك الغيمة عدة سنوات ص14″ ثم تحدث قدرية انقلابه الثاني على نفسه، وعلى يد نفس الشخص أبو نظمي، لكن هذه المرة تكون في تضاد مع نسخته الأولى”كنت قديسا ذاويا، في محراب مهمل حين اقتحمني وجهك المطرز بالاثام، فاجئني دخولك لهكذا مكان، وتضخمت المفاجئة حين عرفت بأنك جئت تطلب التوبة…ص15″، وبدل أن تقوده زيارة أبو نظمي لطلب التوبة. الى المزيد من الإيمان والتمسك بما اختار، نراه يفلسف الحالة التي يعيشها بطريقة سلبية”شعرت بأني في الموقع الخطأ وأن المكان الذي أتواجد فيه ماهو إلا حمام لغسل الرذيلة.ص15″

ما يحدث في نفسية البطل من انقلابات، وانقلابات مضادة، توحي للقاريء حجم المأساة التي يعيشها ذلك البطل الماساوي المتأزم، وسط واقع أكثر تأزّماً “هناك خلل في منظومتي الاعتقادية، خلل يتعلق بالثوابت. ص15″، انها معضلة وجودية أن تبحث عن الحلول، بعيداً عن استيعاب الأسباب، أو دون أن تمتلك الرغبة في الحل، أو أن الواقع يقف بالضد من كل ما تطرحه من حلول. ليتحول البحث الدؤوب إلى انشطار في شخصيات تعددية مستلبة “انا كائن نهاري يُحييني الضوء ويقتلني الظلام، أواجه الظلام بمفردي في بيت معزول موشوم بصفة المبغى.ص62”

 في هذا النص يحاول الكاتب/السارد أن يفتح كوة ضيقة، وسط عالم معتم، يطل عليه من “مبغى” لن يكون مكانا للإمتاع والتسلية كما في في زقاق المدق، بقدر ما سيكون أشبه بمصحة نفسية، نكتشف من خلال نماذجها المنكسرة، وليس اعتباطاً أن نراه يعلق صورة الملك فيصل الأول في المبغى لتكون بمواجهة الداخلين، بل هيّ جزءاً من تأريخ كان يثابر على الدوام، ليقود شخوصه إلى مكان مثل هذا، ممارسة نوع من الماسوكية الإنفعالية مع الذات “لم أتدخل، لم أسأله عن سبب بكائه ولكن عوالمي الإفتراضية كقواد محترف أخذتني بعيدا، بعيدا جدا، إلى مرحلة التأسيس، لحظة قيام الوطن، مقارنة الماضي بالحاضر، دموع ذلك الزبون كأنها تريد أن تخبر الملك عن حال الدولة التي اسهها وتقول له بأن شعبه لم يجد غير المباغي وسيلة للهروب من الواقع ص27 ” تأريخ مجتمع مكبوت. وجد نفسه نتاج لتأسيس منحرف للدولة العراقية، وهنا حاول البطل أن يكسب احترافه لمهنته الجديدة. تبريرات ايدلوجية أكثر منها نفسية وسلوكية، حين  جعل من نسائه ضحايا مجتمع، دفع بهنّ عنوة الى احتراف هذه المهنة، بعد أن سلبهن كل مبررات الوجود الحقيقي السوي “إنني أتمزق…” هكذا تبدأ بلقيس أحدى عاهراته تراجيديتها البكائية، لتبين له، أو ليبيّن هو من خلالها لقراءه، سبب انحرافها”أنا أموت يوميا، بدأت روحي بالتآكل والضمور التدريجي، أخذ الزمن يمارس عده التنازلي معي وأنا أتقدم لملاقاة مصير تخلى عن مجهوليته وكشف عن وجهه الحقيقي، أنا أقتل كل يوم، أقتل بيد وطني…ص22″ إن الأرواح الإنسانية  لاتضمر، ربما تشيخ أو يصيبها الوهن أو اليأس، لكنها تبقى عامرة بشيء ما، أما أنها “تضمر” فهذا أقرب للتعبير المجازي، لأن الروح هنا ستترك مكانها للجسد الذي سيكون بلا روح” سلعة تتداولها شهوات الرجال”، في حكاية بلقيس، نلمس بعض من الوجع العراقي، ونتعاطف مع الإنسانة وليس العاهرة. التي كانت ضحية سلطة قبل أن تكون ضحية مجتمع”أنا واحدة من النساء اللواتي أكلتهن الحروب المقدسة التي تلتهم الرجال وتلقي زوجاتهم بالطرق المعبدة بالتوحش” هنا تكمن المفارقة الكبيرة، أن يذهب الرجال ضحايا الواجب الوطني المقدس، وهم يحملون السلاح ويتخلون عن كل مايربطهم بذلك الوطن، في حين تتحول الزوجات الى بغايا،”لقد ذهب زوجي شهيداً بمقاييس الوطن ليخلفني ورائه عاهرة بموجب نفس المقاييس.. ص23″.

وفي التقاطة ذكية لجزيئية تأريخية، يحاول الراوي أن يضفي صفة العلَّة الإجتماعية على “المبغى” حين يقدم لنا شخصية الشاب أو الباحث الاجتماعي. الذي يطلق عليه اسم”علي الوردي” معللاً ذلك بما كان يقوم به الشيخ علي الوردي، من زيارات لبعض المباغي، لغرض دراسة بعض النماذج الاجتماعية  فيها، وكان ذلك في فترة قد وصل فيها البطل الى حالة اشباع أوصلته إلى عبثية ما كان يقوم به “أنت عابث.. أنت عابث ص67″، تلك كانت مرحلة مهمة في حياة البطل، حاول فيها الخلاص من مهنته التي لصقت به لدرجة المرض. “خطرت ببالي فكرة وهي ان اغلق المبغى، وان اتخلص من كينونتي المحاصرة بكلمة قواد. ص67” . ثم تبدأ المكاشفة بينه وبين صديقه الجديد الباحث الاجتماعي، وهي التفاتة رائعة من الراوي. أنه حوَّل، هذا الفعل السلوكي المنحرف إلى أزمة اجتماعية أكثر منها سلوكية أو نفسية، وان عالم الاجتماع المتخصص، هو وحده القادر على حلها، شرط أن يمنح الحرية على التصرف وإيجاد الحلول، ويبدأ الحل – الهروب، باتفاق ثنائي على تبادل الأدوار.

في السجن، المرحلة ماقبل الأخيرة من الرواية، والتي تسبق قرار اعدامه، تتغيَّر الرؤية لدى البطل فكل ما كان يحتاجه فرصة للتأمل بعيداً عن المحيط الخارجي. وان كان جزءا من هذا المحيط يكون بمعيته الان، من خلال النماذج الحبيسة التي تشاركه زنزانته، الوحدة والانعزال، هنا تحولت الى حالة ايجابية، قادته الى قراءات أكثر وعياً وتلاصقاً مع الذات المجردة من الأهواء،كما في قرائته لرواية ماركيز “ذاكرة عاهراتي الحزينات” التي تقوده الى مثلثه العدمي” الذاكرة..العاهرات..الحزن..ص100″ ليكتشف انها كان بؤرة ضياعه التي دخل إليها بمحض إرادته، حيث يجاهد للإمساك بأحد أضلاع هذا المثلث، هرباً من فكرة الوقوع في العدم، وفي السجن يكتشف أنه كان “يضحي من أجل فكرة معينة ص82” حين يجد نفسه وجهاً لوجه في رحاب “ليلة المهادنة الأولى مع الحياة” هذا هو كل ماكان يحتاجه البطل، الذي اعتبر نفسه في يوم ما الممثل والناطق الرسمي المطلق باسم جيل كامل، جيل كانت علامته المميزة”التوتر” أن يتصالح مع الحياة ولو لليلة واحدة، أن يضع المسافة بين الأشياء والكلمات حسب تعبير أدونيس، حيز غير مرئي بين الواقعي والافتراضي” الليلة الأولى في التوقيف، تجربة الواقع المستثنى من افتراضاتي الحياتية، هذه الليلة ذكرتني بأدب السجون الذي قرأت منه الشيء الكثير. ص83″ وللمرة الثانية نرى البطل يتملكه الشعور الجديد بأن ثمة أمل ، كانت المرة الأولى في تجربته الفريدة في مساعدة الطفل اليتيم محمد على العلاج في الهند للشفاء من مرض انسداد شرايين القلب، ثم هذه المرة التي تحول فيها المكان – التوقيف من دلالاته المُقيدة الى مكان، وظيفته توحد الذات مع الأمل، في النهاية يتحرر البطل من التأثيرات التي كانت تحدد له مسارات حياته،كما كانت تفعل لقاءته مع أبو نظمي”أبو نظمي، يتلو عليّ ارشادات دينية ويسألني ان كانت لدي وصية أخيرة، هذه المرة لم أخضع لسلطان المفاجئة، قابلتها بالصمت لم أعبا بها نهائيا ص121″.

رواية “كش وطن” نص استثنائي، عبر بنا من فنتازايا اللامألوف، في الواقع العراقي، إلى مسارات التشكيك بكل القيَّم التي أوصلتنا لما نحن عليه اليوم، مع كل تحفظاتنا على ما ورد فيها، من تجديف وجنوح خارجة عن السياق السلوكي والإجتماعي.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد