بقلم ذ. الحبيب الدائم ربي
بدا المكتب كحافلة ركاب مكدسة: كتب كتب كتب، وأوراق شتى مبعثرة وغبار. الطاولة تشبه “قراضة” جزار، أقلام جافة وجرائد ورتيلات، فردة حذاء وفرشاة تلميع وحزام جلدي نصف محرشف وطاقية، علبة دواء منتهية الصلاحية، وما لا يخطر على البال. تلك فضيحة قالت الزوجة، إذ لا يليق بكاتب نصف محترم أن تؤخذ له لقطة متلفزة في كذا وضع، وعنّفته، كما لو كان صبي حضانة، على كونه دوما يمنعها من ترتيب فوضاه. على مضض أذعن الزوج، حين رأى أنه لا يجدر به فعلا أن يقدم عن نفسه صورة لا تشرفه أمام الأصدقاء والأعادي، وعلى رؤوس الأشهاد في “صندوق العجب”. وقضى الزوجان يوما كاملا في جعل المكتب مكتبا فعلا.
وفي الغد حين حضر طاقم التصوير كان كل شيء في مكانه غير المعتاد: الكتب وفق قياسات وأحجام، اختفت الجرائد والرتيلات والحذاء والحزام الجلدي والطاقية وعلبة الدواء وهلم متلاشيات، تصدرت الصور والشهادات الواجهة، مزهرية ظهرت، فجأة في ركن كان – منذ حين – موحشا، والكاتب الورقي صار، بقدرة قادر، يعبث بأنامله المقلّمة ، في سلاسة، على ملامس الحاسوب، في بذلة كاملة وربطة عنق ، إمعانا في “الحداثة” أو ما بعدها. اختفت “القراضة” الخشبية وحل محلها مكتب فاره وكرسي هزاز دوّار، هو نفسه الذي اكتراه صديقه الكاتب، من تاجر الموبيليا، يوم زارته إحدى القنوات التلفزية. وكانت الحلقة ناجحة لأنها لا تعكس الحقيقة، ولأن صاحب الصورة كاد يصدق الخيال.
مثل هذه الحكاية تقع دوما في حياتنا. فمن فرط عدم ثقتنا في أنفسنا صرنا نتفنن في إيهام الناس بأننا بخير ولو أننا لسنا بخير، نلبس أقنعة ونكد العمر كله في حماية الأقنعة من السقوط. صورنا لا تشبهنا، هي تشبه الأقنعة. ولا عجب أن تكون الصور مخالفة تماما للأوجه والأفعال، في الفن وفي الحياة. لشد ما نخشى أن يظهر، يوما، هؤلاء الكتاب “المتبرجزون”، في القنوات، يتوسلون الصدقات لأنهم بلا تغطيات صحية ولا موارد تضمن لهم الكفاف والعفاف، وأن يتقول بشأنهم من سبق له أن رآهم في برامج “الفوطوجينيك” لأنهم بذروا الثروات في التوافه والحال ألا ثروات ولا مكاتب ولا حواسيب ولا مزهريات: تلك كانت مجرد تمثيليات.
المثقفون أنفسهم والفنانون يساهمون في “صناعة الوهم”. لهذا فليس مستغربا أن تظهر النسوة البدويات في أفلامنا، لزوم التصوير، بشفاه ملونة وعيون مزجّجة مكحلة، وأن يظهر فرساننا العرب في المسلسلات التاريخية بثياب جديدة من حرير و”ترتر”، وعمائم مكوية بحرص، وبلحي محفوفة بعناية، في عز الصحراء، وأن يتغنى مطربونا في حضرة النوافير والحدائق وعلى ضفاف الأنهار والبلد يعصف به الجفاف !!
من حقنا أن نسوّق عن أنفسنا صورا جميلة، مؤسسات وأفرادا، لكنه من المعيب أن نغالط الآخرين بافتعال واقع ليس بينه وبين الحقيقة صلة لأن مسلكا كهذا يعمق غربتنا عن الواقع وعن أنفسنا. رجاء، أصدقائي، لا تعيدوا ترتيب مكاتبكم ففي فوضاها الجميلة شيء من حتى الإبداع والبؤس النبيل !