الرباط/ بقلم: الحسين بلهرادي
دكالة الغالية..دكالة العزيزة..دكالة و من لا يعرفها..ومن لا يعرف رجالاتها..لكن اليوم دكالة تموت في صمت..بل يمكن أن نقول أن العديد من “أصحاب الحسنات”..جهزوا لها كفنا..وأرادوا تحنيطها..من أجل دفنها..وقلبها مازال ينبض في صمت..
دكالة لم يبق منها إلا الاسم..دكالة غارقة في مجموعة من أوحال راسبوتيتزا”هو مصطلح روسي يطلق في شمالي الاتحاد الروسي على الوحل المائع الناجم عن ذوبان الثلوج وتحرر التربة من جليدها في فصل الربيع عقب ارتفاع درجة الحرارة، ويشكل ذلك الوحل المائع عقبة أمام المواصلات البرية، وتستمر ظاهرة الوحل المائع قرابة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع”..لكن في دكالة.. راسبوتيتزا أصبح دائم الفصول الأربعة ..رغم اختلاف مناخ كل فصل..والسبب طبعا.. هم من يقودون الشأن المحلي..
دكالة غابت أو تغيبت إن صح التعبير..رغم تواجدها على الخريطة..لكن على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي وباقي القطاعات..لا وجود لها.. السياسيون في دار غفلون..ولا يتذكرون هذه المنطقة إلا عندما تقترب الانتخابات..الجماعية والبرلمانية..وخلالها تنطلق الوعود الفارغة والجوفاء..وتظهر مجموعة من الوجوه التي لا ترد حتى على الهاتف..وتركب سيارات مرقمة بحرف”ج”باللون الأحمر..”جابها الله” وتنطلق عملية “رمي العار”..على أهل العقول الضعيفة..والذين مازالوا يؤثثون المشهد الحالي..رغم قلة عددهم..مشكلة الانتخابات في قبائل دكالة معروفة ولا تحتاج ذكر المزيد..لان نفس الوجوه ظلت هي هي..وكأنها هي الوحيدة..وبدونها لا تدور العجلة..أما باقي القطاعات الأخرى فالكل يعلم مصيرها..
وعندما نتكلم على دكالة فإننا نتكلم على مناطق تعاني الويلات..وتتخبط في خندق..لا يمكن أن تخرج منه إلا برحيل من يقودون الشأن المحلي..من كل الأطياف
عندما تحط أقدامك في هذه التربة العزيزة.. تشعر بالقشعريرة..بسبب المشاهد الدراماتيكية..التي تحبس الأنفاس..مشاهد الطرق المغشوشة والمدارس المخربة..والأزبال التي تملأ كل الأزقة..والطفولة المغتصبة..والشباب العاطل..والفلاح المقهور..وظلم من نجحوا في الانتخابات..وعجرفة بعض رجال السلطة..منهم من رحل ومنهم مازال يصول ويجول..أمام صمت أهالي المنطقة..الذين ظلوا يتفرجون على المشهد..الذي لم ينته بعد..
عند زيارتك إلى دكالة من الصعب عليك أن تخفى الحزن والكآبة..رغم خضرة الطبيعة..ورغم بساطة أهل المنطقة وتواضعهم..وكرمهم الحاتمي..وووو..
دكالة تشبه غرناطة..التي تحمل همومها مند إعدام شاعرها الكبير غارسيا لوركا..الذي أعدمته فاشية فارانكو..وبطريقة غريبة..إلا درجة أن قبره مازال في خبر كان..
دكالة تم إعدامها من طرف أناس..منهم من جاء من منطقة بعيدة..وتحول بقدرة قادر إلى زعيم..”البعبع” يحكم ويصول ويجول..
دكالة عامة وجماعات أولاد زيد.. وخميس متوح.. وبولعوان وأولاد أفرج.. وازمور والبئر الجديد وأولاد احسين ومولاي عبد الله..وغيرها من المناطق خاصة..تستحق عدة قصائد رثائية..لأن الموت يباغتها بين الفينة والأخرى..وهي داخل قسم الإنعاش..
لقد تواطأ مجموعة من يعتقدون إن بدونهم لا تتحرك عجلة قطار دكالة..لضرب الحصار على هذه المناطق الشاسعة..حتى لا يتوقف قطار التنمية بها..والدليل هو أن كل المجالات تعاني الويلات..وحتى الشابل هرب باكرا من نهر أم الربيع..وكأنه كان يعتقد أن هذه المنطقة سوف يضربها الجفاف..ولكن من نوع أخر..
عرفت دكالة برجالاتها..ومنهم من أنجبتهم تربتها..ولكن فضلوا الرحيل..وظلوا يتفرجون من بعيد عن ماذا يجري بها..لأن الزمن لا يرحم..وأن التاريخ له ذاكرة منسية ومثقوبة..وبالتالي غابت لغة الاعتراف..ليعيش السكان في خانة الضنك..بعدما رسمت تجاعيد القهر على وجوههم..ومنهم من استسلم لزمن برزت فيه مجموعة من نجوم التملق والمصلحة الخاصة..وزمن الجحود..الخاصية التي أصبحت منتشرة داخل الوسط الاجتماعي..
أعرف ويعرف العديد منا أن الحياة تقسو في بعض الأحيان على الأمجاد.. ولكنني أعرف أن العقلاء والحكماء هم من ينهضون من جديد لإعادة العربة للسكة.. فمتى يأتي الوقت لإعادة هذه العربة التي طعنتها السهام من كل حدب وصوب للسير فوق سكة قطار التنمية؟؟
قبل الختام
لم يعد الجاهل عدوا لنفسه.. وفقا للحكمة الشهيرة.. بل عدوا للمجتمع.. لأن الجاهل أصبح يمتلك أدوات فاعلة لتجهيل الآخرين بسبب تطور وسائل التواصل.. وأمثال هؤلاء تنطبق عليهم أبيات الشاعر العباسي صالح بن عبد القدوس
وإن عناء أن تـفـهـم جاهـــلا
فيحسب جهلا أنـه منك أفهـم
متى يبلغ البنيان يوما تمامـــه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهــدم
ختام القول
قال سقراط
راحة الحكماء في وجود الحق وراحة السفهاء في وجود الباطل