بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم
ما أحوجنا إلى الوقوف على المهام الحزبية، وعقد العزم على مواصلة المساهمة الفعالة في المشهد السياسي المغربي، ومناصرة الاختيار الديمقراطي وحقوق الإنسان وكل قضايا العدالة الاجتماعية، والإعلان عن إطلاق ديناميات جديدة داخل الحقل السياسي.
فالديمقراطية الداخلية تجعل من الحرية عاملا مشتركا للمناضلات والمناضلين، وتقوي قناعتهم بتفعيلها والدفاع عنها، وتنمي استقلاليتهم ونضج تفكيرهم وسلوكهم السياسي والتنظيمي، وتوجد نوعا من التوازن بين القيادة والقواعد، وتفسح المجال للجميع من أجل النقاش الحر والاحتكام إلى العقل، وتفتح آفاقا جديدة للإبداع وإيجاد حلول أكثر ملاءمة، وتحافظ على توازن الحزب، وتدير الاختلاف بشكل حضاري، وتعطي للجميع فرصا أكبر للتأثير في مجريات الأحداث والتفاعلات الجارية وإيجاد آليات واضحة لاتخاذ القرار وتفعيله على كافة المستويات.
فالبعد الديمقراطي يحتل مركز القلب من الاهتمام في البناء التنظيمي، لأنه يحمل هاجس صون كرامة المناضلات والمناضلين عبر تحسين أدائهم السياسي والتنظيمي. ولأنه يجسد مبدأ العدالة التنظيمية، الذي يتأسس على التوزيع العادل والمنصف للمشاركة والتموقع التنظيمي والسياسي، فالمساواة بين المناضلات والمناضلين في التنظيم الحزبي تستند بشكل أساسي على هذا المبدأ، للمساهمة بشكل جدي في الحياة الحزبية، التي تتطلب معرفة بأمور الحزب وتسييره وبأمور اتخاذ القرار وملابساته.
فالحقوق التنظيمية مسألة ضرورية لاعتبار المناضل غاية في ذاته، ولوجوب احترامه وتمكينه من التعايش التنظيمي داخل حزبه. لأن هدف التكوين هو حرية المناضل والارتقاء بقدراته وكفاءاته ومهاراته.
والديمقراطية الداخلية تسهل مشاركة المناضلات والمناضلين في العمل الحزبي والسياسي، وتحرير قدراتهم الذاتية، وضمان مشاركتهم في بناء الحزب ومن خلاله الوطن، لأنها تسد حاجتهم في المشاركة السياسية، وتعيد لهم اعتبارهم وكرامتهم. وبهذا يصبح للديمقراطية الداخلية معنى واقعيا ومتكاملا.
تبقى فقط الأسئلة مطروحة، ليس على الأمانة العامة وحدها، أو المكتبين السياسي والفيدرالي، بل على الجميع، وكل من موقعه:
ـ كيف يمكن للجهات والأقاليم أن تتكلف باستثمار هذا التراكم في إطار الاختصاصات الذاتية المخولة لها تنظيميا وسياسيا ؟
ـ كيف يمكن للجهات والأقاليم أن تكون مكلفة باستثمار هذه القيمة المضافة على مستوى تدبير شؤونها التنظيمية والسياسية ؟
ـ كيف يمكن للجهات والأقاليم أن تمارس الديمقراطية الداخلية، وهي لحد الساعة لم تتمكن من تجسيد الرؤية التنظيمية في إطار من الاستقلالية الممكنة والمتاحة على القيادة المركزية ؟
ـ كيف لها أن تمارس اختصاصاتها باستقلالية ونجاعة، وبعض منتسبيها لا زالوا مشدودين ومرتهنين لبعض القيادات المركزية التي لا زالت تمانع في ذلك، وتريدها تابعة وغير مستقلة ؟
فالجهات والأقاليم اليوم، لا زالت تشتغل بما دون حد أدنى من الصلاحيات والاستقلالية. وهو ما يتطلب جرأة زائدة عن اللزوم للقيام بمهامها في إطار إعادة هيكلة أجهزتها.
كان على الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني ألا تقتصر على استبدال أشخاص بآخرين، بقدر ما كان عليها أن تشكل منعطفا في تاريخ الحزب، وأفقا للانتظار الذي عُلِّقت عليه أمال عريضة لعموم المناضلات والمناضلين، من أجل تجاوز النواقص والتعثرات التنظيمية والتكوينية والعلائقية والتفاعلية، والمضي قدما في إطار تعزيز أدوات الديمقراطية الداخلية، وتحقيق حاجاتهم في المشاركة الحزبية والسياسية القوية والفاعلة داخل تنظيمهم الحزبي.
وللأسف، لم تكن تلك الدورة محطة لتعميق المنحى النقدي القائم على أساس منهجي، قوامه الربط الجدلي بين المرجعية النظرية (الديمقراطية الاجتماعية) والممارسة التنظيمية، عبر خلق فعل تواصلي ذي أبعاد قاعدية يتعين توجيهها وتأطيرها، فبالأحرى أن تكون واضحة في تحديد هدف تقوية قدرات الحزب للمساهمة إلى جانب قوى التحديث والدمقرطة في إعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل ونهج سياسة القرب، وتخليق الحياة العامة.
لذلك، بقيت الحاجة إلى الوقوف على حصيلة الأداء لمختلف الهياكل التنظيمية الأساسية والموازية لحزب الأصالة والمعاصرة؛ وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا، معلقة. وبقي الخوض في غمار التشكيك في الأشخاص والعمليات والقيادة قائما، وإفراغ حمولات انفعالية زائدة في جبة من تمكن من تحقيق طموح التموقع سائدا.
وفعلا، وقع السقوط في المحظور، في الوقت الذي كان على المناضلات والمناضلين استحضار الأبعاد السياسية لإعادة هيكلة الأجهزة التنظيمية، وعدم إغفال سياقاتها الوطنية، والأخذ بعين الاعتبار مدلولاتها السياسية، والانتباه للمهام الكبرى الملقاة على عاتق الحزب في هذه المرحلة الدقيقة التي تجتازها البلاد، واستشعار ثقل المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم من مختلف المواقع للدفاع عن مشروع الحزب، والتوجه رأسا إلى العمل وبذل الجهد دون كلل ولا ملل، من أجل النهوض بالحزب وتعزيز تموقعه وتجويد أدائه وتحسين شروط تموقفه.