النظام يريد إسقاط الشعب

بقلم – الحبيب الدائم ربي

لنجرب لحظة أن نكون منصفين بعض الشيء، بالنصف أو الربع حتى، لنرى الأمور من زاوية أخرى. لأن الاعوجاج قد يكون في الرؤية أحيانا لا في الأشياء بالضرورة، في الظل وليس في الشجرة. من ثم فإن في شعار “النظام يريد إسقاط الشعب” استفزازا لحوَلنا المزمن، ولفت نظر لقليلي النظر. سيما وأن النظام المفترى عليه”، والذي تلهج الحناجر بإسقاطه في أكثر من قطر عربي، هو جزء منا.

صحيح أننا لم نختره، ولكننا صنعناه. وحتى ولو قدر لنا أن نساهم في اختياره لما اخترنا أسوأ منه. لهذا، وبعيدا عن الدفاع عن طرف ضد طرف آخر، فكم هو جائر محاكمة الحكام العرب بمعزل عن سياقاتهم الاجتماعية والتاريخية. إنهم، مهما بدوا، متعالين عن واقعهم وشعوبهم ليسوا كائنات مفارقة. هم ضحايا ثقافة باتت متجذرة فينا للأسف، حيث التمركز حول الذات، والإحساس النفاج بالعظمة، ولو أن فرويد قد نفى وجود عقدة عظمة مادامت في جوهرها عقدة نقص أصلا. فنحن قوم لا توسط بينا، وبعدنا الطوفان، لنا الصدر دون العالمين أو القبر، نتعلم هذا في البيت والمدرسة والشارع والحزب والنقابة والإدارة.

نحن القانون مشخصنا بالروح والدم، وهو قانون الغاب أو أقرب. لذا يمكن، بسهولة، تفهم حكاية الحانوتي الذي ارتطمت بمتجره شاحنة، فرفض التعاون” (التواطؤ) مع محرري المحاضر قائلا: اكتبوا صدَم َالمتجرُ الشاحنةَ! ولا غرابة في أن المتاجر عندنا قد تصدم الشاحنات، وإلا فلنتأمل ما يجري حولنا من تصرفات لا تشبه أحدا سوانا. فنحن ميالون إلى خرق القانون للدلالة على تحضرنا، مع ما في المسلك من تناف. فالكتاب والشعراء ينتقدون الكراسي والأضواء ويستطيبون حلاوة الجلوس عليها. بعضهم من فرط الخمول و”النضال” في اللغة صار شهيرا متضلعا في الجهل باللغة !

والراجلون يذرعون الشوارع بالعرض منتظرين السيارات أن تخلي لهم الطريق، والنسوة ينشدن المساواة والتفضيل معا، والنقابيون يدينون “ثقافة الريع” ويكرسونها، بل ويعضون على “امتيازاتهم” بالنواجذ، ودعاة الفضيلة والمثقفون لا يجدون غضاضة في الدفاع عن “رزق ساقه الله إليهم”، على غير وجه حق، على حد تعبير المرحوم الطيب صالح وهو يتسلم جائزة الدولة المصرية. الأمثلة لا تحصى، الأمثلة كثيرة وصادمة، والصمت أبلغ…

ومع ذلك فنحن هنا لا نعمم ولا نبرر، لكننا نريد التأكيد على أنه إذا كان الخلل في الواقع ثابتا فإن الكلل في العيون، عيوننا، حقيقة مؤكدة أيضا. لهذا فإننا بهذه المواصفات، وبأسوأ منها، لا يحق لنا أن نوزع الانتقادات والمواعظ هكذا. فكما نكون يولَّى علينا… ولو كنتُ حاكما، وهذا كابوس لم يراودني قط ولست أهلا للحلم به، وكانت “رعيتي” بكذا ثقافة، رعية ظالمة، لخرجت في مظاهرة، ومعي حشد حكامين ظالمين، وصرخت: النظام يريد إسقاط الشعب !

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد