بقلم: الأديبة المغربية مالكة عسال
ـ مقدمة
دون أن أقف على مصطلح “النقد” لغويا، وتمطيط اللفظة، سأتداول النقد الأدبي من خلال رأيي المتواضع…
النقد الأدبي في رأيي هو تلك المرآة الصافية التي يسطع عليها العمل الأدبي أو التجربة الفنية، ليلتمع على موجاتها الضوئية، فتظهر جزيآته حتى وإن كانت دقيقة أو مغمورة، والناقد هو من يوجه بوصلة المرآة هذه نحو سراديب النص الغامضة بتقنيات عالية ودربة ومراس قويين، وبِغوص فريد في مباطنه الخفية بين تضاريسه ومطاويه وأوديته وكهوفه، لكشف الذهب والكنوز المخفية تحت الرماد؛ وإبراز ما تحت الظلال الذي لا يبدو للعيان، وطبعا لن يتأتى ذلك إلا بوضع النصوص في المشرحة، وبقْر بطونها وتشتيت أعضائها، ووضعها على محك التجربة تحت مجهر التحليل والتفسير، بتأمل ودراسة مستوفيين شروط النقد التي تعتمد على النزاهة، بنية الرفع من مستوى الأدب والرقي به نحو الأعلى.. والناقد البارع الذي سيحمل هذا المشعل بنجاح، هو من له اطلاع واسع، وبيده حزمة من المعارف، وآليات احترافية لمواجهة النصوص… فعملية النقد هي معركة حامية بين الناقد والنص، وبين النص وكيفية اختراقه بحمولة ثقافية، وكيف سيدير الناقد هذه المعركة بنجاح لتعطي أكلها، قد يستعين أحيانا ببعض المناهج، لكن إن لم يستحسن وضع كمية توابلها بمقياس دقيق على أطباق النص، ستفقد لامحالة لذتها وطعمها، ومن وجهة أخرى، لا يمكن للناقد فتح أبواب النص دون مفاتيح على مقاس فتَحاته، قد يقف النص لوحة صلدة من الصخر في وجهه، فيرتطم بصلابته ويسقط ضحية لضراوته بما هو لا علم له به.. كما لا يمكن دخول النص بجراب فارغ، فيقلبَه مسبحا يرتج على أمواجه، ويغرق بين أظفاره في أوضاع قد يصعب عليه القيام منها ثم الخروج ناجيا، كما لا يمكنه التسلح بمديات الدنيا والسيوف من المناهج الشيء الذي قد يساهم في بتر أجزاء النص، أو اغتياله تماما مما يؤدي إلى الهدم وليس البناء.. النقد الناجح هو إمساك الناقد لواسطة العقد بإحكام حتى لا تتزحزح لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، أعني بذلك، الاشتغال بجمع من المعارف بما فيها المناهج، مع الإحكام على سلطة النص ليقول كلمته هو الآخر، حتى لا يضيع في متاهة تنظيرات خارجية بينها وبين النص مسافة سنة ضوئية، المقصود إذا أنه يجب الاشتغال على النصوص من دواخلها، انطلاقا مما تحمله من مواقف ومواضيع وثيمات، وما تتحلى به من جوانب فنية في الصياغة والتراكيب واللغة إلى آخره ..
1ـ النقد الأدبي قديما
النقد القديم كان مرهونا بمقاييس مطلقة وقرائن ثابتة كالوزن والقافية، توضع ككفّات لتحقيق التوازن للنص، فإن تخلى النص عنها أو لم يمتثل على الأقل لجزء منها، عُدّ في خانة الأدب الرديء، وتسرد فيه أحكام موجزة مرتجلة متسمة بالذوق الفطري، الذي يعتمد على إحساس الناقد المباشر بالمعنى أو الفكرة من زوايا وأسس مطلقة، يتلقاها ويحسها بذوقه الفج، وفطرته الساذجة من خلال تصورات ومفاهيم، تدعمها ملكة تحصل في النفس انطلاقا مما يثيره الإبداع الأدبي من خصائص انفعالية، تتلقى استجابات تصدر حكما يسمى النقد، لذا لم تعرف النصوص في النقد القديم نقدا منظما وإنما عرفت لوحات نقدية، يطغى عليها التذوق والانطباع المباشر ..
ومهما اختلف النقد القديم من مرحلة إلى أخرى، وارتقى ارتقاء محمودا، وكثر الخوض فيه، وتعمق الناس في فهم الأدب، ووازنوا بين إبداع وإبداع، وبين شاعر وشاعر، تبقى الأسس المتفق عليها للارتقاء بالأدب هي المقومات الأساسية، والدعامات الثابتة التي يقترن بها الأدب، وبها يتم التفاوت ما بين أديب وآخر… فهو لا يخرج عن غير حدود ما عهد به الأدب عامة والشعر خاصة من الصفات والمقومات والركائز، التي يتصف بها من سليقة ذوقية وعفوية وارتجال …
فالنقد الأدبي فاكهة من بستان الأدب الذي يواكبه عبر العصور ليشذبه ويهذبه، ويتبادلان معا التأثر والتأثير. والأدب حلبة تتباين فيها آراء النقاد وتنظيراتهم، والأديب طائر محلق في فضاء الحرية والانطلاق، والناقد هو صياد محنك يضع الشرَك ليصطاد الطائر فيفتح له آفاقا أخرى أشد رحابة ليعبر عنها
2ـ النقد الحديث
لقد بدأ النقد الحديث من حيث انتهى النقد القديم، فأخذ طريق التطور إلى الأمام، لاحتكاكه بتيارات عالمية واطلاعه على مناهج متنوعة، فبدأ يتخلى عن التصور القديم، وأصبح الناقد يتسلح باحترافية النقد الثّري بالتنظيرات والنظريات والمنطق العلمي والعين الناقدة التي تجُر بساط الأدب تحت مجهرها ليلتمع أكثر، والفضل كل الفضل لتلاقح التجارب المختلفة في هذا الميدان، التي احتك بها النقد العربي الحديث في تطوير الأدب باستناده إلى مبادئ النقد الأدبي الصحيحة البناءة، التي تنمو بالتفسير والتعليل والتنقيح بقوة الملكة وقوة التمييز، واختلاف المقاييس والمعايير العلمية النزيهة.. فالناقد إذا عالم مُلم بثقافة عصره قادر على تقويم العمل الأدبي، وفوق هذا وذاك يمتلك حسا نقديا يؤهله لاستنطاق النصوص، مترفعا عن تصنيفها حسب جَيّدها من رديئها… قد نعتبره ـ إن صح التعبير ـ مبدعا ثانيا بعد المؤلف بالتوغل في أدغال النصوص، وتشريحها على موائد طبية بمشارط حادة، لكشف أعضائها عضوا عضوا، وإزالة القشرة عن غامضها، وإضاءة المعتمة منها، ووضع الإصبع على أشياء غائرة بين سطورها، حتى تبدو مشرقة لعيان القراء، وبالتالي لفْت نظر المؤلف إلى ما ورد منه دون وعي منه… لم يعد النقد الأدبي مجرد تشخيص العيوب في النصوص أو وضع الإصبع على محاسنها، وإنما أصبح عملا فنيا من حيث التحليل والتفسير لتوليد نص آخر جديد وِفْق الذوق الشخصي للناقد، ورؤيته الخاصة انطلاقا من حمولته الثقافية وأفقه المعرفي …
3ـ النقد العاشق أو الانطباعي
وهو عبارة عن التماع ذهني أو لمحات سريعة ناتجة عن قراءة عاشقة من خلال رؤى وتصورات معينة، بهدف البحث عن مواطن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي من أجل المتعة والاستمتاع، باعتبار الأدب فنا جميلا قبل كل شيء، وأن القيم الجمالية هي التي تضمن للعمل الأدبي الخلود، هكذا نخلص إلى أن قراءة كل واحد منهم، تنطلق من زاوية معينة حسب رأيه الشخصي عن طريق فهم النصوص وتذوقها، ولو يوصل ذلك إلى نتيجة تتعارض ونتيجة الآخر، بما يسمى تعدد قراءات النصوص، لا أعني بذلك مجاملة النص وتكبير حجمه على الفراغ، مما قد يُفوّت على صاحبه حافز البحث عن الجديد لتطوير التجربة، ولا أعني بذلك تهشيم النص عن طريق الهدم دون البناء، بطريقة قدحية تصيب صاحبه بالتذمر النفسي الناكس للتجربة.. إن المبدع مشروط بالحرفية الفنية في عمله، بينما الناقد ولو بقراءات عاشقة/انطباعية فهو مقيد بمعايير الموضوعية والنزاهة، لبيان قيمة العمل على قدر الإمكان، من مطمحه النفسي، واستجاباته الذاتية لهذا العمل، طبعا لن نحاكم اختلاف درجات الأذواق والأحاسيس بين النقاد أو القراء…
ـ خاتمة
قائمة النماذج في النقد طويلة جدا، فهي تشمل النقد الأكاديمي والنقد النموذجي والنقد السطحي والنقد الاحترافي والنقد الانطباعي لا يسعفني الحيز للتطرق إليها نوعا نوعا.. لقد اكتفيت باختصار شديد بنماذج قدمتها بكل بساطة للتذكير لأخلص إلى أمر واحد، وهو كما أن للعمل أو الإنتاج الأدبي أهدافا، فكذلك للمنجز النقدي أهداف نوجز منها ما يلي:
ـ معرفة التجربة الأدبية وموقعها في التاريخ الأدبي، وما أتت به من إضافات نوعية إلى التراث الإنساني واللغوي، وما قدمته من مواقف صادقة، تساهم بشكل أو بآخر بتفاعلها مع المحيط ليتبادلا التأثر والتأثير..
ـ الوقوف بدقة على المتغيرات الإيجابية الحاصلة لتطوير الأدب ..
ـ الكشف عن الجوانب النفسية والحسية للكاتب، وتفهّم الحوافز والدوافع التي كانت وراء هذا المنجز. وإدراك نوعية المنابع التي ارتادها المؤلف ونهل منها، وكيفية تطرق المبدع إلى الأغراض والثيمات، وطريقته في توظيف التصانيف البلاغية، والدقة في الأسلوب وما ينطبع به من بلاغة وتراكيب وغيرها…
وحتى أنهي لا يمكن للأدب أن يتطور دون الحفر فيه بفأس النقد الأدبي، ولا يمكن للنقد الأدبي أن يبحث عن الجديد دون استثمار الأدب …
ـــ
المراجع:
ـ مقال لناقد محمد غنيمي هلال الأنترنيت
ـ مقال لبشرى تاكفراست أستاذة جامعية ـ مراكش – المغرب الأنترنيت
ـ مقال لطه أحمد إبراهيم الانترنيت
ـ مقال: النقد الأدبّي الحديث ودوره في الإبداع الأدبي، مفهومه ومقايسه “موقع الحوزة” الأنترنيت…
رأي شخصي/مالكة عسال