الأديبة المغربية مالكة عسال
شدتني من تلابيبي برفق قائلة:
ـ من هنا من هنا…
دلفت نحو باب هشيم مفتوح، وضعت رجلي على أول السلم سائلة:
ـ في أي دور؟
أجابت:
ـ في السطح في السطح وليس في الدور …
فهمت… وتابعت الصعود إلى أن انغمست في ظلام دامس، أخذت أتحسس الجدار مخافة الكبو، إذا بأشياء مثل الفتات تتساقط، وأخرى كالعلك تلتصق بيدي؛ وكم من حفرة استفزت قدمي ساخرة من غربتي الغيّة، واصلتُ السير بوقع هامس حتى لا يتطفل على البيوت المجاورة ..
ـ استسمحيني يا خاله، أتعبتك فاهت الصغيرة بحرج..
ـ لا عليك كم بقي من دور ثلاثة ؟؟؟ لأننا في الدور الثاني ؟؟
انقطع الحوار وتلاه صمت مؤقت، وترادفت الخطوات بنبضات متلاحقة، ولهات مرتفع جف على إثره الحلق.. فلاحت في مخيلتي صورة أحد السلالم الرخامية المتلألئة، تحت خيوط الإنارة. وكأني أسير على لجة ماء… ورائحة المنظف المنعش تشظف أنفي، والجدران ترد الصدى. مزدانة جنباتها بأُصُص الأزهار.. أمسكت بناصية المسكن الذي احتلّ حيّزا غير مُهم في السطح. بابه متخلى عن مصراعيه. اللهم الستارة المتدلية المطلية ببقع سخافة الأيام.. مساحته تقل عن أربعة أمتار، تنعدم فيه شروط العيش، سقفه من (القصدير) الصدئ، محط أنواع هزات فصل الشتاء، وعرضة لزوابع فصل الصيف…
وقفتُ مشدوهة أمام هذا القبر، الذي يسكنه الإنسان في حجم وصيده كلب، بإحدى الفيلات الفاخرة لحراسة حديقتها. وعادة الكلاب يكرهها الأطفال. يتضايقون منها. فتراهم يتحاملون عليها رميا بالحجارة إلى أن تتوارى. بينما يداعبون القطط والكتاكيت برفق… ومرة سألت طفلا.. لماذا تهاجم هذا الكلب يا بني، فهذا حيوان وعليك اللطف به ؟؟؟ ..
فردّ الطفل وعيناه جاحظتان ملاحقا الكلب:
ـ إن الكلب حيوان غادر
ـ الكلب حيوان أمين يحرس بيتنا قلتُ..
ـ لا.. الكلب مفترس، إذا أمسك بك ينهش لحمك، يمتص دمك ويتلذذ بانتشاء.. لا تتقي فيه، فالكلب كلب، ولا شيء غير أنه كلب…
ـ ادخلي يا خالة ادخلي… فاهت الطفلة ..
عند مقربة الباب لطمتني رائحة ما… رفعت الستارة وأحكمت تعليقها جانبا. فتراءى لي سرير وسط الغرفة مشلول. عُوضت ساقه المبتورة بصخرة، يجاور صندوقا خشبيا يحتضن أواني لقيطة. وفي ركن آخر، كلكل من الأسمال الممزقة. وسطْل تجّردَ من عروته. ربما وُضِع لأغراض بطنية لا علمَ لنا بها، المريضة على شواردها تلعق مواجعها القاسية، بين الفينة والأخرى تداريها بهنات عليلة متواصلة. قربت الابنة منها هاتفة :
ـ أمي انظري… زائرة جاءت تخبَر أحوالك استيقظي، طالما شكوت انعدام الزيارات والزائرين.. التفتت المرأة برأسها الملفوف. يعكس حفريات السنين الأليمة، ووجه شاحب يحمل عينين يابستين، وشفتين ذابلتين يعلو جانبيهما زبد… أخرجت يدها النحيلة لجذب الغطاء وهي ترتعش:
ـ مرحبا بك بنيتي..
عبارة متقطعة انزلقت من بين الأسنان، تبعث نار الألم، وهي تفتح جفنيها تارة وتغمضهما أخرى ..
ـ هذا واجب، قولي يا خالة ما الذي يؤلمك ؟
ـ ألم تخبرك الطفلة يا بنيتي، قالت والحروف تتلكأ ؟؟؟
ـ لا أبدا ..
فأزاحت الغطاء، وأخرجت ثديا متورما، ينزّ قيحا، عليه ما يشبه الوحْل مرجاني اللون..
ـ أريتك الرحمة يا بنيتي، ثديي مريض بالمرض القبيح، حفظك الله منه ..
ـ وما هذا الطلاء ألأحمر قلت متعجبة ؟؟؟
إنه ترابَ سيدي المهدي الظاهر، ممزوجا، بالماء يشفي هذا النوع من الأمراض، على حدّ نصائح بعض السيدات ..
ـ يا خالة هذه أوساخ، والجرح يلزمه تطهير، وأدوية طبية لا هذه الأشياء، قلت بقلب يغتمّ حسرة..
ـ من أين لي بثمن الأدوية والطبيب ؟؟؟، قالت بعينين دامعتين..
ـ المستشفى العمومي. ألم تفكري فيه ؟؟
ـ وهل المستشفى العمومي مجاني ؟
ـ تدفعين ورقة الاحتياج، أليس كذلك ؟؟
ـ وهل الحصول على ورقة الاحتياج أمر سهل ؟
جوابها مقنع حقا، فكم من ورقة لغرض ما لا تتسلمها إلا بالمقابل، وإذا كنت حذقا، وعلى دراية بمجرى ألأمور، ومستلزمات الإدارة ،وحاولت تنبيه المسؤولين؛ فتحت باب تسويف، لا خروج منه إلا بحركة عنيفة ..
شرد ذهني ثانية، وهو يغوص في مفارقة مدهشة، لذكرى زيارتي، لزميلة لي في الفصل، أصيبت بنزلة برد خفيفة، ماذا عساني أصف ؟؟… فحين دلفت من الباب، احتضنتني حديقة منمقة بأشجار الفواكه، ثم فناء مكسو بأنفس الزرابي، وأنواع التحف النفيسة، وصلت إلى الغرفة، المريضة ممَددة على سرير حريري الأفرشة، في الجهة اليمنى مائدة مزينة بمزهريات الورد الطبيعي، وفي الجهة الأخرى طبق بصنوف الفواكه، والأدوية، على مقربة منها ممرضة، تراقب حركات المريضة وسكناتها، وإذا عطست تمدها بمنديل، أو تكفكف لها الرذاذ.. المريضة مسنده على وسادتين صوفيتين.. خصلات ناعمة تتدلى على وجه تضيئه لمسات راحة البال.. تداعب بأناملها مجلة نسائية…
جلستُ برهة، ثم انتقلت إلى غرفة الضيافة.. خلف أحد جدرانها الزجاجي، أرض معشوشبة تزين صدرها مجمعات زهور، ونافورة رخامية تتدفق بمياه لؤلئية، يحيط بها سرب طاووس..
تخيل معي المرض والمرض، والدواء والدواء، وسرب الطاووس وسرب الصراصير…
أدخلت يدي إلى حافظة نقودي، ناولتها ما يُحتّمه الواجب ودّعتها ثم خرجت بهدوء…