ريتاج بريس تغطية: نقوس المهدي ـ
يعد برنامج “مقامات” من البرامج الناجحة والجادة التي تهتم بقضايا الفكر والثقافة الأدب في الاعلام السمعي المغربي، ويعده ويقدمه في حلل متنوعة وشائقة الاعلامي المتميز عبد الله البلغيثي.. على أثير إذاعة مدينة FM بالعاصمة الاسماعيلية مكناس.. وقد كان ضيف مقامات يوم الجمعة 11 يناير 2019، الفنان الفوتوغرافي والزجال محمد مومني من مدينة اليوسفية، واكبه في تأثيث الحلقة كل من السادة الاستاذ سعيد فرحاوي شاعر وناقد له العديد من المواكبات النقدية الجيدة، والمهدي نقوس، وعبر الهاتف الدكتور محمد داني القاص والناقد صاحب العديد من الاصدارات الفكرية والادبية، وقد تحدثوا كل بدوره عن تجرية محمد مومني الفنية والابداعية. كونه فنان عصامي عافر كثيرا من اجل رسم
مسيرته الابداعية بمجهود فردي، برغم العديد من العراقيل والمعيقات التي يفرضها المجتمع المغربي، حيث لا يولد المبدع وفي فمه ملعقة من ذهب، بل ينحت مساره وسط سديم مفازات واحراج مليئة بالمطبات..
وهكذا وبحكم الصبا فقد ادمن محمد مومني الفتى منذ حداثة سنه التردد على حلقات السوق الاسبوعي القريب من سكنه، وافتتن بها مستمعا ومستمتعا بما تمنحه من فرجة، بحكم انها السبيل الوحيدة للمتعة وتزجية الوقت.. ومكنه ذلك من حفظ واستظهار العديد من الأشعار والمفاكهات العامية، والقصائد التاريخية ذات الملمح الملحمي التي كان يصدح بها شيوخ الحلقة زمنئذ وبما أن المحاكاة هي نوع من لذة المعرفة بحسب تعبير ارسطو، فان تأثر محمد مومني بهذه الاجواء الفرجوية البهيجة كان بينا وواضحا، ومن هنا جاء تعلمه العزف على الآلات الوترية (لوتار – الكنبري)، ثم من بعد تولد عشقه للفن البصري والتصوير الذي أبدع فيه، وامتشق مصورته لاقتناص مناظره بعين ساحرة، وعاشقة، وبفنية وجمالية نادرة، واتخذ من فن الصورة هواية قبل ان تكون حرفة ومصدر رزق.. مواكبا ومتتبعا للأنشطة الفنية.. منشطا لورشات الفن الفوتوغرافي لمصلحة التلاميذ والطلبة بشكل تطوعي، مزاوجا بين الكلمة واللقطة الفوتوغرافية في توليف جميل تولد عنه مؤلف موسوم بـ”صورة وقصيدة” صحبة عبدالجبار ساكت، ومن قبل رفقة فاتح حميم، مقيما لعديد من المعارض الفنية بارض الوطن وخارجه. معلما ومتعلما من خلال الاحتكاك بالعديد من الفنانين الاخرين، لاعتقاده الراسخ بأن التعلم لا سن ولا حدود له…
وقد أجمع المتدخلون على فرادة المعجم الحمري الذي ينتمي، لــ “قبيلة احمر” الموغلة في عتاقتها، والتي تعد خزانا للقاموس العروبي بحكم ايوائها للإنسان العاقل قبل 300 الف سنة حسب التقديرات الحفرية، زيادة على ان سكانها لهم شرف الانتماء الى حمير من اليمن السعيد.. النازحين منذ قرون خلت واستوطنوا سهوب الكنتور.. ولا تزال هناك عدة دواوير وحطات تحمل أسماء يمنية مثل (ديل) و(الرياينة).. إذ نجد القاب الاهدل والهدلي والرياني في اليمن أيضا.. ومن هنا جاءت الخصوصية اللغوية للزجل الحمري
الذي لا يفرق كثير عن المناطق الاخرى التي تتميز ايضا بتوظيفها لمفردات خاصة بها بحكم التنوع الإثنى، وغنى الوعاء الفلكلوري للمجتمع المغربي بين العربي والامازيغي والحساني واليهودي. حيث يعتبر الزجل – كلون تعبيري – العمود الاساسي للتراث غير المادي.. واحد روافد الثقافة الشعبية، والخزان
الموضوعي للذاكرة الجمعية، المعتمدة في دراسة حياة الشعوب والاقليات واحوال القبائل، والتجمعات السكانية.. والمعبر عن سماتهم، وطرق عيشهم ومعيشتهم، خاصة في الدراسات الانثروبولجية والاجتماعية..
ولا غرابة ان نصادف في زجليات محمد مومني حمولة من هذا المعجم، جريا على طريقة كل الزجالين بالمنطقة. في توظيفه لقاموس خاص موغل في محليته وعراقته.. وينماز بمجموعة من الصور الشعرية الفريدة والزاهية، التي يستقيها من محيطه، وهي صور مليئة بالحكمة البليغة والنقد اللاذع، وليدة ديستوبيا الواقع المزري، المغلف بالألم والمكابدات والمعاناة، شخوصه كائنات مأزومة تبحث عن خلاص، تفنن في صياغتها بقريحة الفنان الحقيقي، وفي قالب شعري زاه وبليغ، يجمع بين حداثة الرؤية واصالة النظم، وبين بلاغة الصورة الشعرية وانسجامها وإيقاعيتها، وبين كثافة المضمون وعمق رسالته