سمير أبو القاسم
كيف يعقل أن تتحول الأحزاب في جل مناسبات تحليل الخطب الملكية إلى كبش فداء، يصب فيه “المحللون”، عبر جل وسائل الاتصال السمعي والبصري، كافة أشكال التقريع، وكأنهم يعبرون عن كراهية خاصة لها ؟ تتعرض الأحزاب السياسية لانتقادات كثيرة وحادة في غالب الأحيان، من طرف الفاعلين بمختلف مشاربهم الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، وقد يكون مبالغ فيها حسب الظرفية والأحوال والجهة المنتقدة.
وقد تتلقى الأحزاب السياسية انتقادات لاذعة حتى من طرف بعض منتسبيها، في إطار الغيرة عليها، ومن أجل تقويم بعض اعوجاجاتها وخلق ديناميات داخلية جديدة، تقيم نوعا من التوازن في العلاقة بين القواعد والقيادات. ومع ذلك، فالتقدير الصائب هو أن على الأحزاب أن تتحمل كل ذلك، على اعتبار أن هذا يدخل في صلب مهامها، خاصة وأن سبيل النضال من أجل التغيير لم ولن يكون في يوم من الأيام مفروشا بالحرير، ولا محاطا بريش النعام.
لكن، أن تتعرض الأحزاب للتبخيس والتقزيم والتشهير والسب والقذف ونفي وجود أدوار لها، من قبل بعض المتحذلقين والمتمسحين ممن يسموا أنفسهم محللي الوقائع والأحداث والخطابات، وأن تصبح الأحزاب مشجبا تعلق عليه كل أذران المشهد السياسي والحياة العامة، وأن تصبح الأحزاب مجالا للدلال من بعض المنتسبين إليها الراغبين في الضغط عليها من أجل تسلق مهني وارتزاق مالي واحتماء بعلاقات نافذة للوصول إلى مركز أو منصب أو…
هذا ما لا يستساغ، وهذا ما يدفع في اتجاه طرح الأسئلة المتناسلة بخصوص الجهات ذات المصلحة في إضعاف الأحزاب، والحيلولة دون مأسسة الصراع السياسي، وإبقاء نسبة المشاركة السياسية متدنية، والحفاظ على أوضاع اجتماعية مزرية، وإدامة أشكال الريع والفساد والتسلط، وقطع الطريق على كل مجهود يسير في اتجاه ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية والنزاهة والشفافية، وتقوية عوامل الغلو والتطرف والتقية في الحياة العامة.
فبعد مسار سياسي وطني شاق وطويل، وبعد تفهم القوى المناضلة للوضع في ظل شروط أكثر من مزرية، وبعد تقييمها للمرحلة بشكل موضوعي ودون تغليب للنزعة الأنانية ولا الانتقامية، وتفاديا للاستمرار في موقع قد لا يكون في صالح القوى الحية والفاعلة، تعمل الأحزاب الديمقراطية اليوم على تعديل موازين القوى، التي هي في الأصل مختلة منذ عقود ولا تزال. أما هذا “النقد” الذي يمارسه هؤلاء “المحللين” بطرق ووسائل متعددة، فهو لا يعدو أن يكون سوى إعلان حرب على الأحزاب بالوكالة، تلعب فيها الجماعات الضاغطة دورا كبيرا ومؤثرا سياسيا، لما لها من ارتباطات بالثروة والسلطة والجاه، ولما لها من إمكانات التحايل وقلب الطاولة في أي وقت وحين.
وهنا يكمن جوهر الإشكال، حيث غياب منطق التنافسية الشريفة، وحضور كل أشكال الغش على مستوى السعي إلى الوصول للسلطة. ولم تعد للأحزاب الجادة من طرق واضحة وشفافة للتمكن من ذلك، لكثرة القيود وضرب مبدأ الاستقلالية واعتماد كل صيغ التحايل. إن المتتبع للشأن السياسي يتضح له مدى ضيق هامش التطلع إلى الوصول للسلطة، ومدى كثرة الأخطاء واستعمالها كأداة ضغط على الأحزاب الجادة والهادفة إلى بناء دولة المؤسسات.
فدرجة تركيز معارضة هذه الأحزاب تعرف مشاكل آخذة في التفاقم، ومستوى تنافسية هذه الأحزاب تضعف بفعل حسابات الربح والخسارة على مستوى الانتخابات والمؤسسات المنتخبة، وهناك مشاكل لدى هذه الأحزاب على مستوى الأشخاص والسياسات وبنية المنظومة السياسية والبنية الاقتصادية والاجتماعية، كما أن هناك مطبات على مستوى اكتساب الأصوات في الانتخابات والحصول على أغلبية داخل المؤسسات المنتخبة، والمساومات السياسية في المجالات غير الرسمية، والمناورات داخل البرلمان، واستخدام الموارد المتاحة لعرقلة العملية السياسية، والنيل من شرعية العملية السياسية ومصداقيتها.
فبعيدا عن أية مزايدات سياسية في هذا الباب، نتمنى لو أن “تحليل الخطب” يتخذ لنفسه بعضا من الوقت، ويتم التدقيق في مجموع الأمور الشكلية والموضوعية التي بإمكانها تثمين عمل الأحزاب السياسية والدفع بها إلى المزيد من الارتباط بإطلاق خطوات سياسية شجاعة، على المستويين الحزبي والسياسي. وإعطاء الأحزاب حظا من القراءة المتأنية في ظل ظرف عصيب نجتازه كمغاربة. وإخضاع منطوق ومفهوم الخطب للتحليل والتفكيك وإعادة التركيب في وضع سياسي دقيق، ليس بالنسبة للأحزاب فقط بل ولمؤسسات الدولة بكاملها.
فوجودنا اليوم في هذا العالم مطبوع بمشاهد الحرب والدمار وخراب الحضارة والعمران، ونحن نعيش على إيقاع مواجهة زحف النزوعات نحو التعصب والتنافر والاستعداء، والضرورة اليوم تقتضي التجاوز العقلاني للانتكاسات والخصومات الناتجة عن طغيان ثقل الماضي الموروث، وهو ما يتطلب الدفع في اتجاه التعبير عن القلق بخصوص أوضاعنا الداخلية، والتساؤل بتخوف عن مستقبل عيشنا المشترك: “كيف نجعل الحياة بيننا أقل جهلا وبؤسا وفقرا وتوترا وعنفا، لتكون أكثر أمنا وتكافؤا وتواصلا وتضامنا ومحبة ورفاهية ؟”.