فندق الهُُبّال وقصة ثلاجة شاهدة على خبتنا

بقلم رزاق عبدالرزاق

 

مند 3غشت ومدينة مراكش تئن وتترنح تحث وطأة اشتعال مناخي غير مسبوق وغليان زئبقي أوصل المحرار مداه،  أي قرابة   51  درجة  مئوية ،  حيث يستحيل على السياح الأجانب  وعلى السكان المحليين التجول في أزقتها دون حمل  قنينة ماء يبللون بها حلقهمم و يروون  بها  ظمأهم . فمن يسافر إلى مدينة النحاس في فصل الصيف ، عليه أن يضع الماء في لائحة أولى الأولويات،  وإلا باغتت سفره السياحي  مفاجآت  غير سارة   .

ففي مساء هذا اليوم الفولاذي  الموشوم بالنار ، اندلع حريق مهول في إحدى المتاجر المجاورة لجامع لفنا ، حيث لم يفلح الإطفائيون في إخماده  إلا بعد أربع ساعات من الهلع والخوف من العدوى اللهيبية،  مع ما يرافقها من دخان خانق للرئتين ورماد معد للعينين . كان ألأطفال الصغار وطير الحمام  هم الأوائل ممن  تأثروا من الغازات المنبعثة من الحريق ، والذي نجهل لحد الآن أسبابه ومسبباته . فإن اكتفى طير الحمام بالانزواء المرضي داخل  الثقوب التي حفرها على مهل و بمنقاره في جدران  طينية البناء ، فإن  بكاء الصبيان المدوي  كان يسمع من بعيد، حيث لم ينفع معه  لا حلويات مشهية  ولا مثلجات ”بولو”  لوضع حد للصراخ  الحزين .

كانت العواقب ستكون وخيمة لو انتقلت الشرارة  إلى البنايات المجاورة لمتجر المجوهرات  الذي تعرض للأذى الناري، حيث توجد عدة  دكاكين لبيع المواد الاستهلاكية،  بما فيها قنينات غاز البوتان التي وضعت بطريقة عبثية في الممرات بدون تقدير للمخاطر المحتملة.

لم أخرج من الفندق الشعبي الذي استأجرت بيتا متواضعا  لأنام فيه . أرغمني الشر گي على الاحتماء بالظل المنعدم للرطوبة، ولما غربت الشمس، وبسط الليل ظلامه تأهبت للخروج، لكن اندلاع الحريق شدني بالمكان. فمن  الطابق العلوي  كنت أشاهد أعمدة الدخان التي حولتها الكثافة إلى سحب ضخمة نصفها غاز سام،  ونصفها الآخر رماد يشبه رماد البراكين،  نظرا لوجود مواد مطاطية التهمتها النيران . فلضمان سلامة المارة قام رجال الوقاية المدنية معززين بأفراد من القوات المساعدة  بسد الممرات المؤدية إلى الساحة الشهيرة . ومن المفارقات الغريبة، التي تثير الاشمئزاز  والتقزز هو تمادي الفرق الفلكلورية والبهلوانية  التي حولت فضاء جامع لفنا إلى مسرح دائم  لها  في الغناء والرقص. فحينما كان الإطفائيون يقاومون النيران كنا نسمع ضجيجها . تخيلوا معي هول المظهر وفظاعة المشهد،  أناس تخاطر بحياتها لإنقاذ ما يمكن أنقاده،  وآخرون يغنون ويرقصون،  كأن الحدث الدرامي يسرهم . فهذا السلوك لا يخلو من سادية ومن وحشية . إن السلوك المتزن يفرض مد يد العون والتضامن مع المتضررين ،  كما كان يفعل أناسنا الأقدمين. لكن نحن  بصدد الحديث عن جيل جديد ،  لا هم له  سوا اللهو والتهكم على  الغير،  بالإضافة إلى الأنانية المفرطة  وإيقاع الادى  بالمغفلين. جيل رمى به الهذر المدرسي في أحضان التسكع الذي يستعين بفن الفرجة بخيص الثمن . ويختم لياليه الصاخبة  في المجون و المخدرات والإباحية .

عاينت تصرفات بعض من هذا الجيل الضائع  في الفندق . وكانت آلة التبريد الكهربائية (الثلاجة) التي وضعها مالك الفندق  لخدمة المكترين شاهدة على أفعالهم  المشينة والصبيانية . فرغم عدم قدرتها على النطق،  فهي فضحت  سلوكياتهم المنحطة . فمع ارتفاع الحرارة ازداد الإقبال عليها . لكن كيف لآلة تبريد  من الحجم المتوسط  أن  تلبي طلبات مكتريي البيوت الستة وثلاتون الموزعة على الطوابق الثلاثة التي تحتوي عليها الدار؟  وضعت قنينتي لتبرد ، وحين رجعت إليها  لم أجدها .  نزلت لاشتري قنينة أخرى.  في المدينة القديمة  لا اثر للماركة البنصالحية التي تضررت من المقاطعة. كما تضرر بائع الحليب الفرنسي، لكن السائل  المعروض  للبيع يشبه ماء الصنبور الذي توزعه الوكالة  على السكان.

هناك  أربعة مدن مغربية أشرب فيها من ماء “الروبيني” لأنه ذي  جودة مقبولة  وهي كالتالي:  فاس ، مكناس . القنيطرة  ومراكش . أما  ماء  السد الذي يزود مدينة الرباط  ونواحيها  فهو أقل جودة من مياه الآبار، لأن ظاهرة  التخصيب البيولوجي (  EUTROPHISATION   ) أفسدت مكوناته الحيوية .

يقول المثل: ”الماء إذا طال مكثه كثر خبثه’‘. فمشكلة مياه السدود تكمن في ركوضها. فالتخصيب المشار إليه  يحول الأوحال المتراكمة في قاع السد،  إلى  منبت لشتى النباتات والطفيليات  التي تنطلق منها غازات  كيميائية مضرة  ك  ديوكسيد  الكبريت  SO2 . فلا غرابة إذن إن بدأنا نلاحظ  انتشار مراكز عديدة لعلاج  الكليتين،  في العدوتين الرباط وسلا. ومن يريد أن يتأكد مما نقوله، ما عليه إلا أن يملأ  إناء بالماء ويضعه على الفرن ـ وعند درجة الغليان يترك الإناء حتى يبرد،  بعد ذلك يسكب السائل في كأس شفاف لرؤية الغبار الأبيض الذي ساعد ارتفاع الحرارة على اكتشافه.   يعتبر هذا الغبار الميكروسكوبي من المواد الكيماوية التي تستعمل في معالجة المياه الملوثة،  لكن بقاءه قد يسبب الضرر. لذا أنصح  مستهلكي الرباط وسلا وتمارة وبوزنيقة والمحمدية   أن يقوموا بتصفية  الماء بعد تسخينه .   

نسد القوس العلمي  لنرجع إلى ارتفاع الحرارة المراكشي. ففي صباح اليوم الثاني استيقظنا على صراخ رجل مسن سرقت قنينته بالليل .  وكاد الأمر أن يودي إلى مشاجرة مع مكترى أخر. لولا تهدئة الخواطر. لم تصلح  كاميرات المراقبة التي  تشتغل ليل نهار ، في فضح سارق الماء الشبح .  بعد  تزايد الشكايات اهتدى حارس الفندق إلى فكرة احتراصية عساها  تحل المشكل . ألصق ورقة فوق آلة التبريد كتب عليها في صيغة المخاطب ما يلي :”  لا حق لك في شيء في ملكية الغير” . لما قرأتها انتابني الضحك وكادت قهقهة “بوزغيبية” أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه،  لولا أني قمعتها في صدري. فرغم الإزعاج لم أغير الفندق، لأنني وجدت فيه المادة الدسمة للإبداع الفكاهي . واعتقد جازما أني لو كنت في بالاس من 6 نجوم فلن  أجد ما وجدت في فندق الهبال (بضم الهاء )  كهذا . بدأت أفكر في مسرحية هزلية عنوانها: ” فندق الهبال”.  مستوحيا  من ما شاهدته في هذا المنزل  الذي لا يشبه  المنازل الأخرى، شكلا و قالبا .

لكم بعض المفارقات المضحكة : توجد  أربع  بيوت نظافة  مؤتة  برشاشة حمام لكن بعض النزلاء يفضلون بيت الاستنجاء، يملؤون  سطلا  بالماء و يصبونه على أجسامهم . الناس نيام وآخرون يغنون ” الراب ” بصوت مرتفع على سطح البناية.  وآخرون لم يحلوا لهم الحديث إلا بين الثانية صباحا ومطلع  الفجر،  ولولا تدخلات الحارس الليلي لعمت الفوضى . يرمون بالقمامة في الكوريدور ، يفتحون الأبواب بقوة ويتخاطبون بصوت مرتفع . ومن آجل  التقليص من الصداع الذي تسبب فيه سوء استعمال  الثلاجة ، خاصة بعدما تبين أن  الميساج ( لمن يهمه الأمر) غير مجد، جربت حيلة كانت أكثر مفعولا من الكلمات الفضفاضة المكتوبة على الورق . جمعت عدد كبير من القنينات الفارغة وملأتها بالماء الشروب  الموزع عبر القنوات العمومية ،  وضعت ستة  منها داخل الثلاجة والباقي خارجها. هكذا بدأت حدة الاحتجاجات  تنزل تدريجيا . لكن  القنينات استمرت في الاختفاء .  مما يستوجب تجديد الأسطول يوميا .  ولو كنت  انأ هو مالك الفندق لأزلت الثلاجة ، أو وضعت قفلا لها ، لأن جل مستعمليها  لم يقدروا قيمتها وأهميتها .  ففي اقدم عاصمة للمرابطين التي تلقب بالحمراء ،  شهر غشت هو شهر العطش و العرق و العياء  والنرفزة . إن حرارة الجو تولد العداء بين بني البشر. قصدتها من دون قصد . مللت من العاصمة الرباط فذهبت إلى طنجة، مدينة “الطابا”،  و “راك مضاخم ال عايل”  فوجدتها على أسوء حال  . الأرصفة ملطخة بدماء المتئاحرين ،  والمتشردون  يجوبون  الأزقة والشوارع، بسحنتهم المأساوية  التي تندر بما هو أسوء ، غلاء  فاحش و أمن مرتعش  . فبعد يومين غيرت الوجهة، من شمال البلاد إلى جنويه ،  فوجدت في فندق المجانين المراكشي  ما يسليني ويوقد حاستي للدعابة وللترويح عن النفس بالمستملحات  الواقعية ، وحتى إن كانت  كثرة  الهم  والغم تضحك .

يوم العودة إلى منزلي، استيقظت مبكرا لكي لا افتقد   قطار السادسة و20دقيقة ،  وكذلك لتجنب أشعة الشمس المحرقة. فباقترابنا بمدينة الدر البيضاء بدأ الجو يتغير، حيث لم  أكن مجبرا  على حمل قنينة ماء، أينما حللت ورحلت ، كما كنت افعل في مراكش . لكن رغم ذلك تبقى حرارة بلاد ”سبعة رجال”  صحية بالمقارنة مع مدن أخرى زرتها أو عشت فيها .

قبل أن انزل من الطاكسي قلت للسائق ، هاذ لمدينة خاصها يسموها سبعة جبال ماشي سبعة رجال”  . سالنيّ:” لماذا؟ “.أجبته: “المايا جاية من الجبل مع  الخطارات . ولولا تبقال  وسيروا والجبال الخمسة الأخرى لما نبتت نبتة واحدة  في مراكش ولا جاءنا  سائح أجنبي واحد”. أعجبه تفسيري،  وكجزاء لي عن الملاحظة العلمية التي بدا مفاجأ لسماعها  أراد أن يرد  الصاع بالصاع،  فقال لي بنكهته المراكشية :” واش بيتي تعرف بشحال تيتباع ساروت البقعة الأرضية  في جامع لفنا؟ “.  أجبت السؤال بسؤال،  مما يدل عن جهلي لما يجري ويدور في هذه الساحة التاريخية . بنو البلد أدرى من زوارها . ” لحلايقية ولا اصحاب الطنجية؟” . ” اصحاب القس،  كما كتسميوهم عندكم في الشاوية ” .  أعطيته رقما كنت أظنه الأقرب الى الحقيقة: ” 20 مليون” .”. رد علي بابتسامة ماكرة :”سير الله يجيبك على خير. 700 مليون”.

ركبت القار وانأ شبه مصدوم بضخامة هذا الرقم. كان بودي أن اطلب المزيد عن هذه الصفقة لكن الوقت لا يرحم ، وبعد سفر دام 15 يوما،  أفرغ الجيب من النقود ،  ولو زدت يوما آو يومين  على المدة المحددة،  لصرت في عداد اللاجئين، في مدينة اكتوى فيها محدودي الدخل بحرارة الطقس وحرارة الغلاء المعيشي .  

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد