أية فضاءات آمنة للشباب ؟!

رقية أشمال :باحثة في قضايا الشباب والمجتمع المدني

 

يطرح شعار فضاءات آمنة للشباب الذي اختارت الأمم المتحدة لعام 2018 أن ترفعه بمناسبة اليوم العالمي للشباب(12 غشت/أغسطس) تساؤلات واسعة عند معاينة البيئة السياسية المغربية الراهنة بما تستبطنه من ثنائيات متقابلة، يوقظها بشكل متواتر ، الاحتقان النفسي والاجتماعي المشحون الحاد الذي يرخي بظلاله على كل تواقي الحرية والديمقراطية بالمغرب و على الأخص المعتقلين وعائلاتهم، نتيجة الأحكام الثقيلة التي جثمت على رقاب نشاطهم الاجتماعي ، خلال التوترات التي شهدها الريف بسبب الاحتجاج على تفاقم مخلفات تراكم إرث ثقيل من التهميش والإقصاء ونهج سياسة الانتقائية المجالية -عمقه التقسيم الجهوي الجديد -في الأجوبة على بعض جزئيات ما تتطلبه التنمية من استراتيجية تفاعلية.

ولعل السياق التاريخي النضالي والمجالي المتباين للمنطقة حافل بكثير من العناصر لمحاولة فك خطورة تمديد هذا التعقيد الذي يجازف به أصحاب القرار بمقاربة أمنية في ظل غياب شروط المحاكمة العادلة .
موضوع اليوم العالمي للشباب لعام 2018 هو “مساحات السلامة للشباب”.
يحتاج الشباب إلى مساحات آمنة حيث يمكنهم الالتقاء ، والمشاركة في الأنشطة المتعلقة باحتياجاتهم واهتماماتهم المتنوعة ، والمشاركة في عمليات صنع القرار والتعبير عن أنفسهم بحرية. بالرغم من وجود العديد من أنواع الفضاءات ،
ذلك أن المساحات الآمنة تستوجب كرامة الشباب وسلامتهم تتيح الحرية المدنية للشباب و المشاركة في قضايا الشأن الترابي والحياة العامة ؛ كما أن الأماكن العامة تسمح للشباب بالمشاركة لممارسة حقوقهم الترفيهية الأخرى في المجتمع ؛ وهو نفس القدر الذي تستدعيه الحاجة للفضاءات الرقمية للشباب من أجل التفاعل العابر للحدود مع أقرانهم من دول المعمور ؛ ويمكن أن تساعد الفضاءات الواقعية العامة التي تراعي الشروط الإنسية لحياة كريمة على تلبية احتياجات الشباب المتنوعة لتعدد اختياراته ، لا سيما أولئك المعرضين لوضعيات الهشاشة والتهميش وأولئك الذين يوجدون في وضعيات مختلفة .
تركز خطة التنمية المستدامة لعام 2030 ، ولا سيما الهدف 11 ، على الحاجة إلى مساحة للتحضر الشامل والمستدام. بالإضافة إلى ذلك ، تكرر الأجندة الحضرية الجديدة (NUA) الحاجة إلى الأماكن العامة للشباب لتمكينهم من التفاعل مع أسرهم وإجراء حوار بناء بين الأجيال. وبالإضافة إلى ذلك ، يعطي برنامج العمل العالمي للشباب (WPAY) ، وهو إطار الأمم المتحدة لتنمية الشباب ، الأولوية لتوفير “الأنشطة الترفيهية” الضرورية للتنمية النفسية والمعرفية والجسدية للشباب، ومع تزايد عدد الشباب الذين ينشؤون في عالم مترابط تقنيا ، فإنهم يطمحون إلى المشاركة بشكل أعمق في القضايا السياسية والمدنية والاجتماعية ، ويصبح توافر الأماكن الآمنة والوصول إليها أكثر أهمية حتى يصبح ذلك حقيقة واقعية.
أمام هذا التدقيق الذي يصاحب الشعار الأممي الذي يطرح طموحات عريضة للشباب في حق تملكهم لفضاءات آمنة للتعبير عن انتظاراتهم واهتماماتهم وتلبية حاجياتهم ، وأمام غنى هذا التراكم المعياري لحقوق الشباب ، تظل التساؤلات عالقة ومترابطة :
ما الذي يجعل من انسياب الهدر الزمني والطاقي للساكنة ولمدبري القرار العمومي في المجال الترابي للريف يمتد إلى العامين في ظل تسيد الجواب الأمني وتغييب الأجوبة السياسية والاقتصادية والتنموية في عمومها؟ وهل عكست البرامج الحكومية ومخططاتها التنفيذية ومخرجات السياسات العمومية المأسسة الإجرائية لدسترة المواطنة في شقيها من الحقوق والمسؤوليات للمواطنين والمواطنات؟ بما يوفر تعاقدا مجتمعيا صلبا، غير هش، يسمح بصحة المسار نحو صفحة جديدة من التحول إلى الديمقراطية؟
إلى أي حد تعكس البيئة الحقوقية للفضاء العام واقعا إيجابيا حاضنا لشروط ومقومات المواطنة وما يترتب عليها من توزيع عادل للحقوق؟

الإقرار بما راكمه المغرب بتظافر كل سلطه ومؤسساته، حتى غير الحكومية منها (المدنية)، لم يمنع من بروز بعض الإشكالات المرتبطة بمدى انسجام مقتضيات الدستور المعدل مع المواثيق الدولية ذات الصلة بقضايا حقوق الإنسان أو ربط المسؤولية بالمحاسبة أو ضمان بعض الحقوق الاجتماعية، وكذا بالبون الشاسع بين مضمون هاته المقتضيات الدستورية ذات الصلة بحقوق الإنسان وما يمارس من انتهاكات جسيمة لها في الفضاء العام.

إن الواقع يكشف عمق التباين بين ما يقدمه النص الدستوري من مأسسة لهذه المواطنة على مستوى بلورة مجموعة من القيم، كالمساواة والحرية والكرامة، وتعزيز جملة من الحقوق عبر توسيع وظائف وآليات المشاركة والتشاور، التي تحاول أن تعبر عن وجود إرادة حقيقية في إدماج المعطى البشري، خاصة منه الشباب، وكذا الحقوق المرتبطة بالحريات العامة، بما تتضمنه من حرية التظاهر السلمي… وبين معطى مثخن بالتنكيل الذي تعددت صوره بين الإقصاء والتهميش والتخوين وتلفيق التهم الجاهزة والتعنيف، وكل أشكال الانتهاكات الجسيمة العامة لحقوق الإنسان التي شهدتها منطقة الريف على مدى يكاد يتجاوز سبعة أشهر -منذ واقعة طحن محسن فكري- في حق أسرها وعائلاتها، شبابا ونساء وكهولا، علاوة على الاعتقال والأحكام الثقيلة التي كانت من نصيب فئات واسعة من الشباب تجاوزت المائة، ذكورا وإناثا.

فإذا كانت الفضاءات الآمنة المواطنة تعرف بكونها مساحات سالمة ومُؤمنة اجتماعيا لحماية الشباب وضمان ممارسة حقوقهم على نحو أفضل ، منظم العلاقة التي تقوم بين شخص طبيعي وبين مجتمع سياسي، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء للوطن، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتسم هذه العلاقة بين الشخص والدولة بالمساواة أمام القانون، فهل يترجم الهاجس الأمني والظلم الاجتماعي والمجالي ، بدءا من تفتيت المنطقة في التقسيم الجهوي الجديد دون مراعاة لشروط إثنية، إلى غياب شروط المحاكمة العادلة ، الجواب على الحاجيات التنموية المقلقة لساكنة الريف وما يتساوى فيه مع باقي المجالات الترابية المهمشة على مستوى الوطن ؟

وهل يخضع تعاطي الحضور الأمني، تعنيفا واعتقالا، لعناصر حماية الفضاءات وضمان سلامتها التي يرنو إليها المواطنون والمواطنات في لحظات الاحتقان الحاد؟ بيد أن سلامة الفضاءات المرجوة مقابل أشكال التظاهر السلمي التي عبر عنها فاعلو الحراك والمتضامنون معهم لا تعكس إلا فداحة الإهمال الذي يتعرضون إليه من قبل السلطات، وأن حمى الاحتجاجات لا تفور إلا من جسد مجال إنساني أو ترابي أتعبه استفحال ”داء الحكرة”، وأن وقف نزيف حمى الاحتجاجات لا يكون إلا من خلال الحد من أسباب المرض ومعاقبة من ساهموا في امتداد تعفنه، وليس في معاقبة المريض الذي أرهقه حمل ثقل هذا الألم المتعدد.
وبغض النظر عن تعدد دلالات الفضاءات الآمنة للشباب اللغوية أو الحقوقية أو السياسية، فهي تتجاوز ضمان سلامة الانتماء لمجال جغرافي معين، إنها تمثلات تنعكس على القيم والسلوكيات والأهداف؛ فلا مساحات ضامنة للسلامة الأمنية للشباب ، بلا قيم الحرية والكرامة والمساواة والتضامن والإنصاف، ولا فضاءات مواطنة دون تنزيل هاته القيم من مستوى التمثلات والتصورات إلى مستوى التشبع بها من خلال السلوكيات.
هكذا يبدو أن ضمان تحقيق فضاءات آمنة مواطنة للشباب يحتاج إلى مناخ ثقافي واجتماعي وسياسي تعددي يحترم القانون وحقوق الإنسان، ويوفر ضرورات العيش الكريم؛ آنذاك يمكن أن نتحدث عن الشاب المواطن والأسرة المواطنة والحي المواطن والمدرسة المواطنة والفضاءات المواطنة… ودون ذلك تبقى الشعارات مجرد نزعة عاطفية عابرة وبروبكندا أممية تظهر أحيانا لكن سرعان ما تختفي باختفاء الدواعي اللحظية.

إن شباب حراك الريف عندما يجعلون التعليم والشغل والصحة من أولويات مطالبهم، فإن ذلك ينم عن مطالبتهم بحقوقهم في المواطنة في بعدها الاجتماعية. الحقوق الاجتماعية هي إحدى الأهداف الأساسية للفضاءات المؤمنة للعيش الكريم .
إن بناء فضاءات آمنة للشباب ، لا يمكن أن يستقيم إلا إذا تعبأت كل القوى المجتمعية، أفرادا (مبدعين وإعلاميين، ومدنيين وحقوقيين ومثقفين…) وجماعات، من أجل تحصينها و حمايتها والتحسيس بقيمها والتعريف بأبعادها وآلياتها. ذلك أن التربية عليها يجب أن تكون من خلال التربية على قيم التسامح، الديمقراطية، حقوق الإنسان ونهج الحوار، وإيقاف تضارب المصالح الخاصة بكائنات الأجنحة المظلية، ورفع أيديها عن المجازفة بهذا التراشق بالوطن وباستقراره.
ولعل الفرصة اليوم سانحة للدولة لتدشين أجرأة هذه التربية على قيم المواطنة والوطنية الحقة، توفيرا لأي كلفة مستقبلية في جبر الضرر الفردي أو الجماعي للمتضررين؛ وذلك من خلال الاستدعاء الاستعجالي لآليات الحوار وأجرأة مخرجاته، وتمتيع المعتقلين بالسراح، والنظر في المطالب الآنية لساكنة الريف كما باقي جهات المغرب التي تعرف كثيرا من الاختلالات المجالية.

أجدير 12 غشت 2018

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد