بدأت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية يوم الخميس 26 يوليوز، في تشييع العشرات من أبنائها الذين قتلوا في هجمات داعش التي ارتفعت حصيلتها إلى 250 قتيلاً، في أكبر عملية في هذه المنطقة منذ بداية النزاع في 2011. وتمكنت قوات النظام مع مسلحين محليين من صد هجوم داعش في مدينة السويداء وقرى في ريفيها الشمالي والشرقي، فيما أفادت آخر حصيلة للمرصد السوري لحقوق الانسان عن مقتل 246 شخصاً بينهم 135 مدنياً، والباقون من المقاتلين الموالين للنظام، غالبيتهم “سكان محليون حملوا السلاح دفاعاً عن قراهم”.
وارتفعت الحصيلة تدريجياً منذ صباح الأربعاء حتى منتصف الليل مع العثور على جثث المزيد من المدنيين قال المرصد إنهم “أعدموا داخل منازلهم بالاضافة الى وفاة مصابين متأثرين بجراحهم”. وبدأ التنظيم هجومه صباح الأربعاء، بتفجير أربعة انتحاريين أحزمتهم الناسفة في مدينة السويداء، تزامناً مع تفجيرات مماثلة استهدفت قرى في ريفها قبل أن يشن هجوماً على سبع قرى ويسيطر لساعات على ثلاث منها، بحسب المرصد. وتحدثت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن مقتل “عشرات الشهداء” وإصابة عشرات آخرين.
وأوردت أن وحدات الجيش “تصدت لهجوم نفذه إرهابيو تنظيم داعش على منازل المواطنين في قرى المتونة، ودوما، وتيما، والشبكي” في ريف السويداء الشمالي. وقتل 56 من مقاتلي التنظيم، بينهم سبعة انتحاريين، وفق المرصد. ونقل التلفزيون السوري الرسمي اليوم الخميس مشاهد مباشرة من مراسم تشييع القتلى الذين سقطوا في ريف السويداء، وسط أجواء من الحزن والغضب. ووضعت نعوش ملفوفة بالعلم السوري وسط قاعة تجمع فيها المئات من الشباب والمشائخ الدروز.
وحمل بعض الشباب صور القتلى التي وضعت أيضاً فوق كل نعش، وحمل اثنان منهما على الأقل، وهما يرقصان، رشاشين على وقع التصفيق والأهازيج. وأدانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على حسابها على تويتر الهجمات. وكتبت: “من السويداء أخبار مفجعة… المدنيون ليسوا أهدافاً”. وتبنى داعش الأربعاء في بيانين منفصلين الهجمات. ونشر فجر الخميس على حساباته على تطبيق “تليغرام” صوراً تظهر مقاتليه يذبحون شخصين على الأقل، قال إنهما من الجيش السوري والموالين له في ريف السويداء.
وقال وزير الخارجية السورية وليد المعلم الخميس في لقاء مع المبعوث الصيني الخاص إلى سوريا شي شياو يان، إن “عناصر تنظيم داعش الإرهابي القادمين من البادية” ارتكبوا “جريمة همجية بشعة راح ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى” في السويداء. ويعد الاعتداء، الأكبر، على المحافظة، التي بقيت إلى حد كبير بمنأى عن النزاع منذ اندلاعه في 2011. وتسيطر قوات النظام على كامل المحافظة فيما يقتصر تواجد مقاتلي التنظيم على منطقة صحراوية عند أطراف المحافظة الشمالية الشرقية.
وبعد طرده من مناطق واسعة في سوريا والعراق المجاور، لا يزال التنظيم قادراً على التسلل من الجيوب والمناطق الصحراوية التي يتحصن فيها لتنفيذ هجمات دموية. وتمكنت قوات النظام في ماي بعد هجوم واسع من طرد التنظيم من أحياء في جنوب دمشق، وأجلت مئات المقاتلين من مخيم اليرموك وأحياء مجاورة في جنوب العاصمة، إلى البادية السورية الممتدة من وسط سوريا حتى الحدود مع العراق، وتتضمن جزءاً من أطراف محافظة السويداء.
ومنذ اجلائه من جنوب دمشق، ينفذ داعش هجمات على نقاط وجود النظام وحلفائه في البادية والمناطق المحيطة بها، وفق المرصد. ونشرت شبكات اعلامية محلية على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً قالت إنها لمقاتلين من التنظيم قتلوا في الاشتباكات الأربعاء، وأفادت بالعثور على بطاقات هوية تُظهر انهم من مخيم اليرموك. في قرية المتونة شمال السويداء، روت زينة لفرانس برس الخميس ما شهدته من الهجوم، وقالت: “استيقظنا عند الخامسة والنصف صباحاً على أصوات إطلاق نار. كانت القنابل تسقط قرب منزلنا واستمرت الاشتباكات قرابة نصف ساعة”.
وقالت السيدة التي قتل المتطرفون ابن عمها وزوجته: “أطلق أحد أقربائي النار على واحد منهم خارج منزلنا وسمعناه يصرخ: الكفار يقتلونني”. وأشارت إلى “أجواء حذر سادت المنطقة ليل الاربعاء الخميس مع استنفار الشباب” تحسباً لأي تسلل. وعلّق الرئيس السوري بشار الأسد عند استقباله مسؤولاً روسياً الأربعاء على ما حدث قائلاً إن “جريمة اليوم تدل على أن الدول الداعمة للإرهاب تحاول إعادة بث الحياة في التنظيمات الإرهابية لتبقى ورقة بيدهم يستخدمونها لتحقيق مكاسب سياسية”. ونددت وزارة الخارجية الروسية الأربعاء بـ”أعمال العنف الجماعية ضد السكان المسالمين” في السويداء.
وندد حزب الله اللبناني، أبرز حلفاء دمشق، الخميس بـ”الجريمة النكراء ومرتكبيها ومن يقف خلفها والفكر التكفيري الذي تتبناه هذه المجموعات الإرهابية”. وتوشك قوات النظام على استعادة كامل جنوب البلاد الذي يشمل محافظات درعا، والقنيطرة، والسويداء، بعد سيطرته إثر هجوم، واتفاقات تسوية مع الفصائل المعارضة على أكثر من 90% من درعا والقنيطرة. ويتعرض فصيل موالٍ لدااعش منذ أيام لهجوم عنيف من قوات النظام في آخر جيب يتحصن فيه في محافظة درعا المحاذية للسويداء. وتشهد سوريا نزاعاً دامياً تسبب منذ اندلاعه في 2011 في مقتل أكثر من 350 ألف شخص، ودمار هائل في البنى التحتية ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها