الأديبة السورية سوزان إبراهيم
والموج أعلى من قامة المدن.. أعلى من قامة الأسوار.. والريح أعتى من قدرة المتخشّب على المراوغة.. أعتى من قدرة النسغ الطري على الصعود إلى أعلى ورقة في قمة الشجر.. كيف نخرج من باب الجحيم آمنين ؟!
من أدخل الموج.. من أعطاه تأشيرة آمنة.. من ترك بعض الأسوار لرحمة الأنواء ؟
لماذا تخشّبَ شجرنا وفقد ليونةَ مراوغةِ العاصفة.. فصار الشجر حطاماً.. وصارت مداخل المدن غربالاً ؟!
من هم المستيقظون الآن ؟ من يراقبون ؟ من أين يتوقعون جهة الخطر.. من خلف الأبواب أم من داخلها ؟!
حسب توقيت المدن المنكوبة على الجميع أن يصبح حارساً.. وحسب توقيت الأمل على الجميع أن يستيقظوا، إذ لا وقت للنوم.. فقد أتخم النوم أزمنة مضت.. وما أنتج نومهم غير الكوابيس !
في الزمن اللاعادي.. الزمن اللاطبيعي، ونحن نعيش كلَّ تفاصيله الخارجة عن المألوف، يغدو اختراق الثابت مطلباً ملحّاً ليعود الزمن إلى اعتياده وطبيعته.. “لا يوجد قاعدة لا يمكن مخالفتها من أجل الأجمل” هكذا صرّح بيتهوفن.. ونحن في عصر النشاز وأصوات الطبول التي تقرع منذ ألف تدريب على العزف، لنحاول تغيير القواعد في سبيل ما هو أجمل.
“غداً لن يموت أبداً” لا يمكن لمنطق الماضي مهما طغى أن يحول دون ولادة الغد.. مهما ارتفع الموج.. مهما تهدمت الأسوار.. فالغدُ يولد كل يوم.. وكنهرٍ لا يمكنك السباحة في مائه مرتين، فإن الزمن لا يعيد نفسه مهما ظنّ الناس أنه يفعل !
من يعلّم المدنَ اليوم كيف تستعيد خطواتها اليومية ؟ كيف ننقّي الزؤان من حنطتها؟ كيف نغربل فتنتها من قبحٍ يحاول تلويث ثيابها ؟
من سيقود الحرب من يدها العجوز إلى البحر بعد أن يملأ جيوبها صخوراً ويدعها تغرق هناك؟ من سيعيد للأبواب عتبات انتظار القادمين ؟ من سيعيد النوافذ إلى جدرانها لتنفتح على أفق وحديقة وطفل يكبر؟
إنهم المستيقظون.. وحدهم من يحرسون المدن والأسوار ويسقون الشجر ليحتفظ بطراوة النسغ الصاعد إلى الأعلى.. والمستيقظين قلائل في زمن النوم، لكن حارساً مستيقظاً يكفي كي ينبّه المدن الجميلة لتداري فتنتها عن عيون الغزاة.
هو ذا رهاننا: كم سيكون عدد المستيقظين منّا ؟
هي ذي قوارب نجاتنا.. الصحو شاطئنا.. ليس صحواً من نوم مستبدٍّ، بل صحو يخترق القاعدة السائدة الميتة- ولهذا هي ثابتة- فالثبات على حال واحدة منذ قرون هو شكل آخر للموت لا للحياة.. فلنغيّر قواعد عزف لحن الحياة، نستحق محاولة أخرى.. لاختراع لحن جديد.. وكي يكون اللحن جميلاً على الجميع أن يعزف وفق نوتة جديدة وبتنسيق فائق الدقة.. وإلا ستضيع نكهة اللحن في فوضى ارتجالات.
من هم المستيقظون اليوم؟ فلتتكاثروا.. ولتعزفوا جديدنا