اليوسفية: الأديب والقاص المغربي المهدي نقوس
موقف الحضرة والجذبة
أوقفني على سكة الحضرة، وقال يظل الإنسان في حيرة من أمر حقيقة وجوده، وحينما يدرك نصف حقيقته أو بعضها يفنى، ولا تستساغ الحياة إلا ببطلان أسبابها، والشقي من تمادى وأضاع وقته في معرفة كنهها، ففي أعقابها تشقى النفوس، ومن دونها تستريح
وقال: اهرب من الحياة ولا تهرب إليها، فإنها تصون من لا يصونها، وتتمسح فيمن يعرض عنها، والقبر غايتها ومستقر ناسوتها، والعمر محدود، والرزق مضمون، والاحتراس واجب مما لا ينال، ولا يطال، ولا ينقال.
ثم قال: لا تفوض أمرك لكيمياء الصدفة، فما في الجب إلا الماء، وما في الجبّة إلا الهواء، وما في الجيب إلا الهباء، وما في الجراب إلا الخواء. ولكل داء دواء.
وقال: شد أمرك على درب الحق إلى ساعة بلوغ الحقيقة، وكشف الحجاب عن الحساب، وليكن كلامك مسلحا بالمعاني على مقدار التأويل ومنتهى الغايات، وتحقيق الاستحقاق، وليكن عزمك نبراس عزيمتك، يرفعك إلى سدة القبول والاصطفاء، ويسمو بك إلى مدارك الصفاء.
وقال: سر مستترا بستائر الإسرار، مستورا بسرابيل الستر، فالإسراء بدون سير لا سر له، والسريرة بدون سر لا سيرة لها، والسائر بدون استتار لا سير له، والمسير بدون سمير لا مسرّة له.
موقف الوجد والحال
أوقفني على باب المواجيد، وقال: هذا مقام الوجد، وبلاغة البلاغة بلوغ المكان والزمان وأنت محمول على صهوة التجريد، والوجد مفرد لا يحتمل الجمع، وجمع لا مفرد له، وإجماع لا شريك له في باحة المعاني والكلام، ومبتغاه ملامسة الغاية، وأصله غرائز الغواية، والعيون وسائطه التي تغني عن الإيضاح بالإفصاح، فأستهد بوميض عرفانه الوهاج، واستلذ بلذاذات الانكشاف، واستدل بهاتف الوجدان، واستتر بفيء جود دوح البسط، واستظل بفيض مزنه ما استطعت، ولا تبيتن إلا وأنت في حل من كل إضمار واشتهاء ولو في المنام
موقف التسوّق
أوقفني ترجمان الأسواق على بعد من رفوف السوبرماركت، وأنا بدون متاع، وقال أنت وما تشتهي، والكائن بقدر ما يملك، فكانت البضائع تتمطى وتناوشني وتناديني وتغمز لي بكيمياء البصيرة، وأرنو إليها بيقين التصبر، وأنال منها بطول التبصر ما يسد سغب حرماني، وما يكفيني مؤونة الافتتان بالبصر.
موقف الوادي والماء
أوقفني على دلتا الوادي، وقال لي: يوجد في الواد ما يوجد في الوادي، ثم قال عم نهرك، واكتم سرك، وامسح الماء بالماء، وإياك والبلل، واخش من الأنهار الهادئ، ولا تعبأ بالهادر، فإن من عاقته الكياسة والحنكة وقصر الذراع، استعاض عنها باللغو والقيل وطول اللسان.
ثم أوقفني على بسيط الماء، وقال: هذا موقف أفتيناه بإفتاء مليح، وأفضاله ليست تحد، ومنه وبه وفيه وله وعنه وعليه ما لا يعد ولا يحصى.
والماء مياه، ماء الوجه، وماء الحياة، وماء الصلب والغدد، وماء العيون
فماء الوجه يكسب المهابة
وماء الحياة يجلب الكآبة
وماء الصلب والترائب يحدث الجنابة
وماء العين يوقظ الصبابة
موقف النطق والصمت
أوقفني في دوامة السديم، وقال لي: النطق والصمت ضفتان، كالصوت والصدى، والكلمة والمعنى، والضوء والعتمة، والقوس والرمح، والنهر والطمي، والشيء والظل، والليل والنهار، والإشراق والإظلام، فاحتم بدياميس النهارات، وتجل بانقشاع الحنادس.
وقال: الحياة كوائن أزلية، والفيوضات أحراجها، والحادثات فرسانها، والموسيقا لازوردها الأبدي.
فاكفر بكل نعمة متبوعة بلغط
ولا تخن ذاكرة مجبولة من صلصالك
ولا تخذل روحك بسراب خلب
ولا تغير أحلامك بمجد غير جدير بوجودك.
—- يتبع ——